ما هي خفايا “الاستعراض الاستفزازي” للحزب القومي في شارع الحمراء؟

ابراهيم بيرم – النهار

لا يمكن اعتباره تطورا خاليا من الدلالات المتعددة، ان يظهر فجأة صبيحة الاحد الماضي على امتداد شارع الحمراء في بيروت شباب ينتمون الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، يرتدون زيّا موحدا ويسيرون وفق خطة من طبيعة عسكرية، ويطلقون شعارات تحدٍ واستفزاز تنمّ عن استعداد للمنازلة والمكاسرة مع تنظيم لبناني آخر هو حزب “القوات اللبنانية”.




وبقطع النظر عن عاصفة السجال الاعلامي والسياسي الواسعة، وما واكبها من مشاعر غضب وردود متوعدة، نبتت بسرعة قياسية على ضفاف ذلك الحدث المفاجىء، إلا ان مشهد الاحتشاد والعراضة التي سارت في الشارع الرئيسي في منطقة الحمراء، وعلى النحو الذي تبدَّت فيه وفي هذا التوقيت الممتلىء بالاحداث والتطورات، يبقى امرا ينطوي على الكثير من ال#خفايا والاعتبارات، وعلى الدلالات ذات الصلة بأبعاد المشهد اللبناني الذي هو اصلاً على درجة عالية من التعقيد والاحتقان.

هذه العراضة أتت كما هو ثابت، من جانب فريق في الحزب القومي، أخذ قبل بضعة شهور قرار الجنوح نحو “التمرد” والخروج على طاعة وسلطة الرجل الاقوى في الحزب منذ نحو ثلاثة عقود، وهو النائب اسعد حردان ، وقرر هذا الفريق، كما يقول، ان يعيد الى الحزب وهجه وموقعه الفاعل والمؤثّر في اللعبة السياسية. إذ بعد سريان اتفاق الطائف في مطلع عقد التسعينات وابان عهد الوصاية والرعاية السورية، بدا الحزب “مدجنا” وشريكا الى حد بعيد في لعبة المحاصصة وتقاسم المغانم.

ولما نجح هذا الفريق في ان يكسر تلك “الهيمنة”، بادر حردان الى السعي لفرض حصار محكم على الفريق المتمرد الذي ما لبث ان تحصّن بالمركز الرئيسي للحزب في الروشة وفي منفذيات مناطقية عدة سارعت الى اعلان موالاتها للقيادة الجديدة. وقد دأب الفريق عينه على رفض محاولات لاعادة عجلة الامور الى الوراء، أي الى ما قبل المؤتمر العام الاخير للحزب.

ولاحقاً تدارك هذا الفريق الضغوط عليه وبادر الى خطوات انفتاحية على مجموعات وشخصيات خرجت تدريجا من رحم الحزب في فترات سابقة. واكثر من ذلك، سعت هذه القيادة الى تبديد هواجس “حزب الله” وحساباته الدقيقة للنأي بالنفس عن الصراع الحاصل داخل الحزب لكي لا يستدعي “زعل” أحد الطرفين ويحافظ على علاقة متوازنة، عبر خطوات ابرزها زيارة قبر الرمز القيادي الاساسي للجناح العسكري للحزب عماد مغنية في مقبرة الشهيدين.

وفي سياق هذه المسيرة لهذا الفريق، أتت خطوة الحشد في الحمراء انطلاقا من وقائع واعتبارات عدة، ابرزها:
– اصرار هذا الفريق على تنظيم العرض في ذكرى التحرير في قلب الحمراء على رغم محاولات وضغوط بُذلت للحيلولة دون اعطاء وزارة الداخلية ترخيصا له لإتمام العرض.

– سعى هذا الفريق الى ان يكون عرضه لافتا لكي يدحض نظرية سرت اخيرا مفادها ان هذا الحزب المتأسس منذ ما يقرب من قرن من الزمن قد دخل في طور الذبول.

– اراد هذا الفريق ان يؤكد انه لم يعد حزبا مدجنا، ويقول ان “القوميين” شعروا من خلال هذا الاستعراض وكأنهم عادوا الى قواعدهم الاولى التي تشكل عامل جذب وحشد لقواعد الحزب المنتمية وتلك المناصرة بعد طول احتجاب وخروج من صدارة المشهد.

بطبيعة الحال، لا ينكر منظمو العرض انهم اختاروا اللحظة المؤاتية للانطلاق به، اذ ان الاستعراض نفسه والشعارات التي اطلِقت خلاله، أتت بعد أقل من 36 ساعة على حادثة أوتوستراد نهر الكلب التي اتهم انصار حزب “القوات” بالضلوع فيها وادارتها، وأتت ايضا بعدما بادرت جهات دينية مرجعية الى “شرعنة” هذه الحادثة عبر اطلاق مبررات لها.

وسواء كان عرض الحمراء المثقل بالتحدي والاستفزاز مقررا من قبل حادث نهر الكلب وفق ما يروّج له هذا الفريق، او انه أتى إنفاذا عاجلا لأمر عمليات داخلي وخارجي، وتحديداً سوري، فالثابت في يقين انصار محور “المقاومة والممانعة” انه خطوة مثيرة، خصوصا ان الموالين لهذا المحور يعيشون منذ ايام عدة خلت “نشوة الشعور بالنصر المبين” بفعل نتائج الصمود الفلسطيني في غزة والداخل في مواجهة هجمة المحتل.

لذا لا ينكر “المنظمون” للعرض انهم ارادوا بخطوتهم تلك ارسال رسالة الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج من ابرز عناوينها:
– لا يمكن التغاضي عن دلالات حادث نهر الكلب اطلاقا واعتباره حادثا ابن ساعته، بل هو حادث يعادل حادثة مشؤومة حصلت في بدايات الحرب الاهلية.

– ان الاعتقاد الذي يراود البعض بان بالامكان اعادة مناطق بعينها الى “هيمنة” بذاتها امر يمكن القيام به، إلا أن له مخاطره وارتداداته.

– بالاجمال انها رسالة مشفّرة تحمل في طيّات سطورها الكثير من الدلالات، ابرزها الأخذ في الاعتبار ان ثمة تحولات حصلت ومعادلات نهضت في الاعوام الاخيرة.