خسائر المودعين في تقرير “ستاندرد أند بورز”… ماذا يكشف الخبراء عن حقيقة الأرقام؟

أكدّ تقرير وكالة “ستاندرد أند بورز” الصادر يوم الإثنين الماضي، المُؤكَّد في أنّ عملية إعادة الهيكلة ستكون كلفتها ضخمة، مضيئاً على تأزّم الوضع السياسيّ الذي يغيّب أيّ حلّ عن الساحة.

وإذا كانت الأرقام ضخمة بشأن كلفة عملية #توزيع الخسائر، التي ستتراوح ما بين 30 في المئة إلى 134 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر للبنان لعام 2021، وقعت الوكالة بغلَط في أحد الأسطر، عندما أوردت أنّ معظم المودعين هم من المقيمين.




لكنّ الخطأ الذي ورد في سياق تقرير عرض ثلاثة سيناريوهات لتوزيع الخسائر، حصل بحسب خبير الأسواق المالية العالمية دان قزي، “نتيجة تصنيف النظام المصرفي اللبناني المغتربَ الذي يزور لبنان مرّة في السنة مقيماً، ومن ثم تصبح وديعته مستقرّة في البنوك اللبنانية من الناحية النظرية، لأنّ المقيم لا يحوّل أمواله إلى الخارج كالمغترب، وهذا الأمر كان يسهم في تحسين التصنيف الائتماني للبنوك ولبنان”.

ومن الناحية العملية، أكمل قزي حديثه لـ”النهار”، بأنّ “المقيمين الذين كانوا يحوّلون وديعتهم بالليرة اللبنانية إلى دولار، قد حصلوا عليها من تحويلات المغتربين، الذين عدّهم التقرير والنظام المصرفي مقيمين. ليتبيّن إثر ذلك أنّ الخسائر يتكبّدها المغترب أيضاً، الذي لن يحسب له الزعيم اللبناني أيّ حساب في توزيع الخسائر، لأنه ليس مَن يساهم في التظاهرات ولا في وسائل الضغط. ومن جهة أخرى لن تساعده الحكومات الخارجية، تماماً كما حصل في قبرص، حيث كان أغلب المودعين الأجانب من الروس، ولم يستفِد هؤلاء من الـ(Bail in) الذي حصل”.

وأشار التقرير إلى مدى تأزّم الوضع السياسي، في ظلّ عدم تشكيل الحكومة حتى الآن، وسط امتناع حكومة حسان دياب عن التحرّك نحو أيّ مبادرة بشأن توزيع الخسائر، في فترة تصريف أعمالها.

وفي هذا السياق، أوضح الخبير المصرفي والمالي جان طويلة لـ”النهار”، أنّ “مشكلتنا في لبنان سياسية بشكل أساسي، فمنذ توقّف لبنان عن سداد التزاماته بالعملة الصعبة في آذار من عام 2020، لم تتفاوض الحكومة مع الجهات المعنية على الطريقة المُثلى لتوزيع الخسائر، التي ستضمن له مستوى مديونية يمكن تحمّله”. وإذا كانت حجّة حكومة الرئيس دياب الدائمة أنّ الخلافات السياسية الداخلية منعتها من التحرّك نحو أيّ قرار قد يتيح للبنان التفاوض مع صندوق النقد الدولي، فيما كان من المفترض أن تكون حكومة تكنوقراط أسمى من التحاصص الذي كان سائداً، إلا أنها أثبتت انغماسها السياسي، وسط تعدّد الاتجاهات حول الطريقة الواجب اتباعها لتوزيع الخسائر. وهذا يجعلنا أمام واقع أنّ الحكومة المنتظَرة ستنقسم فيها وجهات النظر، فكل فريق يودّ التقليل من حجم الخسارة التي ستلحق به. إلّا أنّ قزي وطويلة أجمعا على نقطة أنّ توزيع الخسائر يحصل الآن بفعل تعميم مصرف لبنان، الذي يتيح سحب كمية من الوديعة بالدولار على أساس سعر صرف 3900 ليرة لبنانية. وهذا يعني أنّ المودع اللبناني يتلقّى الخسارة في كلّ مرّة يسحب فيها ضمن هذه الشروط، بنسبة تقارب الـ70 في المئة. والأرقام واضحة بحسب قزي، فقد “تراجعت الودائع المصرفية من نحو 180 مليار دولار، إلى نحو 140 مليار دولار”.

وجاء في التقرير أنّه “لن يتحقق الحجم الحقيقي لخسائر البنوك اللبنانية، إلّا بعد #إعادة هيكلة الديون الحكومية. وربما لن يكون التمويل الخارجي وحده كافياً لاستيعاب تكاليف إعادة الهيكلة التي ستتراوح، بحسب السيناريوهات الثلاثة، من 30 في المئة إلى 134 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي، المقدر للبنان لعام 2021. ويبدو، في هذه المرحلة، أنّ إنقاذ المودعين، من خلال دفع أسعار صرف أقلّ من السوق، أو تحويل الودائع إلى حقوق ملكية في المصرف، أمر مرجّح للغاية”.

تغيب الحلول السياسية عن الساحة، تاركةً الوضع الاقتصادي المتأزم يتدحرج من درك إلى أسفلَ منه. وإذ أكّد تقرير “ستاندرد أند بورز” أنّه من دون حلّ قد تجد البنوك اللبنانية صعوبة في استمرار عملياتها، تابع أنّ “الفشل في إعادة هيكلة النظام المالي قد يؤدي إلى ترك لبنان مع البنوك غير الملائمة لدعم التعافي الاقتصادي”.

وجاء في التقرير أنّ البنوك المحلّية احتفظت بنحو 60 في المئة من أصولها على شكل ودائع في مصرف لبنان وشهادات إيداع، و11 في المئة في أذون الخزانة الحكومية وسندات اليوروبوند.

ورأت “ستاندرد أند بورز” أنّ من غير المرجّح أن تنجح إعادة هيكلة الديون بالعملات الأجنبية وحدها في عودة المالية العامّة للحكومة إلى الاستقرار، فالدَين الخارجي لم يشكّل سوى 38 في المئة من إجماليّ الدَين السيادي في نهاية عام 2020.

ووضعت “ستاندرد أند بورز” ثلاثة سيناريوهات، الأوّل: طرح اقتطاع 50 في المئة من حيازات البنوك من ديون الحكومة اللبنانية بالعملة الأجنبية والمحلّية، وشطب 10 في المئة من إيداعات مصرف لبنان. وقدّر أن تكون خسائر إقراض القطاع الخاصّ بنسبة 5 في المئة.

أمّا الثاني، فقدّر اقتطاع 75 في المئة من سندات اليوروبوند، و60 في المئة على الدَين بالعملة المحلية، و50 في المئة على إيداعات مصرف لبنان، و15 في المئة على إقراض القطاع الخاصّ. وأشار التقرير إلى أنّ خطّة إعادة الهيكلة للحكومة اللبنانية لعام 2020 اقترحت وضعاً مماثلاً.

والسيناريو الثالث وهو المرجّح، بحسب “ستاندرد أند بورز”، يفترض خفض 90 في المئة على سندات اليوروبوند، و70 في المئة على الدين بالعملة المحلّية وإيداع مصرف لبنان. ومن المحتمل أن يكون هذا السيناريو أكثر ملاءمة لاستدامة الدَين الحكومي، وإعادة رسملة مصرف لبنان. وشرح التقرير أنّه يتم تداول سندات اليوروبوند اللبنانية بسعر 11 سنتاً إلى 15 سنتاً لكلّ دولار أميركي، وذلك يشير إلى خفض 85 في المئة إلى 89 في المئة من القيمة الاسمية للسندات في الأسواق. وافترضت “ستاندرد أند بورز” أيضاً، خسائر بنسبة 30 في المئة في عمليات الإقراض الأخرى.

بناءً على هذه السيناريوهات، تتراوح تكلفة إعادة هيكلة النظام المصرفي اللبناني بموجب السيناريو الأول 23 مليار دولار (على سعر الصرف الرسمي)، وتصل إلى 102 مليار دولار في إطار السيناريو رقم 3. أي ما يعادل 30 إلى 134 بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي الاسمي.

وأضاف التقرير أنّه “في غياب مصادر التمويل، يمكن أن تؤثّر إعادة هيكلة النظام المصرفي على 4 في المئة إلى 63 في المئة، من قاعدة الودائع بعد نفاد حقوق ملكية البنوك اللبنانية”.

وأكّد طويلة أنّ “المفاوضات مع الدائنين، ستتيح لنا معرفة قيمة الخسائر في #القطاع المصرفي، لأنه حين نتعرّف إلى قيمة الخسائر، يمكننا حينها أن نعيد هيكلة ورسملة القطاع، لكن ليس بوسعنا إعادة الهيكلة من دون هذه المعطيات”.

ولفت تقرير “ستاندرد أند بورز” إلى خسارة من مكمن آخر هو خفض قيمة العملة، الأمر الذي سيؤدّي إلى زيادة تعقيد الأمور، بحسب ما ورد في التقرير. ذلك أنّ “المصارف تمتلك شهادات إيداع كبيرة مقوّمة بالعملات الأجنبية مع مصرف لبنان، تُقدّر بنحو 87 مليار دولار في 31 آذار 2021، وبافتراض أنها حُولّت بمعدل 1507.5 ليرات لبنانية إلى 1 دولار، يليها خفض قيمة العملة إلى 10000 ليرة لبنانية إلى دولار واحد، ستكون خسارة النظام المصرفي مع عجز يقارب 70 مليار دولار، أي ما يعادل 92 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي لعام 2021”.

من جهته، رأى قزي أنّ “الديون بالليرة اللبنانية ليست خطيرة، لأنّ لبنان يطبع العملة المحلّية، إلّا أنّ ذلك قد يؤدي إلى مزيد من التضخّم. فإذا كان دين الدولة 90 مليار دولار، فهناك 60 مليار دولار منه بالليرة اللبنانية، وعند صرفه على أساس سعر 15ألف ليرة سيصبح 6 مليارات دولار، ويصبح دين الدولة ما يقارب الـ36 مليار دولار. وتنخفض عندها نسبة الدين العام على الناتج المحلّي الإجمالي”.

التقرير الذي أشار إلى أنّه من دون الذهاب نحو حلّ، لن يتحرك المجتمع الدولي لإمداد لبنان بالتمويل اللازم، قال إنّه “من المتصور أنّ السلطات قد تستهدف ودائع الأفراد ذوي الدخل المرتفع، للحدّ من التأثير على السكّان ذوي الدخل المنخفض”.

وطمأن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة اللبنانيين، بأنّ النظام المصرفي لم ينهَر كما أنّ المصارف لم تفلس، مشيراً إلى أنّ أموال المودعين تصبح في خطر عندما تُفلس المصارف. وفي حديث عبر قناة “الحدث”، أكّد سلامة أنّ أموال المودعين ما زالت موجودة، مشيراً إلى أنّ حساب الدولار الذي تم استحداثه ساهم في الإنقاذ ظرفياً وأدخل العملة إلى المصارف. ورأى سلامة أنّ المدخل لاستعادة أموال المودعين، يكون بتشكيل حكومة تعيد الثقة الدولية، معتبراً أنّ حكومة الإصلاحات والمستقلّين والاختصاصيين ضرورية لإنقاذ لبنان.

المصدر: النهار