بعد “استيلاء” السلاح المنفلت على الدولة.. هل بات العراق على حافة الانهيار؟

خلص تحليل أجراه معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أن “النظام السياسي في العراق يتجه نحو الانهيار” نتيجة انتشار السلاح المنفلت بشكل غير مسبوق، والفساد وسوء الإدارة، وهو أمر استبعده مراقبون عراقيون.

ورأى التحليل الذي كتبه رئيس المجلس الاستشاري العراقي فرهاد علاء الدين، أن “العراق بات يمر بأزمة حقيقية بعد أن وصل الانتشار غير المسبوق للأسلحة الخارجة عن السيطرة إلى مستويات مخيفة”.




وتحدث التحليل، كذلك، عن تأثير البطالة وتدني مستويات الإنتاج وتفشي الفساد المالي والإداري في معظم أجهزة الدولة الرئيسية، وقال إن هذه الأزمات والتحديات تشكل عوامل انهيار وشيك لأي نظام في العالم وليس في العراق فحسب.

“ويضاف لكل ما تقدم عدم اكتراث القيادات السياسية الحاكمة والمتحكمة بالمشهد القائم لمخاطر الانهيار المتوقع، وانصرافها إلى تقاسم ما تبقى من مغانم بدلا من ممارسة مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية في معالجة الأزمات ووقف بوادر الانهيار”، وفقا للتحليل.

يرى الكاتب أن “السلاح المنفلت يلعب دورا كبيرا في تقليص موارد الدولة، حيث يعمل على الاستيلاء بشكل مباشر أو غير مباشر على مواردها، كما يحصل حاليا في المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها بعض هذه المجاميع”.

ويضيف أنه “وعند هبوط أسعار النفط كما حصل في سنة ٢٠٢٠ ستبدأ المجاميع المسلحة بالاقتتال فيما بينها للسيطرة على الرقع الجغرافية التي تؤمن لها الموارد مثل المنافذ أو الآبار النفطية أو المصانع”.

بمعنى آخر، إن خطر السلاح المنتشر بين شرائح المجتمع وتحت أي عنوان تشكل خطرا جسيما على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، ولن يتمكن العراق من التعافي مالم تتم السيطرة على هذا السلاح، حسبما يؤكد فرهاد علاء الدين.

في البلد الذي يحتل المرتبة 21 في العالم في سلم الفساد، وفق منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية، تعبّد البيروقراطية المملة والفساد المزمن طريقا الى امتصاص موارد الدولة العراقية.

وفي اقتصاد يقوم أساسا على النفط، وفي ظل ضعف كبير في القطاعين الزراعي والصناعي وغياب أي إمكانية للحصول على عائدات منهما، تشكل رسوم الجمارك المصدر الأهم للعائدات.

لكن الحكومة العراقية المركزية، وفق تقرير لفرانس برس، لا تتحكم بهذه الموارد التي تتوزع على أحزاب ومجموعات مسلحة غالبيتها مقربة من إيران تتقاسم السطوة على المنافذ الحدودية وتختلس عبرها ما أمكن من الأموال.

وتستخدم الأحزاب والجماعات المسلحة نفوذها السياسي للاحتفاظ بمواقعها هذه التي تسمح لها بتكديس الأموال، ولا تتوانى عن التهديد باستخدام العنف. ويجري تقاسم الغنائم بين الأحزاب والجماعات المسلحة بشكل سلس على الرغم من خصومات فيما بينها أحيانا، حسب الوكالة.

لكن ومع ذلك هناك من يرى أن العراق لم يقترب بعد من مرحلة “الانهيار” التام لعدة أسباب، بعضها أمنية والأخرى سياسية وخارجية.

ويقول رئيس مركز المورد للدراسات والإعلام نجم القصاب إن “العراق لا يزال يمتلك قوى عسكرية وأمنية جيدة، بالاضافة إلى أن كثيرا من المواطنين يؤيدون دولة المؤسسات، وهذه عوامل من شأنها أن تقلل من خطر الانهيار”.

ويضيف القصاب في حديثه لموقع “الحرة” أن “ما حصل في قضية اعتقال القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح والتي تعاطف كثيرون معها، يؤكد أن هناك دعما شعبيا لما تقوم به الحكومة العراقية من إجراءات، وهذا أيضا شيء إيجابي”.

ويتابع القصاب أن “العراق ربما يتعرض إلى نكبات وأزمات، لكن حصول انهيار تام على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية، أمر مستبعد جدا، لاسيما مع قرب إجراء الانتخابات المبكرة”.

وإلى جانب ذلك كله، يقول القصاب، هناك أطراف سياسية بدأت تستشعر بخطر قوى “اللادولة، وتحاول النأي عنها من خلال تقديم الدعم لحكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومساعيه الرامية لدعم المؤسسة العسكرية”.

بدوره يقول السياسي العراق المستقل وائل عبد اللطيف أن الشارع العراقي يعول على “الثورة الشبابية لقوى تشرين من أجل تغيير الواقع الذي يعيشه العراق حاليا”.

وأضاف عبد اللطيف في تصريح سابق لقناة الحرة أن ذلك يكمن في أن “يصطف المستقلون جميعا في كيان أو كتلة أو جبهة وطنية واسعة قادرة على تغيير الموازين داخل البرلمان العراقي من خلال الانتخابات”.

واعتقت قوة أمنية عراقية الأسبوع الماضي قائد عمليات الحشد الشعبي في الأنبار قاسم مصلح بتهم مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب، وفق ما أعلنته خلية الإعلام الأمني الحكومية.

وقال مصدر حكومي في تصريح لموقع الحرة، الأسبوع الماضي، إن مصلح، وهو قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي، معتقل عند العمليات المشتركة، وأضاف المصدر الذي رفض الكشف عن هويته، أن مصلح اعترف خلال التحقيق بالضلوع في عمليات اغتيال طالت ناشطين ومتظاهرين.

وكان مصدر أمني أبلغ “فرانس برس” أن الاعتقال حصل بتهمة اغتيال الناشط إيهاب الوزني رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء، والذي كان لسنوات عدة يحذر من هيمنة الفصائل المسلحة الموالية لإيران وأردي برصاص مسلحين أمام منزله، وناشط آخر هو فاهم الطائي من كربلاء أيضا.

بالمقابل نقلت رويترز عن مصدرين أمنيين مطلعين قولهما إن مصلح اعتقل في بغداد لضلوعه في عدة هجمات، منها هجمات في الآونة الأخيرة على قاعدة عين الأسد الجوية التي تستضيف قوات أميركية وقوات دولية أخرى.

ورغم أن هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها توقيف قيادي من هذا المستوى في الحشد الشعبي، إلا أن استعراض القوة الذي تلاها يكشف أن قوات الحشد الشعبي لا تخضع إلى سلطة رئيس الوزراء كما ينص عليه الدستور، وإنما تشكل تحديا كبيرا لسلطة الدولة، وفقا لخبراء.

ويأتي ذلك في ظل استعداد البلاد لإجراء انتخابات مبكرة مقررة في أكتوبر المقبل، واستمرار عمليات استهداف الناشطين المناهضين للنفوذ الإيراني في العراق.

ويشير القصاب إلى أن “المواطن لا يثق بالعملية السياسية والنظام القائم ولا الانتخابات والأحزاب الحاكمة، لكنه بنفس الوقت لا يريد للنظام أن ينهار، لأن ذلك يعني أن أصحاب السلاح المنفلت والفوضى هم من سيسيطرون على البلد”.

يقترح القصاب عدة خطوات من شانها أن تمنع الانهيار الكامل للمنظومة الحاكمة في العراق، أولها ضرورة أن تحظى السلطات بدعم دولي وإقليمي وشعبي لتجاوز الأزمة ومنع السلاح المنفلت من الهيمنة على مقدرات البلاد.

بالمقابل يشير إلى أن الحكومة العراقية وإذا ما أرادت السير بخطى ثابتة فيجب عليها “تقوية المؤسسة العسكرية والأمنية واعطاؤها الصلاحيات واعتقال ومحاكمة كل من يحاول نشر الفوضى وإطلاق الصواريخ وتنفيذ الاغتيالات، وأيضا عليها الكشف عن قتلة المحتجين”.

‬‬‬وقتل أكثر من 560 شخصا، معظمهم من المتظاهرين العزل وبعض أفراد قوات الأمن، منذ اندلاع موجة من الاضطرابات الشعبية في الأول من أكتوبر 2019، حيث أطلقت قوات الأمن ومسلحون مجهولون النار على الناس.

ويطالب المتظاهرون، ومعظمهم من الشبان، بإصلاح النظام السياسي الذي يرون أنه غارق في الفساد ويُبقي معظم العراقيين في حالة فقر.

وتسببت الاحتجاجات في استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الذي حل مكانه في مايو من العام الماضي مصطفى الكاظمي الذي وعد بالتحقيق في مقتل واختطاف مئات المحتجين.

وألقى باللوم على فصائل مسلحة تدعمها إيران في مقتل هؤلاء. وسبق أن نفت الفصائل المسلحة التي تمارس نفوذا كبيرا على شؤون العراق الأمنية أي تورط لها في مقتل النشطاء.