حكومة الحريري “أسيرة” الاستعصاء الداخلي والإقليمي… وعون “المتشدد” يحكم دولة تتفكك وتنهار!

ابراهيم حيدر – النهار

الازمات المتفجرة تأخذ لبنان إلى مصير مجهول. فغياب معالم الدولة مع استمرار الخلاف على تشكيل #الحكومة، يعكسان مدى الانهيار الذي وصل إليه البلد، واستسهال القوى السياسية والطائفية السير بمشاريع انتحارية لا تترك مجالاً للإنقاذ ولإعادة النهوض، وكأن هناك من يدفع لبنان إلى الانهيار مراهناً على تحقيق مبتغاه لتغيير الصيغة وتكريس أمر واقع جديد، مستسهلاً اللعب على التناقضات لإحداث خرق في موازين القوى لجهة تركيب النظام وصلاحيات الطوائف وفق ما نص عليه دستور الطائف. ولا يخرج رفض رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لصيغة تركيبة الثلاث ثمانيات الوزارية بحجة “المثالثة” عن هذا السياق.




الكلام عن حكومة إنقاذية بات للهروب إلى الأمام، إذ لم يعد ممكناً تشكيلها على هذا النحو، ولا حكومة اختصاصيين أيضاً، في ظل الاستعصاءات التي تظهر جلية في قصر بعبدا، فالحكومة المقترحة اليوم في مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري هي لإدارة البلد في المرحلة الانتقالية عن الانتخابات وتواكب في الوقت نفسه التطورات الاقليمية والدولية، وفي الوقت الضائع يستمر رئيس الجمهورية ميشال #عون بالحكم ويعقد الاجتماعات التي يترأسها ويقرر في شأنها في غياب رئيس الحكومة، فيما تتفجر الأزمات الاجتماعية والمالية ويبلغ الانهيار المالي ذروته، ولا أحد يريد أن يتحمل مسؤولية رفع الدعم والاجراءات الموجعة. أما الحديث عن استمرار المبادرات والوساطات، وبينها مبادرة بري، فهي لربح المزيد من الوقت وتأجيل الانفجار، حيث الجميع يعرف أن كل المبادرات وصلت الى طريق مسدود، وقد لا يكون هناك حكومة في لبنان قبل أشهر، إلا إذا أخذت الامور مسارات مختلفة من بينها اعتذار الحريري وتكليف شخصية جديدة مقربة من التحالف الحاكم اي رئيس الجمهورية و”حزب الله” سيكون مصيرها أيضاً شبيهاً بحكومة حسان دياب.

وأياً تكن الوجهة التي ستتخذها الاتصالات والمبادرات، فإن الاستعصاءات التي ترتفع سقوفها أمام كل اقتراح، خصوصاً الرفض المستمر من عون وباسيل للرئيس سعد الحريري، على ما تظهره الحملات، لن تؤدي إلى التشكيل، وبالتالي هناك إصرار على ادارة شؤون البلد من قصر بعبدا بوجود حكومة أو بغيابها، تحضيراً للاستحقاقات المقبلة النيابية والرئاسية، وكذلك لتثبيت صلاحيات الأمر الواقع التي تكرست في عهد الرئيس عون خصوصاً في حكومة دياب العاجزة عن تصريف الاعمال، وفي حالة الفراغ المستمر بعد التكليف، وقبل ذلك في حكومة الحريري السابقة. ولهذا الواقع الداخلي أيضاً امتدادات إقليمية، فالأجواء تشير الى أن الدولة ستبقى معلقة في انتظار حسم ملفات إقليمية يجيد المقررون في الوضع اللبناني استثمارها إلى أن تحين لحظة التسوية الدولية والاتفاق حول الملف النووي، حيث تؤدي قوى سياسية وطائفية دوراً في هذا الاتجاه يربط لبنان بالخارج وسط رهانات على تحسين مراكز القوى وقلب التوازنات وصولاً إلى تغيير في الصيغة التي تحكم التوازنات بين الطوائف.

التطورات تشير إلى أن الاستعصاءات الداخلية حول تشكيل الحكومة لم تعد كما كانت عند تكليف الرئيس سعد الحريري، ولم تعد تقف عند الخلاف على تسمية وزيرين مسيحيين أو حصة وازنة في المحاصصة، بل تعكس خلافاً على اللبنان الذي سيخرج بعد التسوية وكيفية تركيبه السياسي المقبل. لذا بات تشكيل الحكومة مرتبطاً ايضاً بانجاز الاستحقاقات الاقليمية. والخلاف الداخلي يعكس في بعض نواحيه ما يجري في الاقليم. وحتى لو تشكلت الحكومة، فإنها لن تستطيع ان تفعل شيئاً بل ستتحول الى حلبة صراع تنقل الخلاف الخارجي واستعصاءاته الى داخل الحكومة، فلا تعايش بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري، بل صراع على القرار والصلاحيات، يضاف الى ذلك ملفات العلاقة بالمجتمع الدولي وصندوق النقد والدول الاقليمية وقواها الداخلية الممسكة بالامر الواقع بفائض القوة، إلى كل ما يرتبط بمشروع الانقاذ إذا كانت أولوية الحكومة في هذا الشأن وليس الانتخابات النيابية وبعدها الرئاسية.

الأزمة الحالية ليست ككل الازمات. الخلافات تشير إلى أن لا حكومة في الأفق. كانت التسوية مثلاً لا تزال ممكنة بين عون والحريري في 2013، وفي 2015، بعد الاتفاق النووي الأميركي الإيراني، فوصل ميشال عون الى الرئاسة. اليوم المشكلات أكثر تعقيداً أقلها مع وجود ميشال عون في الرئاسة الاولى، وهو الذي لا يتنازل عن أي مكسب حققه خلال السنوات الماضية في الحكم، وان كان على أنقاض البلد، ويعتبره أمراً واقعاً، في السياسة بتحالفه مع “حزب الله” أو في الصلاحيات التي باتت بالنسبة اليه أعرافاً تكرست وهي تأخذ من الرئاسة الثالثة أي موقع رئاسة الحكومة. لذا بات حل هذه المسألة الداخلية من المستحيلات، وعليه تبقى الشروط مرتفعة وتسقط معها كل مبادرات تشكيل الحكومة.

يطرح حل المشكلة الداخلية واستعصاءاتها في تشكيل الحكومة تدخل اللاعبين الاقليميين. المشكلة الحكومية باتت ترتبط عضوياً بما يحدث في المنطقة، كما بالتأكيد أن أي عملية انقاذ تحتاج الى مساعدات دولية. هنا ينبغي النظر إلى موقع “حزب الله” والرهانات على تغييرات إقليمية تعيد ترتيب الوضع اللبناني، فإذا صار الاتفاق حول الملف النووي واقعاً لن يكون لبنان بمنأى عن تداعياته المحتملة، إذ أن فائض القوة والمحور الإيراني سيكون لهما الكلمة الفصل في التركيبة اللبنانية المقبلة لإمساكهما بالأرض والميدان وفي الصيغة التي ستتغير حكماً. في هذا السياق، حيّد الحزب نفسه ونجح في إظهار المشكلة أنها بين عون والحريري. لم يتحدث مباشرة عن الحكومة وهويتها وهو الذي يربط موقفه بالوجهة الإيرانية، لذا يتهرب من نقاش إعادة بناء الدولة، ويستحيل تغيير موقفه ولا التدخل في بنيته التي تحمل مشاريع إقليمية وترتكز الى رهانات مرجعيته فيها. وهو في المحصلة يدعم موقف حليفه التيار العوني واستعصائه وان كان بطريق غير مباشرة… وهو أعلنها على الملأ أنه يحضر نفسه لمرحلة الانهيار ومواجهتها في مناطق سيطرته، ولم لا تكون بهيمناته في بيئات طائفية أخرى، وفي مقدمها ما تبقى من رصيد التيار العوني. هكذا يغرق لبنان، فيما تبقى رهانات البعض خارجية حتى لو سقط الهيكل كله على الجميع.