“الكابيتال كونترول” أُقرّ.. فكيف ستُصبح السحوبات؟

أعلن رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان اقرار اللجنة اقتراح القانون الرامي الى وضع ضوابط استثنائية وموقتة على التحاويل المصرفية المعروف بـ”الكابيتال كونترول”، مشيرا الى أنه “سيرفع التقرير في الأيام المقبلة الى رئاسة المجلس النيابي”، مشددا على أن “القانون عندما يصدر سيكون اعلى من أي تعميم استنسابي يصدر اليوم ويلغى غداً”.

وعقب الجلسة، قال كنعان: “يسرني أن ألتقي بكم وعبركم مع الشعب اللبناني لأتحدث عن موضوع طالما شغلكم وشغل الناس منذ 17 تشرين الأول 2019، حين إنكشفت البنية الهشة للسياسات المالية والاقتصادية والنقدية التي كان التحذير من الوصول اليها دأبنا عليه منذ العام 2010 ، فوضعنا التوصيات اللازمة لتجنبها ، واقترحنا الاصلاحات التي تحول دون تفاقمها، الا أن الحكومات المتعاقبة استمرت بالنهج ذاته، فاستشرى الفساد مما أتاح للمصارف أن تفرض قيودا على العمليات المصرفية من سحوبات وتحاويل، خلافا لمبادئ النظام الاقتصادي الحر المكرس دستوريا والقائم على المبادرة الفردية وحق التصرف بالملكية وحرية تداول الأموال وتحويلها”.




وأضاف: “كان يمكن تبرير القيود على العمليات المصرفية بالظروف الاستثنائية التي استجدت بنتيجة حراك 17 تشرين الأول 2019، على اعتبار أن الظروف الاستثنائية تبرر اتخاذ التدابير الاستثنائية التي تحمي النقد الوطني، وتحافظ على مقومات الأوضاع الاقتصادية، وتحقق مصلحة الوطن والمواطن، لو أن هذه التدابير اتخذت حسب الأصول، أي بنص تشريعي تعده الحكومة ويقره المجلس النيابي، على اعتبار أن الحكومة هي المرجع الصالح لوضع مشروع القانون نظرا لكونها تملك المعلومات والإحصاءات اللازمة، وكونها القادرة على الحصول عليها من مصادرها في حال عدم توفرها لديها، وعلى اعتبار أن المس بالملكية الفردية المكفولة دستوريا لا يجوز إلا بموجب نص تشريعي وفي سبيل المنفعة العامة، ولو وضعت المصارف قواعد موحدة من دون استنسابية لتؤمن العدالة والمساواة، وتحول دون نشوب المنازعات بين المصارف والمودعين، والتي تحولت إلى تعديات على مراكز بعض المصارف وفروعها، أو إلى دعاوى قضائية لم يبت القضاء إلا بعدد محدود منها. أما وقد تخلفت حكومة الرئيس الحريري، قبل استقالتها بتاريخ 29 تشرين الأول 2019،عن القيام بموجب إعداد مشروع القانون، ولم تتفق حكومة الرئيس دياب على صيغة مشروع قانون بعد تشكيلها ونيلها الثقة بتاريخ 21 شباط 2020، لا بل أنها فاقمت الأوضاع المالية والنقدية والاقتصادية بتخلفها عن الدفع المنظم لسندات اليوروبوند، فقد بادرت مع عدد من النواب في شهر أيار 2020 إلى تقديم اقتراح قانون معجل مكرر يستدرك ما قصرت الحكومتان عن القيام به قبل ذلك. إلا أن الهيئة العامة لمجلس النواب التي اجتمعت في شهر حزيران 2020 نزعت صفة العجلة عن اقتراح القانون وأحالته على لجنتي المال والموازنة والإدارة والعدل لدرسه بالتزامن مع إحالة ملاحظات صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان الى اللجنة من خلال وزارة المالية، وإلا لكان لدينا قانون نافذ منذ حوالي السنة”.

وتابع: “قد يتساءل البعض عن مدى دستورية قانون “الكابيتال كونترول” في حال صدوره. وهنا نذكر المتسائل بالتدابير التي اتخذت عام 1967، على أثر أزمة بنك “إنترا”، إذ أصدرت الحكومة المرسومين الاشتراعيين رقم (1) ورقم (5)، بناء على تفويضها حق التشريع من المجلس النيابي، فنظمت علاقة المصارف بزبائنها من سحوبات وتحاويل وسواها”.

وأشار إلى أنّ “لبنان ليس البلد الوحيد الذي لجأ إلى فرض قيود على التحاويل والسحوبات المصرفية إبان الأزمات المالية والاقتصادية، فقبرص اعتمدت الكابيتال كونترول بتاريخ 28 آذار2013، واليونان لجأت إلى الكابيتال كونترول بتاريخ 28 حزيران 2015، ومصر اعتمدت الكابيتال كونترول بتاريخ 19 آذار 2020”.

وقال: “قد يتساءل البعض عن مدى الحاجة إلى قانون الكابيتال كونترول بعد انقضاء أكثر من 19 شهرا على بدء الأزمة، وهنا نذكر المتسائل بأن أي تشريع مهما تأخر يبقى أفضل من الفوضى والاستنساب السائدين حاليا، فقانون الدولار الطالبي نفذ ومازال ينفذ بشكل استنسابي، بدليل تحويل المصارف أكثر من 244 مليون دولار أميركي للنفقات التعليمية خلال العامين 2019 و2020 (لغاية شهر شباط 2021) ومازال أهالي بعض الطلاب يتظاهرون أمام مراكز بعض المصارف وفروعها. والاستنساب مازال سائدا في السحوبات المصرفية إذ تختلف الإجراءات المعتمدة بين مصرف وآخر لجهة حجم السحوبات بالعملة اللبنانية من الحسابات بهذه العملة ومن الحسابات بالعملات الأجنبية على سعر منصة 3.900 ليرة للدولار الواحد، هذا من دون ذكر إنعدام السحوبات بالعملة الأجنبية من الحسابات بالدولار والتي يساهم هذا القانون بتنظيمها بعيدا عن استنسابية التعاميم. وحتى أن بعض التحاويل مازالت تحصل لصالح من لم يتمكنوا من إجرائها سابقا بذريعة أنها تتم من حسابات الودائع الائتمانية”.

وأضاف: “قد يتساءل البعض عما يحمله قانون الكابيتال كونترول من جديد، إذ سبق لمجلس النواب أن أقر قانون الدولار الطالبي، وسبق لمصرف لبنان أن أصدر بعض التعاميم التي تنظم علاقة المصارف بزبائنها لجهة الأموال الجديدة والسحوبات المصرفية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن موضوع الكابيتال كونترول يخرج عن صلاحية مصرف لبنان، والدخول إليه يكون من الباب التشريعي لا بتدابير إدارية من السلطة النقدية، أو حتى من الحكومة كسلطة تنفيذية. فوضع القيود على حقوق مكرسة دستوريا لا يمكن أن يتم إلا من قبل السلطة التشريعية، ولفترة محدودة، وفي سبيل المصلحة العامة”.

أما ما تضمنه اقتراح قانون الكابيتال كونترول من تدابير وإجراءات، فأوضح كنعان أنه “يمنع التحاويل إلى الخارج مهما كانت طبيعة الحساب ونوعه، ويحدد استثناءات منها:

– ما له صفة الديمومة: كحسابات المؤسسسات المالية الدولية، والمنظمات الدولية والإقليمية والسفارات الأجنبية من جهة، والأموال الجديدة التي أدخلت إلى المصارف ولم تكن قد حولت إلى الخارج بعد 17 تشرين الأول 2019 من جهة ثانية.

– ما له الصفة الطارئة والمشروطة: كنفقات التعليم، والضرائب والرسوم والالتزامات المالية المتوجبة لسلطات رسمية أجنبية، ونفقات الاشتراكات والتطبيقات على الإنترنت. وقد حدد السقف الأعلى لمجمل هذه النفقات بـ 50 ألف دولار أميركي”.

ولفت إلى أنه “يجيز السحوبات في الداخل على الوجه التالي:

– بالليرة اللبنانية مبلغ ما بين 15 و20 مليون ليرة ( لا تشمل السحب من حساب الرواتب والأجور) والبت متروك للهيئة العامة.

– بالعملة الأجنبية ما بين 400 و800 دولار، والحسم في الهيئة العامة في ضوء المعطيات المطالب مصرف لبنان بتقديمها قبل الجلسة العامة للمجلس النيابي، للبت بالأمور بحسب الارقام الرسمية.

– يمنع تحويل الحسابات من الليرة اللبنانية إلى العملات الأجنبية إلا إذا كانت التغطية النقدية الكافية متوفرة لدى المصرف المعني بشرط تأكد لجنة الرقابة على المصارف من توفر هذه التغطية.

– ولكي لا يكون تطبيق قانون الكابيتال كونترول خاضعا لأي إستنساب كما جرى لقانون الدولار الطالبي، حدد اقتراح القانون ستة تدابير تضمن إلزامية وحسن تنفيذه: إنشاء وحدة لمركزية التحاويل، وضع آلية للبت بالطلبات، تحديد مرجعية إدارية للتظلّم، تحديد العقوبات التي تفرض بحق المصرف المخالف وسندها القانوني، تحديد مرجعية فرض العقوبات مع تحديد مهلة للبت، حق المراجعة القضائية:

– فوحدة مركزية التحاويل تنشأ لدى مصرف لبنان لدرس الطلبات المحالة عليها من المصارف المعنية للحيلولة دون استنساب المصرف، وقرارها ملزم للمصرف إذا كان في صالح طالب التحويل.

– أما إذا كان قرار وحدة مركزية التحاويل برفض طلب التحويل، فيمكن لطالب التحويل التظلم أمام المجلس المركزي لمصرف لبنان الذي يعتبر قراره ملزماً إذا كان في صالح طالب التحويل.

– أما إذا كان قرار المجلس المركزي لمصرف لبنان غير صالح طالب التحويل، فبإمكان هذا الأخير مراجعة القضاء.

– أما العقوبات التي تفرض على المصرف المخالف لأحكام القانون لجهة السحوبات أو التحويل، فهي المنصوص عليها بموجب المادة 208 من قانون النقد والتسليف، والتي تصل إلى حد شطب المصرف المخالف من لائحة المصارف.

– وأما المرجع الصالح لفرض عقوبات المادة 208 من قانون النقد والتسليف فهو الهيئة المصرفية العليا التي حددت لها مهلة أسبوعين للبت بالمخالفة.

– وأما حق المراجعة القضائية فمتاح بشأن قرارات وحدة مركزية التحاويل وقرارات المجلس المركزي لمصرف لبنان على السواء التي تصدر لغير صالح طالب التحويل لأنه الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية بين المصرف والمودع”.

وفي ما خص مضمون اقتراح القانون، أشار إلى أن أي تشريع للكابيتال كونترول “يجب أن يعالج موضوع المراجعات العالقة أمام القضاء والمتعلقة بالتحاويل والسحوبات المالية. فقد نص اقتراح القانون على أن تخضع الطلبات المتعلقة بهذه المراجعات لأحكامه مما يسرع البت بها في ضوء تلكؤ القضاء عن ذلك، ويجب أن يكون موقتا واستثنائيا لأنه يمس بمرتكزات محمية بموجب الدستور. ولذلك نص اقتراح القانون على أن مدة العمل به هي سنة قابلة للتخفيض بتدبير حكومي إذا زالت الظروف التي استدعت إصداره”.

ولفت إلى أن “التدابير التي نص اقتراح القانون عليها تبقى عاجزة عن وضع حلول دائمة ما لم تقترن باستقرار سياسي من أولى متطلباته تأليف حكومة تتصدى للمشكلة بكفاءة وجدارة، وإجراء إصلاحات بنيوية من ضمن خطة واضحة ومتكاملة تضع الاقتصاد الوطني على سكة استعادة مقومات حيويته وانطلاقته، وتخرج البلد من أزمته”.

واعتبر أن عقبات عدة صادفت لجنة المال والموازنة منها على سبيل المثال:

1- انفجار مرفأ بيروت وتأثيره على مبنى مكاتب النواب، وبالتالي على أعمال اللجان النيابية لمحدودية قاعات الاجتماعات،

2- وباء كورونا، وإصابة بعض الزملاء، وصعوبة الاجتماعات عن بعد لدرس اقتراح قانون بهذه الأهمية،

3- غياب المعلومات والإحصاءات اللازمة لدرس انعكاس القانون في حال إقراره على الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية.

4- تضارب المعلومات التي وفرتها المصارف. فعلى سبيل المثال:

– بتاريخ 21 نيسان 2021 أفادت جمعية المصارف بأن سقف التحاويل إلى الخارج لتغطية النفقات الطارئة والمشروطة (تعليم – ضرائب ورسوم والتزامات مالية – اشتراكات وتطبيقات الإنترنت) يجب أن يكون 20 ألف دولار بدلاً من 50 ألفاً الذي حددته اللجنة، فإذا بالجمعية تفيد بعد أقل من أسبوع بأن هذا السقف يجب أن يكون 10 آلاف دولار أميركي.

– أما مصرف لبنان فقد امتنع عن تقديم أية معلومات دقيقة وواضحة، باستثناء ما وفرته لجنة الرقابة على المصارف من معلومات عن التحاويل إلى الخارج لتغطية النفقات التعليمية خلال العامين 2019 و 2020″.

وقال: “كل ذلك وإن كان قد أثر على إنجاز درس اقتراح القانون بالسرعة اللازمة، لم يمنع اللجنة من التصميم على إنجازه، لعلمها بأن المصارف متوجسة من السحوبات وحجمها بالدولار والليرة اللبنانية ويهمها من قانون الكابيتال كونترول حمايتها من الدعاوى المقامة أو التي قد تقام ضدها، وبأن مصرف لبنان يرغب بأن يكون القرار المتعلق بالشؤون النقدية منوطاً به وحده يمارسه بقرارات وتعاميم يصدرها لهذه الغاية. فقد سبق لمصرف لبنان أن أعد مشروع قرار في أواخر العام 2019 لهذه الغاية وطلب من الحكومة تفويضه صلاحية إصداره، فتعذر ذلك لأن الحكومة لا تملك صلاحية تنظيم الكابيتال كونترول لكي تفوض هذه الصلاحية، وها هو اليوم يصدر قرارا جديدا يبدأ العمل فيه اعتبارا من أول تموز 2021 ويسمح بالسحوبات النقدية الشهرية بالعملات الأجنبية”.

وتابع: “لذلك، ونظراً لغياب المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار المناسب، وضعت اللجنة سقفين للسحوبات المصرفية الشهرية بالليرة اللبنانية (20 مليون ليرة و 15 مليون ليرة)، وبين 400 و800 للسحب بالدولار وتركت للهيئة العامة الحسم باتخاذ القرار المناسب بشأن كل منهما”.