نبيه بري الثمانيني المحنّك الذي يطرح مبادرة اللحظة الأخيرة

صلاح تقي الدين – العرب

لا يختلف اثنان في لبنان على أن رئيس حركة “أمل” ورئيس مجلس النواب اللبناني دون انقطاع منذ العام 1992 نبيه بري هو بالفعل صمام أمان البلد، فعندما تصل الأمور إلى أقصى درجات التعقيد فإن “الاستيذ” قادر على “إخراج أرنب” من كمّه لكي تصفى القلوب ويسير القطار على السكة، وهو لهذه الغاية لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها كما فعل في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب الذي انعقد لتلاوة ومناقشة الرسالة “الفخ” التي أرسلها رئيس الجمهورية ميشال عون “لحثهم” على نزع التكليف الممنوح لرئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري لتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة.




ولم يكن خافياً أن بري كان الداعم الأول والرئيسي لعودة الحريري على رأس حكومة “مهمة” تتبنى تطبيق الإصلاحات التي وردت في المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارته لبنان عقب الانفجار الكارثي الذي أصاب مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي، كما كان ولا يزال من أكثر المتمسكين بتطبيق المبادرة الماكرونية إلى جانب صديقه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

من يسمي الوزراء المسيحيين؟

بري يدعم عودة الحريري على رأس حكومة "مهمة" تتبنى تطبيق الإصلاحات التي وردت في مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون لدى زيارته لبنان عقب الانفجار الكارثي الذي أصاب مرفأ بيروت
بري يدعم عودة الحريري على رأس حكومة “مهمة” تتبنى تطبيق الإصلاحات التي وردت في مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون لدى زيارته لبنان عقب الانفجار الكارثي الذي أصاب مرفأ بيروت

وبعد سبعة أشهر ونيف على تسمية غالبية نيابية للحريري لتشكيل الحكومة العتيدة، وبعدما اعتقد كثيرون أن هذه الحكومة ستتشكل في ظرف أسبوع على الأكثر كما أعلن بري نفسه لدى خروجه من القصر الجمهوري عقب الاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها عون، لا تزال الأمور تراوح مكانها إن لم يكن قد تجمّدت في ظل الاتهامات المتبادلة بين عون والحريري بتعطيل التشكيل.

وفيما بات واضحاً أن لا رغبة لدى عون في أن يجلس إلى طاولة مجلس للوزراء يكون فيها الحريري رئيساً للحكومة ولا تكون فيها لصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل حصة وازنة انطلاقاً من مقولة سابقة له جرى ترويجها قائمة على معادلة “سعد وجبران جوا سوا أو برا سوا”، فإن حجة الحريري لعدم تمكنه من تشكيل الحكومة إلى غاية اليوم هي أنه ملتزم بالمبادرة الفرنسية التي تنص على أن تكون الحكومة العتيدة “حكومة مهمة” من ذوي الاختصاص من غير الحزبيين، ولا ثلث معطلاً فيها لأي فريق سياسي، ويتهم عون وباسيل بأنهما منذ تكليفه يضعان العوائق أمام التشكيلة للحصول على الثلث المعطل فيها.

بري قادر على “إخراج أرنب” من كمّه، عندما تصل الأمور إلى أقصى درجات التعقيد، لكي تصفى القلوب ويسير القطار على السكة، وهو لهذه الغاية لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها كما فعل في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب

وإلى جانب الثلث المعطّل تمسّك عون وباسيل بـ”حق” تسمية كل الوزراء المسيحيين في الحكومة الأمر الذي يصب وفق منطق الحريري في الخانة نفسها للحصول على الثلث المعطّل.

ساءت العلاقة بين عون والرئيس المكلف بعدما زار الحريري القصر الجمهوري 19 مرة للبحث في التشكيلة التي كان قد قدمها من 18 وزيراً من غير الحزبيين ومن الأخصائيين ومن دون ثلث معطل، ووصل الأمر إلى حد التخاطب بينهما عبر البيانات والوسائل الإعلامية ما أثار حفيظة الفرنسيين الذين أوفدوا وزير خارجيتهم جان إيف لودريان إلى بيروت لإسماعهم كلاماً غير مسبوق وتحميلهم مسؤولية انهيار البلد، ناهيك عن استياء البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي كان يميل إلى تحميل عون وباسيل مسؤولية التعطيل.

وفي خطوة بمثابة “فخ” وجه عون رسالة إلى مجلس النواب عبر رئيسه استناداً لحق منحه إياه الدستور، من أجل حث المجلس للضغط على الحريري ليقدم على تشكيل الحكومة، لكنها في الواقع كأنها تطلب من المجلس نزع التكليف الممنوح للحريري من النواب لتشكيل الحكومة، علماً أنه لا يمكن للمجلس اتخاذ أي خطوة إجرائية في هذا المجال. لكن بري بحكمته وحنكته السياسية ووعيه بما يمكن أن ينتج عن أي خطوة في هذا الاتجاه، سارع إلى رفع “البطاقة الصفراء” في وجه عون والحريري على حد السواء من خلال التوصية التي تلاها عقب انتهاء جلسة مناقشة رسالة عون.

كواليس بري

Thumbnail

وعقب مباحثات حملت طابع “البعيدة عن الإعلام” أدارها بري عبر معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، تم الاتصال بباسيل والحريري على حد السواء وتم التوصل إلى تفاهم على أن يكون مستوى خطابهما في جلسة مناقشة رسالة الرئيس عون “منخفض” الحدة وعلى أن يكون منطلقاً للبحث في مبادرة جديدة تقوم على مبدأ 24 وزيراً من دون ثلث معطل لأي فريق، وللأمانة هي مبادرة كان قد أطلقها جنبلاط عقب زيارته “المفاجأة” إلى قصر بعبدا للقاء عون تلبية لدعوة منه، وتلقفها بري ويحاول تسويقها.

لكن رياح بري لم تجْر كما يشتهي على الأقل من جهة الحريري الذي شن هجوماً لاذعاً على عون وباسيل، في الوقت الذي كان فيه الأخير قد اعتلى منبر المجلس قبل كلمة الحريري، وبدا كأنه ملتزم بما اتفق عليه مع بري، فكان خطابه إلى حد ما “تصالحياً” رغم استمراره في “فرض” شروط التأليف على الحريري. غير أن رئيس المجلس سارع إلى تلاوة التوصية التي تمنى على المجلس تبنيها بالإجماع ونصت على ما يلي “استنادا إلى النص الدستوري حول أصول تكليف رئيس لتشكيل الحكومة وطريقة التشكيل وفق المادة 53 من الدستور، ولما لم يرد أي نص دستوري آخر حول مسار هذا التكليف واتخاذ موقف منه وبما أن فخامة رئيس الجمهورية قد قام باستشارات ملزمة وفق ما ورد وبعد إطلاعه رئيس المجلس النيابي أتت نتيجتها تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة. وباعتبار أن أي موقف يطال هذا التكليف وحدوده يتطلب تعديلا دستوريا ولسنا بصدده اليوم. ولأن مقدمة رسالة فخامته تشير بوضوح إلى فصل السلطات وتعاونها وحتى لا تطغى سلطة على أخرى”.

وأضاف بري “ولحرص المجلس على عدم الدخول في أزمات ميثاقية ودستورية جديدة وحرصا على الاستقرار في مرحلة معقدة وخطيرة اقتصاديا وماليا واجتماعيا تستوجب إعطاء الأولوية لعمل المؤسسات، يؤكد المجلس على ضرورة المضي قدما وفق الأصول الدستورية من قبل رئيس الحكومة المكلف للوصول سريعا إلى تشكيل حكومة جديدة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية”.

صاحب المبادرة

المباحثات التي وصفت بأنها "بعيدة عن الإعلام" والتي أدارها بري عبر معاونه علي حسن خليل، تم خلالها الاتصال بباسيل والحريري لخفض التوتّر
المباحثات التي وصفت بأنها “بعيدة عن الإعلام” والتي أدارها بري عبر معاونه علي حسن خليل، تم خلالها الاتصال بباسيل والحريري لخفض التوتّر

ومن يراقب حراك الرئيس بري في الأيام القليلة الماضية، يعلم أنه شغّل محركاته السياسية ومساعيه الحكومية ويضع نصب عينيه إنجاز تأليف الحكومة. فعقب تلاوته توصية مجلس النواب التقى بري كلاً من الحريري وبعده باسيل، ثم عاد وصارح اللبنانيين في 25 مايو الجاري الذي يصادف عيد “المقاومة والتحرير” بأن المدخل الإلزامي للإنقاذ هو في أن يبادر المعنيون بتأليف حكومة وطنية من ذوي الاختصاص غير الحزبيين، لا أثلاث معطلة فيها لأحد، متماهياً بذلك مع موقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي والمبادرة الفرنسية.

وتعززت مبادرة بري بموقف الأمين العام لــ”حزب الله” السيد حسن نصرالله منذ يومين الذي أعلن أن “للحل الحكومي طريقين لا ثالث لهما: الأول في أن يبادر الحريري بزيارة عون، والطريق الثاني هو اللجوء إلى مساعدة صديق، أي الرئيس بري وتفويضه لإيجاد مخرج حكومي”.

وتقرأ بعض المصادر المطلعة موقف نصرالله على أنه يعني دخول “حزب الله” رسمياً على خط تأليف الحكومة، فمن غير المعقول أن يورط الحزب حليفه بري ويكلفه في مبادرة غير مضمونة النتائج، وعليه فإن موقف “حزب الله” اعتُبر إطلاق صافرة التحرك باتجاه حليفه المسيحي أي فريق عون – باسيل حيث لا يكفي أن يدعم الحزب الرئيس بري من غير تحقيق أي شيء ملموس والحصول على تنازلات من باسيل وفرض إيجاد حلول والحد من ممارسته للتعطيل.

مقرّبون من بري يقولون لـ”العرب” إن رئيس المجلس ماض في مسعاه التوفيقي بين عون والحريري، مشدّدين على أن نقطة الارتكاز التي تقوم عليها المبادرة لا تزال كما كانت عليه منذ اليوم الأول أي “لا ثلث معطلا لأي جهة”

كل العقبات برأي المصادر نفسها يسهل تجاوزها بإدارة بري الذي يتقن تدوير الزوايا وتذليل العقد. إنما هذا لا يعني أن طريق تشكيل الحكومة بات مفتوحاً، فالتجارب السابقة لا تبشر بالخير ما دفع ببري إلى تغليف اتصالاته بالكتمان، حيث تفيد المعلومات القليلة المتداولة بأن بري يسعى إلى تجزئة الحل من أجل الوصول إلى تصور متكامل، فيكثّف أولاً مساعيه إلى إيجاد مخرج  لعقدتي وزارتي الداخلية والعدل على أن تتبعها خطوات لاحقة تفضي إلى حكومة متكاملة تحت سقف المبادرة الفرنسية حصراً.

يتعامل بري مع المستجدات بشيء من التفاؤل، لاسيما مواقف المعنيين مباشرة بتشكيل الحكومة يضاف إليها الموقف الصريح الذي أعلنه السيد نصرالله وكلام البطريرك الراعي لجهة المسؤولية المشتركة لكل من عون والحريري عن التأليف.

والأكيد أن مبادرته وحدها في الميدان اليوم، لأن تشكيل الحكومة الجديدة في أسرع وقت هو الباب الأول لحل شامل ينقذ البلاد والعباد مما يعانون منه، حيث بات واضحاً أن ثقة المجتمعين العربي والدولي بالطبقة السياسية صارت مفقودة وأن لا أموال مساعدات ولا استثمارات ستصل إلى لبنان لمساعدته على الخروج من أزماته ما لم تشكل هذه الحكومة وفقاً لمعايير المبادرة الفرنسية.

قيادة “التيار الوطني الحر” بزعامة باسيل عمّمت، من جانبها، على النواب والقياديين في التيار عدم خوض أي هجوم إعلامي وسياسي على بري خصوصا بعد الذي حصل في جلسة مجلس النواب، حيث أن عدة خطوات إيجابية حصلت بين الطرفين في المرحلة الماضية بعيدا عن الإعلام. ولذلك فإن التيار ومن خلفه رئيس الجمهورية ميشال عون يرغبان في البناء عليها.

ويشير مقرّبون من بري لـ”العرب” إلى أن رئيس المجلس ماض في مسعاه التوفيقي بين عون والحريري وأنه أعد أوراقه وجهز ملفاته بانتظار عودة الحريري من خارج البلاد، وتقوم المبادرة على أن يقترح الرئيس عون عدة أسماء ويختار الحريري من بينها وزيرا للعدل ويقترح الحريري أسماء ويختار عون وزيرا للداخلية من بينها، مشدّدين على أن نقطة الارتكاز التي تقوم عليها مبادرة بري لا تزال كما كانت عليه منذ اليوم الأول أي “لا ثلث معطلا لأي جهة”.