النادي الكبير! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

تشكل لعبة كرة القدم حالة خاصة في الوجدان الشعبي الجماهيري حول العالم بشكل عام. فهي اللعبة الشعبية الأولى بلا منازع، كما هو معروف، ولكنها أيضاً وسيلة للتعبير عن الميول والمواضيع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية.

فهناك كثير من المنافسات الكبرى بين أندية البلد الواحد التي باتت تعرف بالكلاسيكو، ولدت نتاج مواقف سياسية وتاريخية قديمة، مثل حالة التنافس بين فريقي الترجي والأفريقي في تونس، وما لتاريخ هذه المنافسة تحديداً من علاقة جدلية فيما يتعلق بتاريخ الاستعمار الفرنسي في تونس والمقاومة الوطنية ضدها، وهو أيضاً العلاقة نفسها بشكل أو بآخر فيما يخص تاريخ التنافس الكبير بين فريقي الأهلي والزمالك في مصر، وإن كان المقصود في هذه الحالة تحديداً هو تاريخ الاستعمار البريطاني. ولأسباب اجتماعية واقتصادية مختلفة برز التنافس الكبير بين فريقي القادسية والعربي في الكويت، وإلى حد ما أثرت الأسباب نفسها على تنافسات فريقي النجمة والأنصار في بيروت بلبنان، والوداد والرجاء في الدار البيضاء بالمغرب. وهي ليست حالة عربية استثنائية، فالتنافس البغيض بين فريقي ليفربول وإيفرتون في مدينة ليفربول الإنجليزية، الذي تعود جذوره وأسبابه إلى تناحر مذهبي بين طائفتي الكاثوليك والبروتستانت في تلك المدينة يشبه تماماً الصراع نفسه الذي ولد التنافس التاريخي بين فريقي السلتيك الكاثوليكي والرانجرز البروتستانتي في اسكوتلندا، والذي لا يزال مستمراً حتى اليوم. ومع الوقت تولدت لدى الجماهير حول العالم بوجود فكرة «النادي الكبير»، وهو النادي الذي يعتقد أنصار الأندية الأخرى بأنه النادي المدعوم والمسنود من الكبار بأيادٍ خفية، وأنه النادي الذي تكون البطولات مضمونة له دوماً.




وهي المسألة التي تولد إحساساً بأن تشجيع «النادي الكبير» منذ الصغر في المجتمعات عموماً حول العالم هو أشبه بالقدر، أما تشجيع الفرق الأخرى فيكون أشبه بالاختيار ثم مع مرور الوقت والنضوج بعد معتركات الحياة وصدمات خيبات الأمل، سرعان ما يتحول تشجيع الفرق الأخرى إلى قدر، وتشجيع «النادي الكبير» إلى اختيار! لأن حالات الإحباط والإخفاقات مع الفرق الأخرى تتحول مع الوقت إلى سرادقات كبيرة لتلقي العزاء والندب على الحظ التعيس بدلاً من الاحتفال وتبادل التهاني. ويصبح الهم الأول والهاجس الأكبر لجماهير الفرق الأخرى هو تبرير الهزيمة ورفع أهمية وقيمة الأداء المشرف، وتذكير الناس دوماً بأن كرة القدم هي مكسب وخسارة، وأن الفوز ليس كل شيء، وأن الروح الرياضية هي الأهم، وأن الفائدة العظمى هي الأخلاق، وأن المهم هو النية السليمة، وغير ذلك من الشعارات التي كل الغاية منها هو تبرير الخيبات الكبيرة وتزكية نظرية روح المؤامرة التي تبرر انتصارات «الفريق الكبير»، والتي يعيش عليها كثير من الشخصيات العجيبة التي تتصدر المشهد الإعلامي الرياضي مقدمة أسباباً من وحي الخيال العلمي على أقل تقدير.

وتحمل مواجهات كرة القدم في العالم الكبرى حملاً عظيماً يتجاوز مناسبة اللقاء الحقيقية، وكونها مجرد مباراة في كرة القدم، لتصبح وسيلة لرد اعتبار اقتصادي ونصر سياسي وثأر اجتماعي. وهذا الذي فسر نمو ظاهرة الألتراس الجماهيرية في المدرجات الجماهيرية، وهي الظاهرة التي تأسست في جماهير الأندية الأوروبية، ولكنها اكتسبت بصمة محلية خاصة وميزة في بعض الملاعب العربية. وساعد في تأكيد نظرية «النادي الكبير» هو كون طريق نجوم الفريق ممهدة بالنجاح، حيث يتم اختيار معظم نجوم «الفريق الكبير» للعب في المنتخب الوطني ومستقبلهم شبه مضمون بعد ذلك بعقود رعاية مغرية، أو عقود إدارية في الفرق الكبرى أو اتجاه للتدريب أو التعليق الفني على المباريات في الإعلام المرئي، ما يؤكد في الأذهان فكرة أن «النادي الكبير» دائماً مسنود ومدعوم.

علماء السياسة والاجتماع يراقبون منذ عقود من الزمن الحراك الجماهيري الرياضي بصورة عامة في العالم، باعتباره إحدى وسائل التعبير الجمعي الجماهيري المعبرة التي من الممكن قياس الحالة الشعبية من خلالها بشكل عفوي وتلقائي، وذلك قبل بروز أدوات وسائل التواصل الاجتماعي وسطوتها الكبيرة. وعلى الرغم من جهود وشروط الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، للحد من أي خلط سياسي في كرة القدم، أو رفع أي شعارات جدلية مثيرة، فإن الجماهير سرعان ما تجد طرقاً للتعبير عن رأيها في القضايا المهمة.