كواليس جولة بلينكن: خلافات وشروط بلقاءه مع نتنياهو.. هذا ما دار خلف الأبواب المغلقة في القدس ورام الله

يبدو أن ما سُميت إجراءات “حسن النوايا” الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية، لتقوية مكانة الأخيرة في ظل حالة الضعف التي تعيشها على أثر معركة “القدس” وتبعاتها، لن تكون مجانية، بل مقابل خطوات من السلطة أيضاً، كما تشترط إسرائيل.

فقد كشف مصدر سياسي مطلع لـ”عربي بوست” عن شرطين إسرائيليين تم إرسالهما عبر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، خلال زيارته للقدس المحتلة ورام الله، يوم الثلاثاء 25 مايو/أيار، مقابل تقوية مكانة السلطة في رام الله على حساب حركة “حماس” التي زادت شعبيتها، إثر الحرب الأخيرة التي خاضتها ضد إسرائيل، إضافة إلى الدفع قدماً بالمشاريع العمرانية والتنموية في الضفة الغربية.




الشرط الأول: وقف خطوات السلطة “الأحادية”

ويتمثل الشرط الأول بوقف السلطة أي خطوة أحادية الجانب في المحافل الدبلوماسية العالمية أو المحاكم الدولية، خاصة تلك الخطوات المرتبطة بالسلطة مباشرة.

وبشأن هذا الشرط، أفاد المصدر بأن تل أبيب وواشنطن متفهمتان “حاجة السلطة للحديث عن هذه الخطوات من قبيل الاستهلاك الإعلامي الداخلي، لكن بشرط ألا يُبنى ذلك على خطوات جدية في المحافل الدولية ضد إسرائيل”.

وبحسب المصدر، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد وعدت إسرائيل بالعمل على تذليل قلقها من أي خطوات من هذا القبيل، بل وتقييد أي خطوات في المحاكم الدولية ضد تل أبيب.

وبناء على الرسالة الإسرائيلية التي حملها الوزير الأمريكي من المستوى السياسي الإسرائيلي إلى رام الله، فإن تل أبيب تعتبر أن بنود اتفاق أوسلو تحرّم على السلطة الفلسطينية التوجه إلى المحاكم الدولية أو إلى المحافل السياسية ضد إسرائيل.

ووفق الرسالة أيضاً، فإن تل أبيب دعت السلطة إلى عدم الاستمرار في تسمية نفسها دولة فلسطين في معاملاتها الداخلية، لأنه لم يحدث حل سياسي بعد، معتبرة أن هذا مخالف للاتفاقيات بين الجانبين.

وأشارت إسرائيل إلى أنه بناء على اتفاق أوسلو المبرم عام 1993 فإن التسمية هي “السلطة الفلسطينية”، لكن الرئيس الراحل ياسر عرفات قد أضاف فور نشوء السلطة قبل ربع قرن كلمة “الوطنية” لتصبح “السلطة الوطنية الفلسطينية”.

وتدعي إسرائيل أن إضافة هذه الكلمة كانت مخالفة لاتفاق أوسلو، بغية الزعم بأن “الفلسطينيين هم أول من لم يلتزم باتفاق أوسلو وليس إسرائيل”.

الشرط الثاني: استمرار التنسيق الأمني

أما الشرط الإسرائيلي الثاني، فهو استمرار التنسيق الأمني بأعلى مستوياته، مع تفعيل اللقاءات الدورية بين قيادات المؤسسة الأمنية الفلسطينية ونظرائهم الإسرائيليين، وعدم الاكتفاء بالتنسيق عبر الاتصالات اليومية الاعتيادية.

ووفق هذا الشرط، فإن إسرائيل تدّعي أن وقف أو تخفيض التنسيق الأمني كرد فعل من السلطة في أي وقت سيفاقم الخطر على السلطة واستقرارها، تحت عنوان أن هذا التنسيق عالي المستوى يضمن المصلحة المشتركة للطرفين.

شواهد على قبول الشروط

وبينما لم تصدر أي معطيات حول رد فلسطيني حيال هذه الشروط الإسرائيلية، إلا أن المصدر المقيم في أراضي 48 كشف لـ “عربي بوست” عن بعض الشواهد التي تظهر الالتزام ببعضها على الأقل ما يخص التنسيق الأمني.

وأوضح أن توسيع انتشار الأمن الفلسطيني في المربع الأمني بمنطقة البالوع برام الله باللباس المدني وليس العسكري في بعض النقاط، لم يكن بدافع التمويه الأمني الفلسطيني، وإنما بطلب إسرائيلي، خاصة فيما يخص النقاط المشرفة على حاجز بيت إيل الإسرائيلي.

وقد تم هذا الانتشار بالتنسيق مع الأمن الإسرائيلي؛ وذلك ضمن جهود لعدم تكرار عمليات إطلاق النار نحو الأهداف الإسرائيلية في المنطقة، ومنعاً لجر الأمور نحو أي حالة لـ “عسكرة” الهبة الفلسطينية.

يذكر أن إسرائيل تربط الأمور الحياتية والمدنية اليومية للفلسطينيين بالتنسيق الأمني أيضاً، حيث إن كثيراً من الأمور المدنية يتم تنسيقها مع الجانب الإسرائيلي تحت عنوان “التنسيق الأمني”.

لقاء نتنياهو-بلينكن كان طويلاً وتخللته خلافات

وتقول مصادر سياسية لـ”عربي بوست” إن لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع وزير الخارجية الأمريكي كان طويلاً، وتخلله العديد من الخلافات، لاسيما ما يتعلق بالعودة إلى الملف النووي الإيراني.

وشدد نتنياهو موقفه الرافض لذلك بذريعة أن صواريخ حماس التي تم إطلاقها من قطاع غزة تجاه إسرائيل تم تطويرها بناء على خبرات إيرانية زودت بها كتائب “القسام”، وإن تم تصنيع الصواريخ محلياً داخل القطاع.

كما عبر نتنياهو عن رفضه لإعادة فتح الولايات المتحدة قنصلية لها في القدس الشرقية. وحاول نتنياهو أن يُقايض هذه الخطوات الأمريكية باشتراطات إسرائيلية حول عديد من الأمور؛ بينها عدم الاعتراض على التوسع الاستيطاني في الأراضي المحتلة عام 1967، والتنسيق الكامل بين واشنطن وتل أبيب حيال المفاوضات الدولية للعودة إلى اتفاق إيران النووي.

المناخ مناسب لتعزيز التعاون بين السلطة وإسرائيل

من جهته، قال المختص بالشؤون الأمنية والسياسية عنان وهبة، لـ”عربي بوست” إنه بالرغم من أن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لم يتوقف، فإنه شهد حالة من “الجفاء” في السنتين الأخيرتين.

لكن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن المناخ الآن مناسب لتحسين التنسيق الأمني وتعزيز “التعاون المشترك” من منطلق أن هناك حالة تولدت وقد جعلت من المصالحة بين السلطة وإسرائيل مشتركة لهما.

وفي مقابل فتح إسرائيل للمعابر في الضفة الغربية وزيادة فرص العمل للفلسطينيين في أراضي 48 وتزويد السلطة بالمعلومات اللازمة بحيث تساهم في “الاستقرار”، فإن ثمة شروطاً من تل أبيب، كما يؤكد وهبة، تتعلق بثني السلطة عن اللجوء الى البُعد القضائي الدولي ضد إسرائيل، وعدم تصعيد خطاب السلطة في الإعلام العربي والأجنبي ضد الدولة العبرية، ناهيك عن عدم تأجيج الشارع الفلسطيني والعمل على احتوائه.

ويفيد عنان وهبة بأن الجهد الأمريكي لترتيب العلاقة بين السلطة وإسرائيل تزيد دافعيته عملية التنسيق لمرحلة ما بعد محمود عباس، وتهيئة الشخصيات المعروفة بخطها “البراغماتي” وإطلاعها على المعيار الاقتصادي والتنمية والأمن من أجل خلافة عباس في حال أصبح منصب رئاسة السلطة شاغراً في أي لحظة.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد إثارة موضوع المسار السياسي التفاوضي في الإعلام أكثر من تطبيقه فعلاً على الأرض في ظل عدم وجود حكومة مستقرة في إسرائيل، وذلك لخدمة السلطة الفلسطينية، على الرغم من وجود تصور لدى الإدارة الأمريكية مفاده “أنه بعد إنجاز العودة للاتفاق النووي الإيراني، يمكن إطلاق المسار السياسي الفلسطيني-الإسرائيلي”.

رئيس السلطة محمود عباس هو الآخر يفضل بقاء الوضع الراهن على أي اتفاقيات وجهود سياسية يمكن أن تهدد الاستقرار. وقد ألمح إلى ذلك في أحد خطاباته التلفزيونية منذ اللحظة الأولى لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته صياغة صفقة القرن.

واستبعد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت، جورج جقمان، لـ”عربي بوست“، أن يتم إطلاق المسار السياسي في الأمد المنظور، مشيراً إلى أن الأولوية الآن هي إعادة إعمار غزة ووقف إطلاق النار، والمحافظة على الاستقرار في الأراضي الفلسطينية، وعدم المساس بالوضع الراهن.