الدولار الفندقي والحجوزات المرتفعة.. “استمرار التذاكي” وتحفيز التلاعب في لبنان

أيمن شروف – الحرة

خلال عطلة عيد الفطر المنصرم، كانت غرف المنتجعات السياحية خارج العاصمة اللبنانية بيروت محجوزة بالكامل. غالبية أصحاب هذه المنتجعات، صغيرة كانت أو كبيرة، لم يقبلوا إلا بالتعامل بالدولار. عائلة أجنبية أتت لزيارة والدها الذي يعمل في إحدى المؤسسات الأجنبية في بيروت، جالت من بيروت إلى الشوف فالبترون وغيرها من مناطق، فوجدوا الحياة جد طبيعية والسؤال الوحيد الذي سألوه: هل هذا بلد يعاني فعلاً من أزمة؟




كان الرد آنذاك أن العطلة وقدوم المغتربين هما السبب في هذا الواقع. لكن مضى العيد وما زال الواقع كما هو عليه، من منطقة بدارو إلى مار مخايل وبرمانا وغيرها، أماكن سهر تكون ممتلئة حتى في أيام الأسبوع وليس فقط في خلال نهايته. المنتجعات أيضاً، بعضها ممتلئ حتى سبتمبر المقبل، وفي أيام العطل من المستحيل أن يجد المرء أي غرفة شاغرة.

أكثر من ذلك، أصدر وزير السياحة رمزي مشرفية قرارا يقضي بالسماح للفنادق بتقاضي تعرفة الغرف بالدولار (الفريش) للسياح القادمين من الخارج، وإبقاء التسعيرة بالليرة اللبنانية للبنانيين والأجانب المقيمين في لبنان، وقد علل الوزير هذا القرار بأنه يأتي “تفعيلاً للاقتصاد الوطني من خلال رفده بالعملات الأجنبية وتحصيناً لمقومات السياحة المحلية للمواطنين”.

لماذا اتُخذ هذا القرار وماذا يعني؟ يقول مستشار وزير السياحة رمزي مشرفية مازن أبو ضرغم في حديث لموقع “الحرة”: “الدولار الفندقي هو لمساعدتها على تحمل العبء الكبير الذي تتحمله بسبب سعر صرف الليرة خاصة للتطبيقات العالمية والبطاقات المصرفية التي يدفعونها بالدولار، وبالتالي أكدنا أن هذا القرار يستهدف حصراً الأجنبي الذي يأتي إلى لبنان للسياحة ولا يعني اللبنانيين ولا الأجانب المقيمين فيه، كذلك انخفضت قيمة التعرفة 50٪ وبالتالي نحن بذلك نكون قد حافظنا للسائح على السعر المتدني الذي يُشجعه على المجيء وفي الوقت نفسه ساعدنا الفندق على الاستمرارية”.

يختصر نقيب أصحاب الفنادق والمؤسسات السياحية في لبنان بيار الأشقر الواقع بالقول: “نحن كقطاع فندقي ندفع كُل مشترياتنا بالدولار وبالتالي لا يُمكن أن نستمر إذا لم يكن هناك من دوار بين أيدينا، خاصة أن التطبيقات جميعها، مثل booking.com وغيرها تأخذ بالدولار ولكن على سعر 1515 وبالتالي صار السائح يحجز الغرفة ثُم يصرف أمواله في السوق السوداء ويدفع بالليرة اللبنانية، أي أنه يدفع المئة دولار، 150 ألفاً وبالتالي الفندق سيكون الخاسر الأكبر من هذا الأمر”.

أيضاً وبحسب الأشقر، “أدى هذا الأمر إلى خروج لبنان من هذه التطبيقات تماماً وهو الأمر الذي ينعكس سلباً على القطاع السياحي وبالتالي القرار المُتخذ يُساهم في عودتنا لنكون منطقة جذب للسياح، كذلك يُساعد في تأمين مستلزماتنا كون الفنادق تدفع الكثير من الخدمات بالدولار الفريش وبالتالي إدخال العملة الصعبة يساعد في استمرار هذه المؤسسات وتقديم خدمات جيدة وتُنافس دول المنطقة”.

ولكن قبل القرار ومنذ بداية الأزمة، لم تتراجع كثيراً أسعار الفنادق خاصة في الأشهر المنصرمة، ففي جولة سابقة لموقع “الحرة” على بعض فنادق العاصمة، كانت تطلب الحجز بالدولار الأميركي أو حسب سعر الصرف وكانت تسعيرتها على التطبيقات المختصة لا تزال هي نفسها كما كانت عليه قبل الأزمة. فمثلاً أحد الفنادق في منطقة الحمرا وهو فندق 3 نجوم طلب مئة دولار لليلة الواحدة وكان آنذاك سعر صرف الدولار في السوق السوداء يبلغ 10 آلاف ليرة للدولار الواحد.

وفي مقارنة بسيطة على التطبيقات العالمية، بين أسعار الفنادق، خاصة تلك التي هي 3 نجوم مع أسعار الفنادق من التصنيف نفسه في بلدان أخرى منافسة كتركيا مثلاً، يظهر أن التعرفة في لبنان توازي 3 أضعاف تلك المعتمدة في تركيا، وفي بعض الأحيان تصل إلى أكثر من ذلك.

في مقابل هذا الواقع، يقول الأشقر: “ليس هناك من ربح كبير في الفنادق، الفندق الذي كان يتقاضى أكثر من 300$ لليلة الواحدة اليوم خفض تعرفته للنصف، أي أصبحنا 50٪ أقل مما كان عليه الوضع قبل الأزمة، والمنافسة بكل الأحوال هي التي تحدد الأسعار مع العلم أنه في السابق كان الضغط الأكبر يكون على المؤسسات الكبيرة والتي كانت تعرفتها أعلى من غيرها”.

ولكن الفنادق الكبيرة في العاصمة بيروت التي تحدث عنها الأشقر هي اليوم مُقفلة بغالبيتها، على سبيل المثال فنادق “فينيسيا” و”لو غراي” و”مونرو” لم تفتح أبوابها بعد وبعضها أقفل تماماً مثل فندق “البريستول”، وتلك التي فتحت أبوابها تتقاضى بالدولار، أحدها يطلب 200$ لليلة الواحدة على سعر الصرف، أي ما يوازي مليونين و500 ألف ليرة لبنانية مقابل الغرفة العادية.

بعكس ما يرى أصحاب قرار الدولار الفندقي، يقول المحلل الاقتصادي باتريك شمالي لموقع “الحرة”: “نحن اليوم بدل أن نقوم بخلق نوع من المضاربة تجعلنا ننافس سياحياً ونجذب السياح، نقوم من خلال هذا القرار بعملية تشجيع على الغش والتلاعب ونُشعر السائح أننا نعامله بإجحاف بل نسرقه وبالتالي لن يعود يأتي إلى لبنان وسيذهب إلى أماكن أخرى تقدم خدمات أفضل بتعرفة أقل من لبنان”.

ويُضيف: “أفهم أن يضع الفندق التعرفة وفقاً للخدمة التي قدمها وبالتالي أن يكون هناك سعران للدولار فهذا أمر غير مفهوم إطلاقاً. وإذا خلقنا مضاربة يعني الطلب سيزيد وبالتالي السعر سيرتفع من دون الحاجة لتشجيع التلاعب من خلال هكذا قرارات مفعولها سيكون سيئاً على القطاع السياحي. الدولة اليوم بدل أن تُشجع على الإنتاج، تُقونن عملية التلاعب وهنا الكارثة. نرى الآن انحداراً أخلاقياً في التعامل مع الناس”.

من جهتها، تقول المحللة الاقتصادية محاسن مرسل: “التسعير بالدولار كما نرى اليوم في الفنادق والمنتجعات قبل وبعد قرار وزير السياحي يعني أننا لا زلنا في مسلسل التذاكي الذي نحاول أن نقوم به مع السياح والمغتربين، وبالتالي رد فعلهم سيكون على المدى القريب حتى بأنهم سيذهبوا إلى مناطق أخرى كتركيا ومصر وقبرص وحتى دبي أيضاً”.

وتُضيف: “من سيُحقق الربح السريع في هذا الموسم، بالطبع لن يحققه اطلاقاً الموسم المقبل إذا استمروا على هذا المنوال، وهذه سياسة خاطئة جداً ستُفرمل الاندفاعة نحو الإقبال على لبنان لرخصه، خاصة أن العام المقبل سيعيد العالم إلى طبيعته تقريباً بعد انقضاء جائحة كورونا وبالتالي المنافسة سترتفع ولا مكان لنا في ظل هذا التعامل خاصة أننا لا نُقدم للسائح أي ضمانة أمنية وبالتالي الاستقرار دائماً على محك وبالتالي من يأتي إلى لبنان يُدرك المخاطر وبالتالي تعاملنا معه أيضاً بهذه الطريقة سيجعله يمتنع عن المجيء”.

وبالعودة إلى واقع الحجوزات المرتفعة مقارنة بالحال الاقتصادية التي يعاني منها لبنان، فتُرجعه مرسل إلى عوامل عدة: “أولاً تراجعت جائحة كورونا وبالتالي الناس تريد أن تعوض الفترة الماضية التي قضتها في الحجر كذلك عدم القدرة على السفر بسبب فارق الدولار وبالتالي الناس اتجهت إلى السياحة الداخلية فضلاً عن المغتربين اللبنانيين وبعض رجال الأعمال والمودعين الذين لديهم الكثير من المال وهم يصرفونه اليوم في لبنان بسبب عدم قدرتهم على تحصيل ما يُمكنهم من صرفه في الخارج”.

كذلك، يقول الأشقر: “البترون وجزين والمرافق فيهما لا يصلون إلى حجم فندق فينيسيا، وبالتالي المقاربة والأرقام التي تقول إن هناك انتعاشة لا تُمثل الواقع الفعلي. ما نشهده اليوم طفرة هو سياحة لبنانية ومغتربين ورجال أعمال. ليس لدينا سياحة فعلية وبيروت خير شاهد على ذلك”.

في المقابل، يرى أبو ضرغم أن “البوادر إيجابية وبدأت عبر الحجوزات الكثيفة الموجودة على الشاليهات وبيوت الضيافة والبحور في المناطق كافة، وهناك انتشار للسياحة خارج بيروت على عكس ما سبق، إذ اليوم بالوقت الحالي نلاحظ أن كل مناطق الجبال ومدن رئيسية غير بيروت انتعشت فيها السياحة وهذا شي جيد وسببه عودة المغترب اللبناني الذي يشجع الصرف في بلد يُعتبر رخيصاً لمن يعمل في الخارج، في السابق كنا نذهب إلى مصر وتركيا بينما اليوم انخفاض سعر الصرف الذي شكل عامل جذب للسائح كي يأتي إلى لبنان”.