ذي أتلانتك: محاسبة الأسد بعيدة في الوقت الحالي والحفاظ على ذاكرة ضحاياه مهم جدا

قالت الصحافية المعروفة جانين دي جيوفاني في مقال لها بعنوان “عندما تكون العدالة بعيدة المنال” ونشرته مجلة “ذي أتلانتك” إن محاسبة بشار الأسد بعيدة في الوقت الحالي وما يمكن عمله حاليا هو الحفاظ على ذاكرة ما حدث في سوريا.

وقالت “قبل عدة سنوات طلبت مني مجلة “فانيتي فير” أن أبحث عن مجرمي الحرب والديكتاتوريين السابقين الذين لم تطلهم العدالة رغم الإطاحة بهم. وكلما بحثت في البيوت الراقية بمنطقة الريفيرا الفرنسية، التي تعتبر واحدة من أجمل المناطق الساحلية في العالم أو في الشوارع المبلطة من 16 أرونديسمان من باريس، تم تذكيري بشكل متواصل أنه من النادر أن تطال العدالة الرجال الأشرار بعد الحروب والاضطرابات”.




وبالتأكيد يمكنهم العيش مثل ديكتاتور تونس السابق زين العابدين بن علي برفاهية والذي كانت لديه ممتلكات هائلة في جدة ومات في المدينة الساحلية عام 2019 ولا تزال شلته تعيش بحرية.

وهناك البعض، مثل صدام حسين، يواجهون درجة من العدالة وإن بشكل متأخر أو يموتون على يد ضحاياهم كما حدث لمعمر القذافي. وقلة من هؤلاء استطاعت التمسك بالسلطة مثل كيم جونغ أون. وينتمي بشار الأسد للفئة الأخيرة ولا يزال يخوض حربا مضى عليها عقد من الزمان، واستطاع الانتصار بشكل عملي لأنه نظم حملات قتل واغتصاب وتعذيب وهجمات كيماوية ضد شعبه. ولن يواجه العدالة، على الأقل في الوقت الحالي.

ليس لدى محكمة الجنايات الدولية إلا سلطة محدودة على سوريا لأن دمشق لم توقع على ميثاقها

وليس لدى محكمة الجنايات الدولية إلا سلطة محدودة على سوريا لأن دمشق لم توقع على ميثاقها. وهذا لا يعني وقف المجتمع الدولي محاولاته لتحقيق العدالة، فالآليات موجودة للتأكد من مواصلة العملية، كما في المحاولات الألمانية والفرنسية اللتين طبقتا ما يعرف بصلاحية الاختصاص العامة، أو القيام بعمليات تحقيق بجرائم حرب ضد زوجة الأسد، أسماء، كما يجري في بريطانيا، وبخاصة أنها تحمل الجنسية البريطانية.

وهناك الكثير يمكن عمله حتى لو لم تتحقق العدالة. فعندما تنتهي الحرب الأهلية، فماذا يحدث بعد ذلك؟ هل سيبدأ البلد مسيرته من جديد؟ وماذا لو تتم محاسبة مرتكبي الجرائم، هذا إن حدث؟ وبعيدا عن تحقق العدالة، فكيف يمكن تذكرها؟

فبحلول عام 2011 عندما اندلعت الحرب في سوريا كان معظم سكان البلد يحملون الهواتف الذكية، مما يعني أنه عندما سقطت البراميل المتفجرة على حلب أو تم جر شخص من بيته تحت جنح الظلام أو ضرب وأطلق النار عليه في الشارع، فقد كان هناك من يقوم بتوثيق الأحداث على الهاتف النقال. وتم تهريب هذه الصور وآلاف الوثائق إلى خارج البلاد وأصبحت في يد محققي الأمم المتحدة الذين شكلوا غرفة عمليات في جنيف تعرف “بالآلية الدولية المحايدة المستقلة”. وتضم مواد جمعتها منظمات مثل الخوذ البيضاء التي عادة ما يرد أفرادها على الأحداث أولا. وحتى لو توقفت الحرب غدا وألقى كل المتحاربين أسلحتهم فلن تتحقق العدالة على الفور. لكن الحفاظ على الذاكرة يجب ألا ينتظر. وتقول إن الخوذ البيضاء هم حماة الذاكرة حيث استخدموا كاميرات “غوبرو” ركبت على خوذهم وسط أسوأ الأحداث، وعندما كانوا يحفرون للعثور على الناجين بسبب القصف كانوا يوثقون فظائع الروس والنظام السوري.

ولم يكن مدهشا استهداف الطيران الروسي الخوذ البيضاء وهم يحاولون إنقاذ الضحايا، أما أنصار النظام فقد شنوا حملة تشويه على الإنترنت لنزع المصداقية عنهم.

وسوريا ليست البلد الوحيد الذي يواجه مشكلة في الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2007 وبعد عقود على وفاة الجنرال فرانكو أقرت إسبانيا قانونا باسم شاعري “قانون الذاكرة” وخصصت بموجبه ميزانيات لحفر المقابر الجماعية ودفن البقايا، والأهم من هذا هو البعد النفسي في قانون الذاكرة ومنحه حقوقا للضحايا وأحفادهم ومن لعنهم نظام فرانكو.

وتقول جيوفاني إن نزاعين شرسين غطتهما وأفلت الأشرار فيهما من العقاب هما البوسنة ورواندا، وعلى خلاف مرتكبي الجرائم في هذين البلدين لا يزال الأسد في السلطة، لكنهما يقدمان رؤية حول ما سيحدث في سوريا مستقبلا. وإحياء ذاكرة الضحايا مهم في مرحلة ما بعد النزاع، وقامت البوسنة ورواندا بعمل مهم في هذا المجال. ففي كل تموز يجري إحياء مؤلم في سيربرنتشا التي قتل فيها حوالي 8.000 رجل وطفل مسلم على يد العصابات الصربية دفنوا في حقل من شواهد القبور البيضاء، وتحتها دفنت عظام الضحايا.

ولم يتم العثور على كل ضحايا المجزرة لكن المفوضية الدولية للمفقودين والمنظمات غير الحكومية تعمل بشكل متواصل للموافقة بين الحمض النووي والعظام، بحيث يكون للعائلات فرصة للتعرف على مصير المفقودين وبالتالي الحفاظ على ذاكرتهم. وفي العاصمة الرواندية كيغالي تم إحياء ذاكرة ضحايا مذابح عام 1994 بطريقة أخرى، تم دفن بقايا 250.000 وهم جزء من 800.000 شخص قتلوا في مقبرة تذكارية تحولت إلى مركز تعليمي يهدف لتذكير الأجيال التي ولدت بعد المذبحة ما يمكن أن تفعله الكراهية، وهو مكان مثير ويحرك مشاعر المسؤولين الأجانب ومن الأمم المتحدة ويعطي مثالا عن الطريقة التي تعامل فيها البلد في مرحلة ما بعد النزاع.

 ولكن هناك عددا من مظاهر القصور في محاولات راوندا وهي تعمل للحفاظ على ذاكرة الماضي مع أن حاضرها يذكر بصعوبة التحرك من النزاع، فالرجل القوي فيها وهو بول كاغامي (توتسي) وزعيم الجبهة الوطنية الرواندية تتهم قواته بذبح الهوتو، حسب تقرير للأمم المتحدة.

 كما أن إحياء الذاكرة لا يكفي لرأب جراح الماضي، فعندما حاول فنان سويدي إحياء ذكرى 77 شخصا قتلوا في النرويج عام 2011 ومعظمهم من الناشطين السياسيين الشباب، احتج بعض النرويجيين بالقول إن هذا سيحيي الذكرى المؤلمة. وفي الوقت الذي يحيي فيه سكان البوسنة ذكرى سربرنتشا كل عام إلا أن الشباب في البوسنة يفضلون ترك الماضي خلف ظهورهم والتركيز على المستقبل ولا يريدون ذاكرة أو زيارة القبور.

وفي الوقت الحالي ستظل العدالة معلقة في سوريا ولا توجد طريقة واقعية لتحقيقها على المدى القصير و”لكنني شاهدت الكثير من الحروب وأعرف أنه في يوم ستتغير الحكومة ويسقط الأسد وستأتي لحظة الحساب التي لا يمكنه الإفلات منها”. و”علينا أن نكون جاهزين عندما تحين فرصة تحقق العدالة، وعلى المجتمع الدولي التركيز على توثيق الفظائع التي ارتكبها الأسد ونظامه، وعندما يقف أمام المحكمة فسنستعيد عمل كل ما عاشوها- الجماعات الإنسانية والصحافيين واللاجئين والناجين ولهذا يجب الحفاظ على الذاكرة”.