مروان اسكندر - النهار

الاقتداء بدول الممانعة انتحار اقتصادي – مروان اسكندر – النهار

في حزيران 2019 انجز خبير اقتصادي ومالي من السوق الاوروبية دراسة موسعة حول قدرة لبنان على الصمود اقتصاديًا وماليًا، وبيّن مخاطر كبيرة يبدو اننا سقطنا فيها.

الخطأ الرئيسي اكتفاء العهد وخبرائه – باستثناء منصور بطيش صاحب الآراء المفيدة – بتوقعات غير منطقية وتوجه نحو اعتماد سياسات الدول الممانعة، اي ايران وسوريا، وواقع معطيات لبنان ونظامه الاقتصادي والمالي تختلف تمامًا عن صيغة سياسات دول الممانعة.




اين هي معالم الاختلاف التي تستوجب ابتكار حلول غير السياسات المتبعة في ايران وسوريا؟
اولاً: لبنان البلد الوحيد ربما الذي عدد مغتربيه سعيًا وراء العمل يوازي عدد كتلة اليد العاملة في لبنان، وهذه الى تناقص بسبب الهجرة.
ثانيًا: مكتسبات اللبنانيين العاملين في الخارج، سواء في بلدان الخليج العربي او الدول الافريقية او الدول الاوروبية، ومنها دول كانت تنتمي الى الكتلة الشيوعية، تفوق في الحجم والقيمة ما يحققه العاملون في لبنان مقوّمًا بالدولار.

ثالثًا: نسبة اصحاب الكفاءات في صفوف المغتربين الساعين لاكتساب الخبرات والمردود المالي، تفوق نسبة مغتربي ايّ من الدول التي تُصنف بانها حققت معدلات معقولة من الدخل الفردي والانتاج الاقتصادي.

رابعًا: مداخيل لبنان من العملات الحرة كانت تتأتى من المصادر التالية، وليكن معلومًا ان انخفاض سعر صرف الليرة لن يتعدل ما لم تتحصل للبنان مداخيل من اربعة مصادر تفوق تكاليف الاستيراد وتعويضات العمال والموظفين الاجانب واستحقاقات الديون الاجنبية.

ضغط الحاجة الى العملات الاجنبية انخفض لان مستوردات لبنان انخفضت هذه السنة قياسًا على السنة المنصرمة بما يوازي 50%، ويمكن التقدير بان تحويلات العاملين في لبنان من اصحاب الجنسيات المختلفة انخفض على الاقل ما بين 1.2 و1.5 مليار دولار في السنة.

في المقابل، لم تنخفض التحويلات الى لبنان بنسبة كبيرة، واحصاءات هذه التحويلات لا تتوافر بدقة لان اللبنانيين العاملين في الخارج فقدوا الثقة بالبنوك اللبنانية، سواء منها البنوك العاملة في لبنان او التي لديها فروع في الخارج، فمن يحوّلون الاموال لعائلاتهم يفضلون ايصالها نقدًا خوفًا من تجميدها لدى المصارف.

مداخيل السياحة التي كانت دومًا اهم مكتسبات لبنان انخفضت لاكثر من سبب، اولها تفشي وباء كورونا وسوء مواصفات البيئة سواء منها المتعلقة بالهواء ومدى نقاوته او تلوث مياه البحر والانهر ومياه الشفة او النفايات او اختناقات السير، او الحوادث الامنية المتنقلة، ومن اسوأ مظاهر التردي تلوث مياه الليطاني رغم توافر مئات ملايين الدولارات لانجاز مشاريع معالجة رمي النفايات والمخلفات الصناعية والصرف الصحي في بحيرة القرعون.

رغم كل اسباب انحسار مداخيل السياحة، ما زلنا نشهد تدفق العراقيين الى لبنان سعيًا لتعديل انساق المعيشة لديهم او للاستشفاء، وجميعنا نعلم ان المستشفيات الكبرى كانت حتى سنة ونصف سنة تمتلئ بطالبي الصحة في لبنان من العراق لاقتناع الزوار بمستويات الخدمات الطبية، ونحن نشهد اليوم تدفقا عراقيا على مستوى جيد انما دون ما كنا نرجوه.

بين اسباب تدفق الاموال الاجنبية على لبنان عائدات الشركات اللبنانية العاملة على نطاق اقليمي ودولي، وهنالك 5 أو 6 شركات تكتسب مداخيل تفوق المليار او الملياري دولار سنويًا، وحجم اعمال هذه الشركات كان يوازي نسبة 15-20% من الدخل القومي ولا يزال يشكل قاعدة لاكتساب الموارد بالعملات، علمًا ان على الشركات المعنية تفريع نشاطاتها والاستثمار في الخارج، واصحاب الشركات المعنية يتفادون تحويل ارباحهم الى لبنان بسبب المخاوف من النظام المصرفي.

كان لبنان يستقطب استثمارات ملحوظة في القطاع العقاري، ولا شك في ان عملية اعادة اعمار وسط بيروت استقطبت، رغم كل المصاعب التي واجهتها، استثمارات ملحوظة ونشاطات هندسية لافتة. ومع ان القطاع العقاري استقطب استثمارات من اصحاب حسابات مجمدة في المصارف، يمكن القول ان هذه التوجهات محصورة ببعض الميسورين، ومنهم من شاء تصفية ديون بمستويات تتوافر من المستحقات المجمدة من دون تحريك لفترات طويلة.

ان الامل في تدفق اموال الى لبنان للاستثمار لا يمكن الاعتماد عليه مادام وضع المصارف غير واضح، وسير المحاكم بطيء وتكاليف التقاضي مرتفعة وتحصيل الحقّ صعب الوصول عليه. الصحيح ان افلاس بعض المصارف لم يتجلَّ في قرارات باعلان الافلاس، لكن ممارسات المصارف المهنية تخنق فرص التوظيف والاستثمار وحتى الاستهلاك، وليس ادل على انحسار الاستهلاك من انخفاض قيمة مقاصة الشيكات الى مستوى لا يزيد على 20% مما كان عليه، قبل إطباق شبح الافلاس على البنوك والاقتصاد اللبناني من مفاخرة وزيرة العدل بالتوقف عن سداد فوائد الدين العام المستحقة على دَين اليوروبوندز.

نحن اليوم نبحث نظريًا عن وسائل تصحيح اوضاع الاقتصاد والابتعاد عن ممارسات الاقتصاد السوري التي تستند الى استراق منافع من لبنان، سواء عبر استيراد مشتقات نفطية مدعومة او ادوية او مواشٍ للاستهلاك.

ان نظام الاقتصاد السوري المبني على اعتماد الدولة للتحكم بدورة التسهيلات، والسيطرة على شركات تمثيل المنتجات الاجنبية والسياحة الدينية مقابل اطفاء ديون سوريا لايران، لا يمكن ان يكون المنهج الذي يستفيد منه لبنان. واذا اردنا خفض استفادة سوريا من نظامنا الحر المتوسع علينا اعتماد الترتيب الآتي:
حصر مستوردات مشتقات النفط بشركة تنشأ ما بين شركات التوزيع المعترف بها، بالتشارك مع مؤسسة التمويل الدولية IFC التي تشارك في الرسملة وتشرف على عقود الاستيراد وتحصرها بحاجات لبنان، من دون تمكين حتى اصحاب السيارات من تهريب البنزين، نكون قد اقفلنا باب تربيح التجار السوريين وافقار لبنان من العملات الحرة.

مجالات الانجاز مفتوحة اذا ضبطنا التهريب واستغلال فرص الحريات الاقتصادية، وبالتأكيد لن نستعيد النمو بحسب المناهج المطروحة.
كان لبنان بنظامه الحر مع شوائبه يعتمد على عوائد التحويلات والاستثمارات، سواء في منشآته السياحية، رؤوس اموال مصارفه، انجاز مشاريع متقدمة في حقول العنايات الصحية والعمليات التخصيصية، تصدير المنتجات الزراعية والمجوهرات المنجزة بدقة، وهذه لا تزال عملية ناجحة يتجاوز حجم صادراتها الـ 1.2 مليار دولار سنويًا، لكن تصدير المجوهرات يعتمد على توافر الحجارة الكريمة من الخارج والذهب، وتحقيق اشغال المنتجات الثمينة والقادرة على المنافسة دوليًا امر يتطلب توافر مهارات خاصة من قِبل عمال من دول آسيوية.

مناخ العمل في لبنان غير مشجع على الاستثمار، وشركات اللبنانيين الناجحين دوليًا لا توفر استثمارات جديدة، والسياحة محصورة بنسبة ضئيلة مما كانت عليه (ربما 400 الف زائر مقابل مليوني سائح في السنة سابقًا)، وشروط تأسيس الشركات غير متوافرة، وتمويل المشاريع منحسر. فالمصارف اليوم اصبحت مؤسسات صرافة لتأمين سيولة للمودعين لا تتجاوز الـ 15-20% من ودائعهم، والتمويل فقط بالليرة.

استعادة لبنان النشاط نفسه رهن بتأليف حكومة في اقرب وقت، تحوز ثقة المؤسسات الدولية، ويجب ان نذكّر حكامنا بان ما يحدث في المنطقة يستوجب تركيز المعونات الدولية على غزة، وعلى سوريا التي تعاني من تقلص فرص الدخل وتبخر العملات الاجنبية. ولبنان بحكمه الحالي لا يشكل نقطة جاذبة للاستثمار وللمؤسسات الدولية كالاتحاد الاوروبي، والبنك الدولي وحتى صندوق النقد الدولي الذي عزز موارده الخاصة بتأمين تمويل تسهيلي لمعالجة تداعيات كورونا والمصاعب المالية والاقتصادية التي تواجه كتلة العالم الثالث.