المبادرة الأميركية المنسيّة والتقرير المطموس: لجنة كينغ كراين في عيناب ١٩١٩- بقلم توفيق الشعار

شغفي بقريتي عيناب الواقعة في منطقة الغرب ضمن قضاء عاليه في محافظة جبل لبنان، أوصلني الى تقرير لجنة كينغ كراين التي أنشئت بتكليف من مجلس الأربعة الكبار المجتمعة في مؤتمر باريس للسلام سنة ١٩١٩ وذلك بناءً على اقتراح الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون المرتكز على مبدأ ” موافقة الشعوب وحق تقرير المصير “. كان هدف المبادرة الأمريكية إرسال لجنة محايدة لاستطلاع آراء مختلف المجموعات العرقية والدينية في بلاد الشرق الأدنى حول رغباتهم وخياراتهم بعد هزيمة السلطنة العثمانية التي حكمتهم على مدى ٤ قرون. وتم اختيار الأمريكيين هنري كينغ وتشارلز كراين لقيادة اللجنة يعاونهما مجموعة من الخبراء الأمريكيين في شؤون الشرق الأدنى بالإضافة الى الدكتور سامي حداد أستاذ الطب من الكليّة السورية البروتستانتية المعروفة اليوم بالجامعة الأمريكية في بيروت. وتشير وثائق التقرير المؤرّخ في الثامن والعشرين من آب ١٩١٩ ان اللجنة زارت ٣٦ مدينة وبلدة في المنطقة الممتدة من الأناضول الى غزة مروراً بسوريا ولبنان. وكانت بلدتي عيناب محطتهم في الحادي عشر من تموز ١٩١٩ حيث تم الاجتماع مع وفود من كافة مناطق الغرب والشوف في منزل الصيدلاني أبو منير سعيد الشعار … وما زال ذلك البيت قائماً حتى اليوم. وكم نودّ ان يتحوّل الى متحف يجمع تاريخ أحداثٍ خاصة ببلدة عيناب وأخرى عامة وطنياً وقومياً، على مدى قرون تمتد من زمن الأمراء العيانبة التنوخيين الى يومنا الحاضر …

أما نتائج استطلاع لجنة كينغ كراين بعد الاجتماع مع أفراد ومجموعات تمثّل مكوّنات الشرق الأدنى واستلام العرائض منهم فقد أظهرت ان ٦٠,٥ % اختاروا أمريكا كدولة مفضّلة (على ان تكون بريطانيا هي دولة الانتداب البديلة في حال تمنّع أمريكا) لمساعدتهم في مرحلة انتقالية نحو الاستقلال ضمن سورية الموحدة بقيادة الأمير فيصل ابن الشريف حسين بن علي الهاشمي أمير مكة والحجاز على ان يكون ملكاً على سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين كما يظهر في الخارطة الأمريكية أدناه. وفي فقرة خاصة عن لبنان كانت توصية تقرير اللجنة ان يؤخذ التنوّع الديموغرافي المتواجد على مساحة صغيرة تسكنها الأقليات وتحديداً المسيحية بعين الاعتبار فيكون لبنان جزءاً لا يتجزّأ من سوريا ولكن يتميّز بلامركزية موسّعة. أما اذا كانت المصالح الفرنسية في سوريا تهدد العلاقات الوديّة بين الحلفاء يصبح من الممكن ترتيب انتداب فرنسي على لبنان دون توسعة للحدود ويكون منفصلاً عن سوريا وفقاً لرغبة بعض المجموعات في المنطقة. إلا ان اللجنة لا توصي بهذا التوجّه لأسباب مذكورة في الملحق السرّي. وقد جاء في الملحق السرّي بالفقرة الخاصة عن لبنان بأن فصله عن سوريا ووضعه تحت الانتداب الفرنسي سوف يخلق حالةً من عدم التوازن لا يمكن التعافي منها.




فمعظم سكان لبنان الموسّع (٦٠ %)غير موافقين على هذا التوجّه.
والسوريون خارج لبنان الموسّع يفضلون الحرب على قبول الانتداب الفرنسي وفصل لبنان عن سوريا. ويضيف الملحق السرّي ان المسيحيين فيه يملكون ٦٥ ٪؜ من الأراضي إلا أنهم يشكّلون ٤٠ % من السكان. كما أن مياه حمص مصدرها المناطق المسلوخة من سوريا لأجل لبنان الموسّع. هذا عدا عن إشكالية التواصل التجاري لمناطق دمشق وحلب بالبحر المتوسّط الخ … لذلك ترى اللجنة ان المساحة صغيرة وذات صلات عميقة تمنع أي انفصال او تقسيم مُقنع. ويشير الملحق السرّي أيضاً الى ان تزامن فصل لبنان مع فصل فلسطين سوف يثير النعرات الطائفية اسلامية ومسيحية ويهودية ويؤدي الى نزاعات ومؤامرات وسباق تسلّح وعنف ونشوء محميّات باهظة التكاليف على دول الانتداب. وهذا قد يؤدي الى عداء ونزاع بين قوى الانتداب نفسها ينعكس على أجزاء من البلاد وعلى شعب مقطّع الأوصال عكس الطبيعة حسب التعبير الوارد في الملحق.

ويبدو من كل ما ورد أعلاه ومما نعرف عن تحوّل الوقائع بعد ذلك، ان صرخات أغلبية سكان المنطقة وتوصيات لجنة كينغ كراين وقعت على آذانٍ صمّاء في مؤتمر باريس. وقد عبّر تقرير اللجنة في مقدّمته عن الذهول الذي عصف بشعوب الشرق الأدنى نتيجة خيبة الأمل التي حلّت بالترك واليونانيين والعرب والأرمن واليهود والسوريين والدروز دون إغفال الاستياء الأوروبي (ترجمة حرفية) حول مآل المبادرة الأمريكية وتقريرها الذي عوّل عليه كل هؤلاء أملاً بعصرٍ جديدٍ من السلام والاستقرار …

وفي قراءةٍ بين السطور يتبيّن ان الاتفاقيات السريّة إبّان فترة الحرب وبخاصة بين البريطانيين والفرنسيين وتحديداً إتفاقية سايكس بيكو في أيار ١٩١٦ طغت على نتائج المبادرة الأمريكية، المرتكزة على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتجاوزتها بل تجاهلتها مدعومةً أيضاً بوعد بلفور ليتغيّر بذلك شرق المتوسط ويصبح فردوساً مفقوداً بل جهنّماً موعوداً … مع سقوط تلك المبادرة الأميركية المنسيّة.