نتنياهو مقلدا ترامب – محمد كريشان – القدس العربي

بالحرف تقريبا يسير نتنياهو على خطى ترامب في أيامه الأخيرة رافضا مغادرة السلطة، يفعلها في «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» كما فعلها صاحبه من قبله في «الديمقراطية الأولى في العالم». هو وصف هزيمته في تشكيل الحكومة بــ «احتيال القرن» وترامب جدد مؤخرا اعتبار عدم التجديد له «جريمة القرن الكبرى».
كلاهما لم يقبل الخسارة ويظن أن البلاد لا طعم لها بدونه وأن السياسة في غيابه لا قيمة لها وأن مصالح البلاد العليا ستعصف بها الرياح إن هو لم يعد في الصورة. إنه جنون العظمة الذي لا مكان له في أي ديمقراطية جديرة بهذا الاسم. كلاهما كذلك تلاحقه قضايا مختلفة وإن كان نتنياهو أقرب إلى السجن من ترامب وكلاهما حرّض أنصاره على عدم قبول ما أفرزته قواعد اللعبة وكلاهما أيضا اشتكى من مواقع التواصل الاجتماعي ومما اعتبره معاداة الاعلام والاعلاميين له.
الفرق بين الاثنين أن «بيبي» وجد في رئيس الكنيست ياريف لافين حليفا ونصيرا يحاول جاهدا الآن مساعدته في كسب الوقت لعلّه يبعثر الائتلاف الحكومي الجديد قبل أن يُعتمد رسميا، فيما لم يكن في انتظار ترامب رئيسا لمجلس النواب سوى نانسي بيلوسي الديمقراطية الشامتة والمتربصة، فيما لم يشأ نائبه مايك بنس مسايرته في العبث رغم تأليبه على ذلك.
شيء واحد هام جدا فعله ترامب ولم يتجرأ بعد على فعله نتنياهو وهو حث مريديه على التوجه للكنيست واقتحامه كما حصل مع الكونغرس.
لم يسبق للإسرائيليين أن رأوا رئيس وزراء مرشحا يدعو سلفه إلى «الكفّ عن حملة التحريض ضد أعضاء الحكومة المقبلة ودعوته إلى التخلي عن مقاليد الحكم من دون أن يترك وراءه أرضاً محروقة» كما فعل نفتالي بينت، المرشح لتولّي رئاسة «حكومة التغيير» مع بنيامين نتنياهو.
نتياهو «مبدع» أكثر من ترامب فقد تفتقت نرجسيته الشديدة وغطرسته حد القول لأنصاره «لا تخافوا من مهاجمتهم» وهو ما يعني، كما قال بينت مستنكرا، «مراقبة متواصلة ليوم كامل بالسيارة وراء عضو في الكنيست وإخافة أولاده وهم في طريقهم إلى المدرسة، وتهديد أقارب أعضاء كنيست آخرين بالإقالة من العمل، وإرسال شتائم وتهديدات من كل حدب وصوب» مما حدا ببينت إلى القول «لا أحد يمكنه احتكار السلطة، ونحن لسنا نظاماً ملكياً».. وهو كلام قيل مثيلا له لترامب كذلك.

الطريف أن نتنياهو المتهم بالفساد والغش وسوء استغلال السلطة هو نفسه من يعتبر أن «حكومة التغيير» المقبلة هي «حكومة الاحتيال والخنوع» وأنها كذلك «حكومة يسار متطرفة خطرة تستند إلى داعمي الإرهاب




الطريف هنا أن نتنياهو المتهم بالفساد والغش وسوء استغلال السلطة هو نفسه من يعتبر أن «حكومة التغيير» المقبلة هي «حكومة الاحتيال والخنوع» وأنها كذلك «حكومة يسار متطرفة خطرة تستند إلى داعمي الإرهاب، وفي حال الموافقة عليها فإن ائتلافها سيكون نتيجة أكبر احتيال انتخابي في تاريخ إسرائيل» مع أن الكل يعرف أن هذه الحكومة أبعد ما تكون على أن تحمل صفة اليسار ولا شيء يشي بأنها يمكن أن تكون أقل تطرفا من نتنياهو، بل العكس هو المرجح أكثر من أي شيء آخر.
نتياهو المرعوب من ترك السلطة لا يرى من سيأتي من بعده سوى «حكومة ستخسر النقب ولا تستطيع مقاومة مطالب الولايات المتحدة بتجميد البناء في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وكذلك في القدس، ولن تقاوم إعادة فتح قنصلية أمريكية للفلسطينيين في قلب القدس، وبذلك تعيد موضوع تقسيم القدس إلى جدول الأعمال (…) كما لا يمكنها محاربة الفصائل الفلسطينية في غزة أو المحكمة الجنائية الدولية بطريقة صحيحة إذا ما تحركت لتوجيه اتهام إلى الجنود الإسرائيليين بارتكاب جرائم حرب».
مناخ التحريض الذي يشيعه نتنياهو وسيؤججه أكثر فأكثر في مقبل الأيام، كلما تيقن من قرب مغادرته رئاسة الوزارة التي أطال فيها المقام كما لم يفعل أحد من قبله، دفعت رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك) نداف أرغمان إلى التحذير من التصعيد الخطير في خطاب التحريض العنيف في البلاد وهو موقف رأت فيه صحيفة «معاريف» الاسرائيلية «خطوة نادرة واستثنائية» إذ لم يسبق لمسؤول أمني كبير أن اتخذ موقفا كهذا.
وتحت عنوان «نتنياهو أعطى ضوءاً أخضر للتحريض» رأت افتتاحية صحيفة «هآرتس» قبل يومين أن نتنياهو لم يكتف بالتحريض بل أعطى أنصاره الضوء الأخضر للاستمرار فيه لأنه «يعتبر أن الأهداف تبرر دائماً كل الوسائل» إلى حد وصل فيه إلى الإشارة إلى أنه من المشروع ضرب الصحافيين، معتبرة في النهاية أن «ما يجري هو عملية إجرامية وتلاعُب بالمشاعر هدفها تحويل الانتباه عن مصدر الحريق والخطر» مذكّرة بأجواء الكراهية والتحريض التي سبقت اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين هام 1995 والتي كان نتنياهو من أبرز مُحركيها.
لم تمنع غطرسة ترامب في النهاية من أن يغادر البيت الأبيض مثلما لن تمنع عجرفة نتنياهو من أن يجد نفسه في المعارضة، وربما في السجن قريبا، بعد أن يحرم من الحصانة التي أرادها أن تستمر، فللسياسة أحكامها التي لا ترحم خاصة أولئك الذين ليسوا جديرين بالرحمة أصلا.