طلاق بين «أم الصبي» و»بي الكل» يطيل عمر الأزمة حتى نهاية العهد

انكسرت الجرّة بين رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه وبين الرئيس المكلّف سعد الحريري، وبات من الصعب جداً ردم الهوّة التي تفصل بين الطرفين بعد حرب البيانات الأخيرة التي شهدها الأسبوع المنصرم وما تخلّلها من إهانات وعبارات غير مألوفة لا تجاه رئاسة الجمهورية ولا تجاه الرئيس المكلّف.

وقد جاءت هذه الحروب التي حملت عناوين مختلفة ليس أقلّها اتهامات متبادلة بالاستيلاء على الصلاحيات وخرق الدستور وقيادة البلاد إلى جهنّم والانقلاب على الطائف، لتنسف مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري التي حاول البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إنعاشها ومؤازرتها بزيارته قصر بعبدا لمحاولة إقناع رئيس الجمهورية بإيجاد آلية لتسمية الوزيرين المسيحيين تنهي الخلاف بينه وبين الحريري وتضع حداً لآخر العقد أمام تأليف الحكومة، إذ بحسب الراعي لا يجوز تضييع الوقت على خلاف حول من يعيّن الوزيرين فيما الشعب اللبناني يموت.




وفي ظل تكبير الحجر والفشل في إدارة الاختلاف يتراجع الرهان على امكانية ولادة حكومة في آخر أيام العهد، ما يرجّح بقاء حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية عهد عون لعدم امكانية التعايش ولو القسري بين عون والحريري على طاولة مجلس الوزراء وعلى إدارة دفّة الحكم. وما يعزّز هذا التوجّه هو أن المسؤولين غير المسؤولين في لبنان لو أرادوا التوافق فعلاً وانقاذ البلد من الانهيار المحتّم لكانوا تنازلوا قليلاً بدل تفضيلهم التمسّك بسقوفهم العالية من أجل شدّ العصب الطائفي الذي يكسبهم في الانتخابات النيابية المقبلة.

وبالعودة بالزمن إلى الوراء، لطالما لعب الرئيس سعد الحريري دور «أم الصبي» اقتناعاً منه بمقولة أبيه الرئيس رفيق الحريري «ما حدا أكبر من بلدو». وقد خاض الحريري أكثر من مخاطرة من أجل تجنيب البلد الفراغ والفتن، أبرزها مخاطرته في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2016 التي قضت بتأييد ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية. يومها قال الحريري عن دعمه عون إلى الرئاسة الأولى «إنها مخاطرة سياسية كبرى لكنني مستعد لذلك لحماية اللبنانيين». ويومها كان الحريري في نظر الجنرال عون بمثابة إبنه قبل أن يبدّل رأيه به بعد انفراط التسوية الرئاسية ويراه «غريب الأطوار» ثم يتهمه بالكذب في فيديو مسرّب من قصر بعبدا.

وهكذا، يظهر أن الرئيس عون الذي أطلق عليه لقب «بيّ الكل» بعد انتخابه رئيساً يبني موقفه من الآخرين بحسب اقترابهم منه أو ابتعادهم عنه. فكلما التصق به طرف ما ولبّى رغباته وطموحاته في الوصول إلى الرئاسة أو تناغم مع مشروعه كلما اعتبره بمثابة صديق أو أخ أو إبن. هذا ما سرى على الحريري بعد ترشيحه عون من بيت الوسط، فطوى عون عندئذ كتاب «الابراء المستحيل» الذي تضمّن كل الاتهامات بحق الحريرية السياسية ونهجها الاقتصادي والمالي، ووضع يده بيد من كان قطع له تذكرة سفر بلا عودة.

وهذا ما حصل مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي عندما دعم ترشيح عون إلى الرئاسة طوى الجنرال مع تياره ما سمّاها «الورقة السوداء» ومعها كل النعوت والاتهامات التي سيقت بحق القوات منذ فترة حرب الإلغاء، وأعلن حينها عون من معراب أن «ما يقوله جعجع في ضميرنا وكتابنا وسنعمل عليه ولن ننسى ما قاتلنا من أجله في سبيل سيادة واستمرار ودوام هذا الوطن في التاريخ». ولكن على أرض الواقع إذا كان جعجع رأى أن المصالحة مع عون «تاريخية من أجل المستقبل» فإن عون رأى فيها مصلحة آنية من أجل الرئاسة قبل أن يتم الانقلاب على اتفاق معراب والنكوث بالعهود ورفض منح القوات الحصة الوزارية التي تستحقها، ولينظر باسيل لاحقاً إلى هذه المصالحة على أنها «جريمة» بحق التيار.

وليس رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بمنأى عن أدبيات عون وتياره، ففي الغالب إن الزعيم الدرزي في نظر التيار العوني هو «أحد أمراء الحرب والمجازر في الجبل وسارق أجراس الكنائس» ولا يعترف التيار ورئيسه بالمصالحة التاريخية التي جرت بين البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ومعه العديد من الأفرقاء المسيحيين وبين سيّد المختارة ويصرّ التيار دائماً على نبش قبور الماضي كلما حصل احتكاك بسيط في الشوف وعاليه، وبرز توتّر شديد بعد حادثة قبرشمون وتعطيل لجلسات مجلس الوزراء حتى إحالة المطلوبين إلى المجلس العدلي في محاولة للنيل من جنبلاط. ولكن إذا زار جنبلاط قصر بعبدا أو بيت الدين ودعا إلى تسوية حول الحكومة يصبح السياسي المتزّن والذي يدرك قراءة المستجدات وتهمّه مصلحة البلد، وإذا زار نجله تيمور باسيل في اللقلوق فإن اللقاء «يؤسّس لبناء المستقبل معاً على أسس الشراكة».

وإذا كان كل من الحريري وجعجع وجنبلاط وهم رموز حركة 14 آذار/مارس مشوا في طريق انتخاب عون، إلا أنهم لم يقطفوا أي ثمار سياسية وخاب أملهم بالمجيء بالرئيس عون إلى خط الوسط والتخلّي عن تحالفه العميق مع حزب الله والتصرّف كرئيس حَكَم وفعلاً «بيّ الكل». وعلى هذا الأساس، فإن الحريري الذي كان في كل مرّة يدفع من شعبيته ثمن التنازلات، قرّر هذه المرة أن يتغيّر وأن يواجه خلافاً لما ينتظره منه العهد. وهذا ما يضع تأليف الحكومة أمام الحائط المسدود، ويفتح الباب على احتمالات بينها استمرار حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب وتفعيل عملها لإدارة الأزمة، أو غضّ النظر عن حكومة مهمة والذهاب نحو حكومة انتخابات تشكّل مخرجاً لائقاً للحريري للاعتذار، أو تقديم نواب كتلة وازنة استقالاتهم وما يليه بعد ذلك من استقالة لنواب القوات اللبنانية للضغط من أجل الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكّرة في الخريف. ولكن دون الخيار الأخير فيتو من الثنائي الشيعي أولاً من قبل حزب الله على «تكتل لبنان القوي» الذي يرغب من وراء الاستقالة إلى تطيير تكليف الحريري، والثاني من قبل الرئيس نبيه بري على نواب «كتلة المستقبل» الذين يلوّحون بهذه الورقة لجعل حزب الله يتدخّل ويضغط على حليفه البرتقالي لتسهيل عملية التأليف.

القدس العربي