الصراع على العقل! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

عندما يتم الحديث بجدية وموضوعية عن أهم الاعتذارات في التاريخ، تظهر فوراً قصة اعتذار رأس الكنيسة الكاثوليكية في روما البابا يوحنا بولس الثاني للعالم الإيطالي الشهير غاليليو، الذي كانت الكنيسة الكاثوليكية اتهمته بالكفر والهرطقة والزندقة والشعوذة عام 1633 وهددته بالحرق إذا لم يتراجع عن رأيه بخصوص دوران الأرض وعلاقة ذلك بالشمس وسائر الكواكب، وهو الرأي الذي جاء به بناء على كشف علمي قدم في حينه ما يدعم أقواله.

ولكن مع التهديد العنيف الذي تلقاه غاليليو من قبل الكنيسة الكاثوليكية اضطر آسفاً وخائفاً إلى التراجع الكامل عن أقواله العلمية وقضى بقية عمره في منزله تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته ليجيء الاعتذار الكامل غير المشروط من الكنيسة التي ظلمته بعد 359 عاماً من الإنكار والظلم، لتدخل هذه القضية بين دفتي كتاب التاريخ كإحدى أشهر وأهم القضايا التي حصلت فيها المواجهة بين العلم ورجال الدين.




هذه قطعاً ليست الحالة الأولى ولا الوحيدة من نوعها أبداً، فصفحات الأرشيف حول العالم مليئة بمئات الوقائع والقضايا والآراء والواجهات بين الطرفين، وقد يكون كثير منها مثيراً للسخرية والضحك، إلا أن هذا لا يمنع من كونها أيضاً مدعاة للحزن والأسى في نفس الوقت.

اليوم نعيش فترة صعود العلم بامتياز، وخصوصاً إذا ما عرفنا أن 80 في المائة من إجمالي العلماء في تاريخ البشرية موجودون بيننا في آخر 50 عاماً تحديداً. وهذه إحصائية أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها مثيرة للدهشة ومسألة في غاية الأهمية بلا شك. فالكم الهائل والمتواصل من السلع والمنتجات العلمية التي تحيط حياتنا وباتت جزءاً حيوياً ومكوناً رئيسياً من حياتنا اليوم، بحيث تحولت إلى أساسيات يبدو من المستحيل الاستغناء عنها. ومع وجود أجيال جديدة من الشباب تعتمد على تلك الأدوات وتحترم الرأي العلمي الذي جاء بها وأضاف كثيراً من الجوانب الترفيهية في حياتهم، مع عدم إغفال جوانب تسهيل المهام في الشراء والتواصل والتعلم والعمل، ستزداد مواجهات الآراء التراثية التي يقدمها رجال الدين النمطيون في مقابل المختبر العلمي والمعمل العلمي، الذي يحول النظريات العلمية والتصاميم التي تأتي بالخدمات والمنتجات المبنية عليها بشكل مادي وملموس وقابل للقياس.

هذه المواجهة يجب أن تحصل بأدوات جديدة واحترام حقيقي لعقل المتلقي بدون تسلط وإهانة واحتقار وتعالٍ. لغة العلم تزداد قوة مع تطور أدواته القابلة لقياس التاريخ الأثري الإنساني والطبيعي، وبالتالي التفريق بين ما هو تاريخ وما هو أسطورة، وهناك أدوات يتم تطويرها لمعرفة تاريخ كوكبنا في المجرة الشمسية، وعلاقة هذا بتاريخ الفيزياء ودور النجوم والثقوب السوداء، وقد يدلنا كل ذلك نظرياً على مستقبلنا.

تقليدياً وتاريخياً كان بعض رجال الدين بشكل عام لا يوقرون ولا يقدرون العلم وتخصصاته، لأنه يتحدى بعض أهم السرديات التراثية التي بنت المؤسسات الدينية شرعيتها واستمدت منها قوتها، ولم يكن لديها حل عملي للتحاور وقبول الطروحات العلمية، فلجأوا إلى التكفير والتحقير والمحاربة بشكل عنيف وفج.

كل المؤشرات تشير بقوة إلى كون الحقبة العلمية المقبلة ستشهد كثيراً من النقلات النوعية في أسلوب عيش البشر على الأرض، وصعود دور الذكاء الصناعي في حياتنا وتنامي دور الهندسة الوراثية في المنظومة الصحية والطبية، وقد يحصل تواصل معلن مع كواكب أخرى، كما تلمح بذلك بعض التسريبات الرسمية من المنظومة العسكرية في الولايات المتحدة، والفرضية المتزايدة لإمكانية العيش في كوكب المريخ أو غيره من الكواكب.

في رائعة الكاتب والروائي اللبناني الأصل والفرنسي الجنسية أمين معلوف «رحلة بالديسار» التي يظهر فيها على لسان بطل الرواية التاجر الإيطالي بالديسار، الصراع الهائل بين العلم والدين والأسطورة، علماً بأن أحداث الرواية تدور في عام 1666 في سنة كان سكان العالم يعتقدون أنها نهاية الزمان، والحوار الذي دار وقتها يبدو شبيهاً جداً بما دار ويدور حولنا في العالم. حالة العداء والشك والريبة بين الطرح الديني والعلمي ولّدت المناخ المتشنج الذي سيطر على العلاقة بينهما، لكن هذا لم يمنع من تجاوزات حصلت من علماء حاولوا تأكيد عدم وجود خالق بشكل «علمي» أو نفي معجزات خارقة، وفي المقابل هناك رجال دين أكدوا «علمياً» خطورة قيادة المرأة للسيارة والتهديد الذي يشكله على المبايض أو أن الأرض مسطحة. صراع العلم والظلام مستمر، والغلبة لمن يحترم العقل.