سمير عطا الله

وطن الحوار – سمير عطا الله – النهار

خريف 2017 صوَّتت 165 دولة في الأمم المتحدة على اقتراح الرئيس ميشال عون إنشاء اكاديمية للحوار بين الأمم في بيروت. ويومذاك أوضح أحد مستشاري الرئيس ان الاكاديمية سوف تعدّ التلامذة للحصول على شهادات الليسانس والدكتوراه. وقالت سفيرتنا لدى الأمم المتحدة، امل مدللي، إن ال#لبنانيين دفعوا ثمناً غالياً لكي يدركوا ان لا بديل من #الحوار في نهاية المطاف.

وراح العالم يتلهف الى يوم الافتتاح. فمن شأن مثل هذه الاكاديمية أن تعيد لبنان الى ذاكرة العالم كدولة حضارية، شريكة في هناء الأمم والشعوب، بعدما ظل يطل على العالم طوال 15 عاماً في صورة “رامبو” و”أبو الجماجم” و”الخزّيق أبو رصاص”.




لكن العقبة في وجه الاكاديمية كانت في بيروت: كيف يمكن إقامة مركز للحوار الدولي بين الشعوب، في بلد يرفض اهله التخاطب، ويتزعم وزير خارجيته حزباً يعادي ثلاثة ارباع التجمعات السياسية والمدنية والدينية، ويتنقل في نهاية كل اسبوع في ارجاء الداخل اللبناني، محارباً جميع طواحين الماضي والحاضر… وخصوصاً المستقبل؟

الحوار يفترض الهدوء والرغبة والنيّات. لكن البلد في هياج يومي لا يهدأ منذ سنوات. رايات وقبائل وصياح مثل القبائل الهندية في أفلام الكاوبوي. وأقصد أفلام كاوبوي السباغيتي الرخيصة التي أخرجها الايطاليون بأبطال اميركيين مثل كلينت ايستوود (روق يا كلنك، روق). كان اشهر افلامه، آنذاك، “الطيب والرديء والقميء”. وتدور القصة حول البحث عن كميّة من الذهب مدفونة في إحدى المقابر. وعندما يصل “البطل” ورفيقه (ايلاي والاش) الى المكان المفترض، يكتشف والاش ان كلينت تحايل وأفرغ مسدسه من الرصاص، فيخاطبه كلينت من علٍ: في هذه الدنيا هناك نوعان من الرجال: الذين يحملون مسدسات محشوة، والذين معهم معاول. هيا يا صديقي، باشِر الحفر!

منذ تلك الحكمة الخالدة في فيلم سرجيو ليوني، لم يتغير الكثير. ولا تغيّرت مفاهيم الحوار. وبدل الاكاديمية التي تعدّ الاجيال لحضارة الحوار، تحوّلت بيروت الى مركز غير لائق للغة العداء المطلق بين تيارين، واحد يمثل رئيس الجمهورية المنتخب من مجلس النواب، وواحد مكلّف تشكيل الحكومة، من المجلس نفسه. واما رئيس البرلمان، الباحث عن إطار وفاق ومصالحة وانقاذ البلد من اسوأ ازماته التاريخية، فلا يلقى سوى ما يلقاه المصلحون ورجال الحكمة.

يتحدث الكتّاب المحترمون والمفكرون والمبصرون عن لبنان بصيغة الفعل الماضي، بلد وانقضى، ودولة لم تقم. تحكي الناس عن الانهيار وكأنها في جنازته. يتساءل البسطاء أين هو القضاء لا يُرى؟ فيظهر عليهم فجأة من الغيب في صورة مارد خبير في الاقتصاد يحدد لهم سعر الدولار وثمن الحياة. ما هي علاقة مجلس الشورى بسعر الصرف؟ إنها علاقة الزمان بعلاماته، ما دام كل شيء منقلباً وكل حق منكسراً، وكل حقيقة مهانة.

سياسيون وكتّاب وعقلاء، وحتى رئيس الوزراء المستقال، يبلغ الشعب المنكوب والشعوب الصديقة جميعاً أن حالة النزع أوشكت على النَّفَس الأخير. يشكو للناس من مهمته بدل أن يُشكى إليه. كان الرئيس حسان دياب يعدنا بالجنة بعد ثلاث اشارات، فإذا به يتحقق من أننا في جهنم، كما بشَّر الرئيس عون. وإذا الاستعانة بالقضاء للتعزية في قياميات المرفأ، تجعل من أعلى هيئة قانونية شريكاً في فوضى الصلاحيات وعبث المسؤوليات. وتختلط على اهل الشورى معاني الدفاع عن حقوق الناس، فيحوّلونهم الى ضحايا في القرار وفي نقضه بعد 24 ساعة. وما من صورة أوضح لما نحن فيه من نهايات الأمم وردم الشعوب.
هل تدري أين هي المصيبة الكبرى؟ أن يكون المترادحون جميعاً على حق. وأن تكون لغة الذباب الالكتروني في حقيقتها هي لغة الذباب الأصيل. وأن يكون ذلك خيارنا الذي نحاول ان نتّقيه، غير مصدقين بما ابلغنا المسيو دو بوفون ان الاسلوب هو مرآة الانسان. الأسلوب هو الرجل، كما أُعلِن في اكاديمية أمين معلوف، اوائل القرن الثامن عشر.

هل ما نشهده كل يوم، في نهاية المطاف، هو نحن؟ عسكر وحرامية. بطّاشون تنزع الأقنعة عندما تفلس بنا اللغة وتفقد صبر الحقيقة؟ وتظهر على السطح لغتنا الأصيلة بما يعبِّر عنّا؟ لا. ليس هناك مؤامرة من اجل أن نكفر بلبنان. دائماً كان هذا الفارق بين جماليات لبنان وسلوك اللبنانيين. والطاهرون القلائل لا يكفي عددهم لإقامة جنّة. فكيف بدولة، أو وطن، أو ما يشبهما؟

صدر قبل ايام في نيويورك كتاب آخر عن رالف نادر يصفه بأنه الرجل الأكثر تأثيراً في تاريخ اميركا من خارج اهل السلطة. ويشبِّه المؤلف رائد حركة الدفاع عن المستهلكين بالقديس الذي لم تقوَ عليه كارتيلات اميركا. وفي هذه الأيام تذكّرتْ اميركا ايضاً لبنانياً آخر غاب قبل تسعين عاماً، كان كتابه “النبي” يُقرأ في الكنائس والجنازات والأعراس، ويدعى جبران الحبيب.

والدا رالف نادر، المحامي المتخرج من هارفارد وبرنستون، كانا يملكان مطعماً لبنانياً في احدى بلدات كوناتيكت، ووالدة جبران الحبيب، كاملة، التي من بشري، حملت ابناءها الأربعة وهاجرت بهم الى بوسطن، ليصبح احدهم، احد اشهر اسماء الإنسانية في العالم، مترجماً إلى اكثر لغات الأرض، كواحد من رسل الرفعة والمحبة ومسرّة البشر.

لماذا يكون اللبناني عظيماً فقط عندما يتأكد أنه قد صار بينه وبين بلده، محيط وبحر على الأقل، بعيداً عن صغارات الأنفس ودناءات الجشع؟ لماذا قانون رالف نادر في واشنطن وقانون الشورى في بيروت؟ لماذا السمو الجبراني في بوسطن وليس في الوطن الأم انبياء للمحبة وارتقاء بالنفس؟

كم هو محزن هذا المشهد، الممتد في جسد لبنان منذ 4 آب. قاضي تحقيق واحد وكأنها جريمة قتل نسوانية في حرج، وقاضٍ آخر يقرر للناس مثيراً النقد في بلد مفلس بالنهب، وقاضية جوّالة تنقل “قصر العدل” إلى الحماية المنزلية.

يعبّر المشهد من كل زواياه عن الانهيار والانفجار وجميع التسميات التي يستخدمها الآن الاوادم والعقلاء الخائفون على بقايا لبنان من ثقافة التحجر وبطولات الانتحار الجماعي وانتشار حمّى الذات المنتفخة وعدوى الأنا المدمّرة. يناشد الدكتور حسان دياب الدول الصديقة والشقيقة مساعدة بلده قبل الانفجار الوشيك.

أين يا دكتور ترى اصدقاء واشقاء؟ نحن، وزير خارجيتنا، عندما يذهب الى اميركا، يفتش عن المغتربين في لاس فيغاس (ومعه طاقم التصوير). هل تَذكَّر احدهم رالف نادر، “قديس” الاخلاق؟ لا. لم يسمعوا به من قبل. لا شأن لهم بهذه النوعية من البشر. هل فاتك أن “القيصر” ارسل انغيلا ميركل مطرودة من لبنان، وأن سيده ومعلمه، جعل وزير خارجية اميركا ينتظر تشريفه، وكذلك الأمين العام للجامعة العربية، وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة، لأنه يستخدم في تنقلاته المحلية، “أتاناً” مثل أتان يسوع ابن مريم؟