سمير عطا الله

بلغ المنصب ولم يبلغ المقام – سمير عطالله – الشرق الأوسط

“جهنم خالية، وجميع الشياطين هنا”.
شكسبير

في الأول من آذار دخل #نيكولا ساركوزي المحكمة مرة أخرى لكي يصغي الى حكم آخر بالفساد والرشوة وسوء السلوك. ثاني رئيس فرنسي، بعد جاك شيراك، يتلقى حكماً بالسجن في جرائم موصوفة كالتي ترتكبها العصابات، كما جاء في حيثيات الحكم على ابن المهاجر المجري الذي أُعطِي كل المناصب السياسية بما فيها الاليزيه. وأول رئيس يُدان بجرائم ارتُكبت وهو في السلطة.




ورد اسم ساركوزي في اكثر من قضية خسيسة، بينها تلقّي الملايين من معمر القذافي، لمساعدته في انتخابات 2007، مقابل تلميع صورة الأخ العقيد في الغرب، واقامة خيمته الخفيفة الظل على مقربة من قوس النصر، وساحة شارل ديغول، واجمل جادة في العالم.

مشكلة ساركوزي الأخرى ان فضائحه كلها من النوع الصغير. فعندما تنصّتت الدولة على ما يفعل، اكتشفت ان خَلَف ديغول في الجمهورية الخامسة، يتخفى وراء اسم مستعار هو بيسمه Paul Bismih. تضرب على هالذوق. في بلاد رامبو وفولتير وموليير وفلوبير وابولينير، لم يطلع معك إلا بيسمه؟ حقاً تضرب. هذه وحدها تستحق سنة حبساً مع التنفيذ.

ورد اسم ساركوزي ايضاً في قضية تتعلق بالمدام ليليان بيتانكور، صاحبة “لوريال” وأغنى امرأة في فرنسا، رحمها الله. فقد شكت ابنتها وزوجها، من ان ليليان ترسل مظروفاً مختوماً كل شهر الى رئيس الجمهورية الفرنسية. تبيّن ان المظروف، المرسل مع تحيات مدام بيتانكور، لا يقع تحت طائلة القانون.

عاش الانكليز والفرنسيون تاريخاً من الحروب والمعارك والثأر، في ارجاء العالم. من الشرق الى الغرب. واطلق كل شعب بحراً من الحقد والنكات والسخرية في حق الآخر. ولما وصل الى لندن العام 1940 ضابط شاب يدعى شارل ديغول، انقلب التاريخ. وجلس الضابط القادم من بلد محتل من النازيين، ومذلة المارشال بيتان، الى طاولة واحدة مع ونستون تشرشل. ثم مع روزفلت. ثم مع ستالين. وعندما توفي العام 1970 في قريته، كولومبه، كان قد اوصى بجنازة بسيطة في كنيستها. لكن زعماء العالم جاءوا يودّعونه، وخرج ملايين الفرنسيين يعتذرون عن حماقة اليوم الذي تخلّوا عنه. لا هو الشعب الوحيد الذي يرتكب الحماقات، ولا هي الحماقة الأخيرة.

آخر كتاب عن ديغول وضعه المؤرخ جوليان جاكسون، الاستاذ في جامعة “كوين ماري”، لندن. نحن هنا نقول ان ما من احد اكبر من بلده. الدكتور جاكسون يقول ان ديغول كان اكبر من دولته ومن شعبه. لذلك لم يعد يشار اليه على انه شارل ديغول، أو الجنرال ديغول، أو الرئيس ديغول. تقول فقط ديغول، كأن تقول فرنسا.
اعتاد البريطانيون، بطباعهم، تجنب العواطف واستخدام أفعل التفضيل. لكن الدكتور جاكسون يتخلى عن هذا التقليد ليقول: “سوف يدرّس ديغول لقرون لسبب ادائه في الحرب العالمية الثانية، وماذا فعل، وكيف فعل ما فعل”.

حاول ديغول العام 1940 ان يقنع غيره من الشخصيات الوطنية المعروفة، بترؤس حكومة فرنسا الحرة. وشعر أنه مثل “رجل على الشاطىء يدعى لسباحة المحيط”. لكن فرنسا الحرة كانت قد اتخذت قرارها. وهذه المرة اعظم قرار في تاريخها الملكي والثوري والجمهوري.

كان الكِبَرُ La Grandeur هاجس ديغول، الأول والأخير. وللكِبَر مقياس واحد هو الأخلاق. وصل ساركوزي الى الرئاسة لكنه لم يبلغ المرتبة الخلقية. عرف كيف يتسلق ولم يعرف كيف يكبر. انقذ ديغول فرنسا من خيانة بيتان. وانقذها من جنون جنرالات الجزائر، سالان وجوو وشال، معلناً ان الجزائر جزائرية. وبعدها انصرف الى بناء الداخل: فرنك قوي ومكرم، وبلد صناعي عظيم، يصدّر الى اميركا ثلث استهلاكها التكنولوجي.

ثم حلّت التفاهة. وضاق الفرنسيون ذرعاً بالحِمل الاخلاقي وحلم الكِبَر. وامتلأت شوارع باريس بالزعران. وبدل شعار الثورة “حرية آخاء مساواة”، ظهر في الضفة اليسرى كوهن بنديت زعيم يساري من المانيا يرفع ويرفعون معه، شعار Boulot Metro Dodo أي عمل وتذكرة مترو ونوم مريح.

تسنى لفرنسا ان يخلف ديغول تلميذه جورج بومبيدو، الذي نعاه، بتلك الجملة المقتضبة: “فرنسا ترمّلت”. لكن بومبيدو، الآتي من عالم الادارة والحداثة، كان ديغول قد ترك له بلداً بلا هموم عسكرية أو اهلية أو هزال نقدي مشين. فقد بنى لفرنسا “القوة الضاربة” لكي لا تظل تحت رحمة “المظلة الاميركية أو السوفياتية”، واخرجها من حرب الجزائر، وغادر حلف شمال الاطلسي. واثق الخطوة يمشي ملكاً.

لذلك، لم يبقَ لبومبيدو، سوى البناء للرفاهية والسعادة. أليس طلب السعادة بنداً في بنود الدستور الاميركي الذي لم يلحظ للدين مكاناً في الدولة؟ إذن، سوف يقول بومبيدو في خلافته لأب فرنسا المعاصرة Le Bonheur après c’honer . “الحارس، بعد الرؤيوي” كما قال جان دورمسون، كاتب افتتاحيات فرنسا المبهجة “واليميني الذي يفكر باليسار”. “بعد الديغولية التاريخية، الديغولية الادارية”. يقول وريث ديغول عن ولايته: “ليس للشعوب السعيدة تاريخ. آملُ ألاّ يكون لدى المؤرخين الكثير مما يقولونه عني: لا حروب ولا ثورات. كما آمل ان يعثروا في دفاتر الجمهورية، ما بين 1960 و1976، على فرنسا عاشت مرحلة التوسع والتحديث ورفع مستوى المعيشة. وبسبب تقدمها الاقتصادي والاجتماعي، عرفت الطمأنينة الخارجية”.

طبعاً ادركت فرنسا، بلد العرّاف نوستراداموس، ان لا ديغول آخر. هذه ولادات مثل “البطة الذهبية” لا تتكرر. لكن بومبيدو كان خلفاً لائقاً، وكان مرتبة ثقافية عالية، ولو لم تكن قريبة من عظمة السلف. وهذا المستوى السامي سوف يكون الأخير في الجمهورية الخامسة. بعد بومبيدو، فاليري جيسكار ديستان، ذات مرة وزير مالية ديغول. لكن عبقري الاقتصاد ينهي حياته السياسية بقبول هدية هي عبارة عن عقد ماسيّ، من جان بيدل بوكاسا، الذي عيَّن نفسه امبراطور افريقيا الوسطى. ولم يستطع المؤهل السابق في الجيش الفرنسي، العثور على رتبة اعلى في الامبراطوريات السالفة. ولا عيدي امين. ولا جوزف موبوتو سيسي سيكو. وبعد ديستان، فرنسوا ميتيران، الكثير من الثقافة والقليل من المُثل الأخلاقية. السياسة في ثوبها الحقيقي، اي العريّ، ولا لزوم لورقة التين.

بعد جاك شيراك انتخبت فرنسا المزاجية نيكولا ساركوزي. كفاءة واحدة: التسلق. بدل عقد ماسيّ من امبراطور افريقيا الوسطى، الملايين من “ملك ملوك افريقيا”. وسوف يسارع في ما بعد الى ارسال الطائرات لقصفه كي يتوقف عن الكلام. لكن سيف الاسلام تولى ذلك عن ابيه، بعد مقتل الأب بالطريقة المتوحشة التي لم تُعرف إلا في مجزرة العائلة الملكية في العراق، العام 1958.

لا يستطيع المرء مقاومة فكرة المقارنات، عندما يتعلق الأمر بأحداث التاريخ. والسياسيون الذين يهمهم أمر التاريخ قلائل. القاعدة الاكثر جاذبية هي “من بعدي الطوفان”. لكن المشكلة عندما لا ينتظر الطوفان ما بعد. والمشكلة الأكبر عندما يترافق مع البركان. عندها يضطر لويس الخامس عشر الى القول، من بعدي الطوفان والفيضان. والله اكبر…