مقترح نصرالله النفطيّ يُغرق لبنان حتى الاختناق

مجد بو مجاهد – النهار

يُستعاد شريط المواقف المُطعّمة بأبعاد سياسيّة في خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد #حسن نصرالله، ليَشمُل مجدّداً مقترح استيراد النفط من #إيران على طريقة التصوير السينمائيّ في سرد مشهد حاملات البنزين والمازوت، داعياً إلى أن تمشي من إيران إلى لبنان وبالليرة اللبنانية. لم يغب “الكادر” التصويريّ الخياليّ أساساً عن هذا الاقتراح، بعدما كان أُطلق منذ أكثر من سنة وسَوّق له محور “الحزب”، انطلاقاً من أقصوصة أنّ الناقلات الإيرانية تصول وتجول في البحر، ويمكنها أن ترسو في الشواطئ اللبنانية لحظة يأتيها النداء. وتستقرئ أوساط سياسية في “عروض نصرالله” حلقة جديدة من مسلسل “الجهاد الزراعي والصناعي” الذي كان أطلقه قبل أشهر من الزاوية السرديّة نفسها، التي صوّرت الحلّ اللبناني على طريقة زراعة سطوح الأبنية والمنازل. وبعيداً عن السرد “السورياليّ” الذي يعتمده “حزب الله” في تبسيط مقترحات الحلول للمعضلات اللبنانيّة من دون الأخذ في الاعتبار أدنى المعايير العلمية الاقتصادية، فإنّ ما يغيب عن مقترحات حلفاء المحور “الممانع” في لبنان، هو التطوّع لوقف التهريب عبر الحدود الذي يستنزف أموال المودعين، أو بمعنى أكثر وضوحاً اتّخاذ قرار بوقف التهريب بدلاً رفع بطاقة حمراء تمنع رفع الدعم عن السلع.




أي إيضاحات علميّة تسلّط الضوء على مخاطر مقترح قائم على استيراد النفط من إيران راهناً، وبالعملة اللبنانية؟ قد تتمحور الإجابة الأكثر تأثيراً في امتناع دول العالم عن استيراد النفط الإيراني. وفي السياق، كانت معطيات تقرير رسمي صدر في أيار الماضي عن المبادرة المشتركة للبيانات النفطية (جودي)، قد أظهرت أنّ طهران أخفت بيانات صادراتها من الخام خلال شهر آذار الماضي، بالتزامن مع تراجع حادّ في أرقام إنتاج النفط الخام. يأتي ذلك فيما لا يزال هبوط صادرات إيران النفطية مسيطراً، حيث تبحث البلاد عن تسويق النفط الراكد منذ تشرين الثاني 2018. وفي وقت يعزو خبراء ذلك إلى محدودية عدد الدول التي تستورد النفط من طهران امتثالاً للعقوبات الأميركية المفروضة على نفط إيران، فإن تراجع الطلب أتى من الصين المستورد شبه الوحيد للنفط الإيراني.

إلى ذلك، وفي تقرير حديث نشرته “رويترز” في 19 أيار الماضي، خلصت ثلاثة تقييمات إلى أن صادرات النفط الإيرانية التي كانت في اتجاه صعودي تزامناً مع إحراز تقدّم في المحادثات الرامية لإحياء اتفاق 2015 النووي، انخفضت منذ بداية أيار، مما يعكس تراجع الطلب من الصين. وقال مصدر تجاري في 14 أيار إن بترو لوجستكس، التي تتتبّع تدفقات النفط، أبلغت عملاءها بأنّ صادرات الخام الايرانية انخفضت بعض الوقت إلى الصفر في أيار، من حوالي 703 آلاف برميل يومياً في نيسان، عازية ذلك إلى تباطؤ تسليمات مصافي التكرير الصينية المستقلّة.

كيف تقرأ مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا والخبيرة في شؤون الطاقة لوري هايتيان مقترح “حزب الله” القائم على استيراد النفط الإيراني بالعملة اللبنانية؟ تقول هايتيان لـ”النهار” إنّ “المقترح شبيه باستيراد البنزين كما الأسلوب المعتمد من إيران إلى فنزويلا. ويعتبر نصرالله أنّ هذا النموذج يمكن أن يسلك طريقه لبنانياً، في ظلّ وضع كارثيّ يمكن من خلاله استخدام هذه الفرصة للحصول على الوقود من إيران. لكن السؤال الذي يُطرح يكمن في الجهة التي يمكن أن تستورد البنزين. هل هي الدولة اللبنانية التي ستجلب النفط الإيراني من دون مناقصات ومع تخطي كلّ المؤسسات؟ وكانت الوزيرة السابقة ندى البستاني سنة 2019 قد أجرت مناقصة كي تدخل الدولة اللبنانية في قطاع البنزين عبر 10% من السوق. ويُطرح سؤال في السياق حول ما إذا كانت الشركة الفائزة بالمناقصة تستورد إلى السوق اللبناني 10% من البنزين، بعدما كانت الفكرة الأساسية في كسر كارتيل البنزين”.

وتالياً، “هل يدعو نصرالله الدولة اللبنانية إلى تخطي كل المؤسسات والإجراءات الحاصلة عبر المناقصات واستيراد البنزين من إيران؟ ومن هي الجهة التي يمكن أن تأتي بالنفط؟” تساؤلات تطرحها هايتيان، مشيرةً إلى أن “قضية الدفع بالليرة اللبنانية لا تعود بالنفع على إيران التي تعاني من أزمات اقتصادية. ويدلّ العرض على البحث عن مرحلة أخيرة لتحويل لبنان بشكل أكبر إلى إحدى جبهات الممانعة التابعة لإيران، والتي تريد التصدي للعقوبات العالمية. ويؤدي استغلال حاجات اللبنانيين إلى بسط نفوذ إضافي من خلال هذه الأمور، وهذا متوقّع باعتبار أن مضاعفة حجم الانهيار تعود بالفائدة على “حزب الله” والطرف الإيراني. ولا شكّ أن إيران ستعمل على إحراق العملة اللبنانية التي قد تتقاضاها، في حال تنفيذ مقترح استيراد الوقود، لأنها تكسب مسألة أهم من خلال النفوذ الزائد وترسيخ الحضور لبنانياً”.

وتحذّر من أنّ “استيراد النفط من إيران يؤدي إلى مضاعفة العقوبات التي تضع لبنان بخطر أكبر على عينك يا تاجر، من خلال مواجهة العقوبات المتّخذة ضدّ إيران. ويُذكَر أن الطرق التي تحاول من خلالها إيران التسويق لنفطها خفيّة، لكن حزب الله يرفع في مقترحه تحدّياً علنيًّا في وجه الأميركيين، وفي وجه فئات من الشعب اللبناني بهذه الطريقة. ونحن ندرك أن وصول النفط الإيراني إلى سوريا يحصل من خلال تبديل في البواخر لضعضعة العملية، لكن ليس ذلك ما يطرحه نصرالله بل إنه يذهب أبعد عبر التلويح باستيراد النفط الإيراني علنيّاً”. وتضيء هايتيان على أنّ “البنزين الذي يصل من إيران، لا يتمتع بنوعية جيدة للسيارات ويؤدي إلى شكاوى كبيرة من المواطنين في فنزويلا، لأن الوقود يبدو مخزّناً لأوقات طويلة في البواخر. ما يؤدي إلى تغييرات في التركيبة الكيميائية وتراجع في النوعية”. وتخلص إلى أن “تنفيذ مقترح استيراد النفط الإيراني سيفاقم الوضع الاقتصادي اللبناني ويجعل بيروت عرضة للعقوبات، ما يحوّلها إلى نموذج الدولة المارقة والدولة الفاشلة”، لافتة إلى أن “المقترح عبارة عن حركة سياسية؛ أكثر منها حركة تعبّر عن حلّ لمشكلة معيشية يعاني منها لبنان”.