فلسطين أمام منعطفات جديدة! – رامي الرّيس – نداء الوطن

ثمّة متغيّرات دوليّة غير مسبوقة تجاه التطورات الأخيرة التي شهدتها قضيّة فلسطين على ضوء القصف الإسرائيلي الوحشي لقطاع غزة وسقوط ما يزيد عن مئتي شهيد فضلاً عن الدمار الهائل الذي شهده القطاع من هدم للأبراج والمباني السكنيّة واستهداف المدنيين بهدف تأليبهم على حركة “حماس” والضغط عليها للتراجع والاستسلام.

من المتغيرات الأساسيّة التي لم تكن تحصل في النزاعات السابقة تتعلق بطريقة تعاطي الاعلام الأميركي والغربي مع الأحداث. صحيحٌ أن سقوط الانحياز الأعمى والتام الذي كان متجذراً في الإعلام الأميركي مسألة غير سهلة وصعبة المنال نتيجة التأثير الواسع والعميق لمجموعات الضغط الصهيونيّة في واشنطن ومراكز الإعلام والأبحاث والدراسات؛ ولكنّ ثمة نقاشاً بدأ يشق طريقه حول مدى التطابق بين الحلف الاستراتيجي التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين المصلحة الأميركيّة المباشرة.




ومن العناوين المتصلة بعمق هذا النقاش ما يرتكز إلى أن هذه العلاقة تصب بطبيعة الحال في مصلحة إسرائيل، ولكن هل هي تصب فعلاً في المصلحة الأميركيّة؟ ويذكّر هذا النقاش بمثيل له حصل إبّان الغزو العراقي للكويت وإندفاع الرئيس الأميركي يومذاك جورج بوش الأب لإخراج صدّام حسين من الإمارة لتستعيد إستقلالها وحريتها وهو ما تطلب دخولاً عسكريّاً أميركيّاً مباشراً إلى دول عديدة في الشرق الأوسط والخليج العربي لم يسبق أن داس فيها جنود أميركيون. وعندئذٍ فتح النقاش ذاته الذي تمحور حول السؤال: هل هناك حاجة فعليّة لأن تحافظ الولايات المتحدة على علاقتها الاستراتيجيّة مع إسرائيل بعد أن أصبح نفوذها يمتدّ على معظم البقع في الشرق الأوسط؟

عضو مجلس الشيوخ بيرني ساندرز الذي حقق تقدّماً ملحوظاً في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة الأخيرة طالب الإدارة الأميركيّة بوقف الخطاب الإعتذاري الرسمي الأميركي لحكومات بنيامين نتنياهو معتبراً أن الدعم السنوي الذي تمنحه واشنطن إلى تل أبيب والذي يناهز 3 مليارات دولار يخوّلها أن تسائلها في مجال حقوق الإنسان ومدى إلتزام حليفتها بها، كما أنه من واجب واشنطن أن تلتفت إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذا خطاب جديد من نوعه في الولايات المتحدة.

كما نشرت مجلة “فورين بوليسي” الشهيرة مقالاً للباحث ستيفن والت إعتبر فيه أن “فوائد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل لم تعد توازي تكاليفه المرتفعة”، مضيفاً أن “الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة تجاه الفلسطينيين، قدّمت المزيد من الأدلة على أن واشنطن يجب أن توقف الدعم الاقتصادي والعسكري والديبلوماسي غير المشروط لإسرائيل”.

أما التظاهرات الشعبيّة التي إنطلقت في عدد من العواصم الغربيّة وفي العديد من البلدان حول العالم فتذكّر أيضاً بالتظاهرات الهائلة التي تحرّكت بكثافة قبيل غزو العراق سنة 2003 تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل والتي لم تكترث خلالها واشنطن لرفض مجلس الأمن الدولي تبنّي الحرب فضلاً عن رفض الحليفين الأقرب ألا وهما فرنسا وألمانيا.

منطق القوّة الاسرائيلي وفق قاعدة الدفاع عن النفس لم يعد ينطلي على الرأي العام العالمي كما أنه لم يعد مقنعاً لأقرب حلفاء إسرائيل في قلب الولايات المتحدة وفي أوروبا. كما أن حجم التعاطف مع الشعب الفلسطيني آخذ في التوسع لا سيّما أن حرمانهم من حقوقهم الوطنيّة المشروعة إمتد على مدى عقود طويلة. فالصراع في فلسطين هو صراع كولونيالي- تحرري وليس نزاعاً مسلحاً بين دولتين أو جيشين بطريقة تقليديّة.

كما أن الكذب الاسرائيلي حول الديموقراطيّة في الداخل يتحطم كل يوم من خلال قوانين الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. أساساً، إن مجرّد إقرار قانون يهوديّة الدولة هو المثال الأعلى للفصل العنصري. في نهاية الأمر، لن يصح إلا الصحيح!