أزمة لبنان المالية قد تُصنّف ضمن أشدّ 3 أزمات عالمية… أي بلدان نسابقها؟

حمل تقرير #البنك الدّولي، الذي نشر أمس، وصفاً دقيقاً لواقع لبنان المأزوم، إذ أورد أنّ “لبنان يغرق”. ولم يكتفِ التقرير الذي بُني على أساس علمي بتأكيد أنّ غياب نية الإنقاذ يؤدي إلى تعميق المشكلة، بل ارتكز على مؤشرات علمية أتاحت له تأكيد تموضع لبنان في خانة البلدان التي شهدت تاريخياً أزمات مالية ضخمة، وكذلك تحديد مكانة قطاع الكهرباء والتعليم والمياه في التدهور الحاصل.

كان لافتاً في التقرير، تحديد أنّ لبنان يغرق نحو أسوأ ثلاث أزمات عالمية. فترك العنوان، وكذلك البيان الصحافي، علامات استفهام عدّة حول طبيعة الأزمات العالمية التي أشار إليها التقرير، والتي يتجه لبنان ليكون من ضمن اسوأ 3 منها. لكنّ التقرير الصادر عن البنك الدولي توسع في شرح هذه النقطة.




ارتكز التقرير في تحديد الأزمات المالية العالمية على دراسة رينارت وروغوف (2014) في جامعة “هارفارد”، أتى في هذه الدراسة تصنيف لأسوأ 100 نموذج من الأزمات من العام 1857 حتى العام 2013. وقام البحث على أساس احتساب مؤشر شدة الأزمة في هذه الـ100 دولة، وأخذ الباحثان بجدولة الأزمات حسب مؤشر حدتها، من الأعلى إلى الأقل.

جاءت تشيلي على رأس دراسة رينارت وروغوف، فالأزمة التي شهدتها عام 1926 كان مؤشر حدّتها 62.6، وتبعتها إسبانيا مع مؤشر حدّة للأزمة قدره 60.6 بفضل الحرب الأهلية (أزمة عام 1931)، ثمّ البيرو (عام 1883) مع مؤشر 57. وفي الجدول أيضاً كل من الأوروغواي، وأوستراليا، والمكسيك، وإيطاليا.

ولاحتساب مؤشر شدّة الأزمة، يجب الأخذ بالاعتبار رقمين أساسيين، وهما:

-عمق الأزمة: الانخفاض (من الذروة إلى الحضيض) نصيب الفرد من الناتج الإجمالي الحقيقي.
يمثل كل من الذروة والحضيض الرقم الأعلى للناتج الإجمالي الحقيقي، والرقم الأدنى له، خلال الأزمة.

-مدّة الأزمة: عدد السنوات التي يستغرقها الوصول إلى الذروة السابقة من الدخل الحقيقي للفرد.

ومن ثمّ يُحتسب المؤشر وفقاً للقاعدة الآتية:

مؤشر شدّة الأزمة= -1*(عمق الأزمة) +(مدّة الأزمة)

عمد البنك الدولي، وفقاً لهذه القاعدة إلى احتساب مؤشر شدّة الأزمة في لبنان لتحديد مكانة بلد الأرز في هذه اللائحة. وكانت النتيجة أننا على لائحة أسوأ 10 أزمات عالمية منذ مئة سنة، ففي أحسن الأحوال نحن في المرتبة السادسة، وفي أسوأ الأحوال نحن في المرتبة الثالثة.

أشار تقرير البنك الدولي إلى أنّ نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي في لبنان شهد انخفاضاً مستمراً منذ بداية الحرب السورية عام 2011، والانخفاض الحاد بدأ عام 2018. ورشّح التقرير أن تحتل الأزمة المالية اللبنانية مرتبة ضمن أسوأ 10 أزمات مالية عالمية بناءً على تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعامي 2021 (أفضل حالة)، و2022 (أسوأ حالة).

وجاء في السيناريو الأوّل والذي يُعد أفضل من الثاني أنّ البنك الدولي يتوقّع أن ينخفض الناتج المحلي الحقيقي في العام 2021 بمعدل نمو (%9.5-) وتالياً سيكون عمق الأزمة (%35.1-) على اعتبار أنّ الذروة في العام 2017. ومدّة الأزمة بحسب هذا السيناريو هي 12 عاماً. سيكون، بحسب البنك الدولي، مؤشر شدّة الأزمة لسيناريو الأوّل 47.1. ويحلّ لبنان عندها في المرتبة السادسة بعد أوستراليا عام 1893، ويتوافق مع المكسيك 1929.

أمّا بالنسبة إلى السيناريو الثاني، وهو السيناريو الأشدّ خطورة، وهو وفقاً لنمو عام 2022، فإنّ عمق الأزمة سيكون (%38.6-) نظراً إلى توقع البنك الدولي أنّ يشهد الناتج المحلي الحقيقي انكماشاً إضافياً بنسبة 5 في المئة. ومدّة الأزمة 19 عاماً، فلبنان سيكون بحاجة هنا إلى 19 عاماً للتعافي والعودة إلى مستويات الناتج المحلي الحقيقي لعام 2017. وسيسجل مؤشر شدّة الأزمة 57.9 في المئة، ليحتل لبنان المرتبة الثالثة بعد تشيلي (1926) والحرب الأهلية الإسبانية.

وشدّد تقرير البنك الدولي على أنّ الانخفاض الأكثر حدّة للناتج المحلي الإجمالي كان عام 2018، لكنّه انطلق منذ العام 2011 مع بداية الحرب السورية. وتشترك الأرجنتين (01) والأوروغواي (02) مع النمو السلبي المستمر في لبنان.

وتطرق البنك الدولي إلى تدهور قيمة العملة المحلية، فانخفاض سعر الصرف في لبنان مماثلاً لانخفاض قيمة العملة الأكثر حدّة في الأرجنتين (80)، والمكسيك (81)، وفنزويلا (94).

وشرح البنك الدولي أن “التضخم الذي بقي هادئاً منذ أوائل التسعينيات بفضل سياسة تثبيت سعر الصرف، أصبح اليوم ضمن أسوأ 8 نماذج للدول في دراسة مؤشر حدّة الأزمة”. لا يمكن انكار العلاقة القوية بين النخضم وانخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار في بلد يتكل بشكل أساسي على الاستيراد.

كما أشار إلى أنّ “الميزان المالي العام في لبنان شكّل نقطة ضعف رئيسية في الفترة التي سبقت الأزمة، ويمكن مقارنته بالموقف المالي لليونان عشية الأزمة”. وأكّد أنّ “التحسن الظاهر في المؤشرات المالية للبنان (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) يخفي تدهوراً فعلياً”.

توقع البنك الدولي أن “تكون عملية النهوض صعبة جدّاً، وأن تستغرق وقتاً أطول، حتى مع وجود تدابير سياسة مثلى. ومع ذلك، فإنّ عدم وجود استراتيجية تعديل شاملة ومتسقة، كما هو الحال حاليًاسيكون الأمر أكثر صعوبة”.

وقال: “تشير النتائج إلى أنّ أزمة لبنان من المرجح أن تكون من بين عشر، وربما ثلاث، أزمات عالمية شديدة الخطورة، كما لاحظها ودرسها راينهارت وروغوف (2014) على مدى فترة تتجاوز قرن ونصف”.

حمل تقرير البنك الدولي دلالات واضحة عن صعوبة المرحلة المقبلة، لم تتلقّفها الطبقة الحاكمة رغم خطورتها، مثلها مثل تقرير “ستاندرد أند بورز” بشأن توزيع خسائر، وغيره من الدراسات، ويبقى السؤال، هل من ارتطام كبير؟ أو مزيد من الانحدار من درك إلى أسفل؟


المصدر: النهار