الجامعة الترسانة! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

منذ أعوام غير بعيدة كنت في زيارة إلى جامعة كمبردج البريطانية العريقة للمشاركة في منتدى عُقد فيها، وخلال فعاليات ذلك المنتدى كنا نتناول طعام الغداء في إحدى القاعات العريقة بالجامعة، وتبادل الضيوف وقتها أطراف الحديث في مواضيع شتى، وكان حاضراً معنا أحد كبار الإداريين التنفيذيين في الجامعة العريقة يشارك في الحديث تارة ويصمت تارة أخرى، وخصوصاً حينما تحول موضوع النقاش إلى سيرة التنافس المثير المحموم والتاريخي بين جامعتي كمبردج وأكسفورد أيقونتي التعليم العالي في بريطانيا، والتنافس الذي استجد لاحقاً مع النموذج الذي انطلق مقلداً لهما على الضفة المقابلة من المحيط الأطلسي والذي شهد تأسيس جامعتي هارفارد وييل في الولايات المتحدة، اللتان أصبحتا أيقونتي التعليم العالي في العالم الجديد بشكل عام. فما كان من الإداري التنفيذي إلا النهوض من مكانه والذهاب بخطى هادئة وواثقة باتجاه النافذة الكبيرة في الجانب البعيد من القاعة الكبيرة، التي يصل علوها إلى سقف القاعة الكبيرة وقال بصوت هادئ «بجانب هذه القاعة توجد مقبرة الجامعة الرسمية، وهنا يُدفن فيها أهم خريجيها، وسأشير لكم أنه به يرقد كل من إسحق نيوتن وتشارلز داروين وستيفن هوكينغ».

ساد صمت طويل وثقيل بعد كلماته هذه، وعاد الرجل بخطى سريعة إلى الطاولة وعلى وجهه ابتسامة الواثق والمنتصر، وكأنه أدلى بشهادة حاسمة لمصلحة موكله في محكمة قانونية. وبعد أن جلس في مكانه انطلق الرجل يحكي عن المكانة العلمية للجامعات الكبرى التي تُكتسب بعد مئات السنين، هي مكانة اكتسبت بفضل الإنجازات القابلة للقياس والمقدمة في المجالات كافة، وانعكست لصالح البشرية عموماً في تحسين مستويات جودة الحياة بأشكالها المختلفة.




ويضيف الرجل بلغة متمكنة، أن هذه المكانة المميزة والفريدة لا يمكن شراؤها بالمال عبر الإغراءات المثيرة لنقل الخبرة بفتح فروع لها حول العالم، وذلك في إشارة مبطنة وتلميح مستتر إلى العروض المالية التي تأتي لهم مقدمة لهم شيكاً على بياض مقابل القبول، ولا الانصياع لمعايير شركات التسويق ومقاييس المستشارين المختصين لتحسين مواقعهم على القوائم السنوية المتخصصة والمدارة على الأغلب من قبل مؤسسات تعمل في مجال العلاقات العامة.

استمر الرجل في حديثه الشائق ليقول، إن السر في هذه المكانة هو الحرية والاستقلالية. الحرية الفكرية التي تسمح وتتيح للجامعة ككيان تعليمي وأكاديمي بحثي مستقل الخوض في أي موضوع للتعمق فيه طالما كانت هناك فائدة علمية مرجوة من كل ذلك. والغرب بشكل عام يدرك تماماً أن لديه إرثاً علمياً تفرزه أهم آليات الصناعة البحثية التعليمية، التي تشكلها كبرى الجامعات والمعاهد الغربية والتي تغذي بأبحاثها الحكومات والشركات بأهم مخارج نتائجها الأكاديمية. وهذه المنظومة التعليمية تشكل عنصراً من عناصر التفوق النوعي للمعسكر الغربي مقارنة مع روسيا أو مع الصين بشكل رئيسي. فاليوم، باتت الجامعات والتعليم العالي في الغرب جزءاً من الترسانة الأمنية وطرفاً في المواجهات الجيوسياسية بين المعسكر الغربي عموماً والأميركي منه تحديداً، وهذا ما يفسر القرار الأميركي الحاد الذي أخذته بالحد من إصدار التأشيرات بالنسبة للطلبة الصينيين بعد اتهامهم بالتجسس الصناعي والتجسس العلمي ومحاولة استقطاب خلايا للتجسس لصالح الصين وسرقة الأفكار من منبعها.

وهذه المسائل تطرقت إليها بشكل معمّق وشامل وثري الكاتبة الأميركية جيني لي في كتابها المهم الذي حمل عنواناً مشوقاً ذاتي الشرح، وهو «القوة الأميركية في التعليم العالي الدولي»، والذي تبين فيه أن أهم القرارات السياسية والاقتصادية والفكرية كانت من إفرازات العصف الذهني الأكاديمي والمقررات البحثية التي تلته من الجامعات الغربية الكبرى. ولكن اليوم، الجامعات الغربية الكبرى عموماً تحاول إعادة اختراع نفسها وهي تشاهد العواصف والأعاصير التي قلبت سوق العمل رأساً على عقب لتجعل لأصحاب المهارات المميزة أولوية على أصحاب الشهادات العلمية القيمة…
وهذا التوجه تقوده كبرى شركات التقنية في العالم مثل «غوغل» و«أبل» و«أمازون»، وبالتالي هي ليست صرعة غريبة ولا موجة عابرة أبداً. وهذا الأمر سيشكل أداة ضغط مالي عظيم على قدرات الجامعات من تحقيق تدفق نقدي إيجابي وصحي؛ مما يعني وبشكل عملي أن على الجامعات إعادة تكوين نموذج الأعمال الخاص بها لكي تواكب متطلبات العصر، وبالتالي تمكينها من الاستمرار والبقاء بشكل مستدام.

الجامعة أصبحت عملياً سلاحاً في الترسانة الغربية… هذه هي الخلاصة.