سمير عطا الله

الفقيد الأخير – سمير عطالله – النهار

قبل اعوام دعيت الى حضور القمّة العربية في نواكشوط من قبل وزير الاعلام. وكان لي زمن وأنا امنّي النفس بالسفر الى موريتانيا، لكنني شعرت انه لن يكون هناك شيء يُكتب عنه في القمّة غير الأسى والخيبة، فاعتذرت. وكتبت ذلك الأربعاء عن الاعتذار واسبابه.

أعرف عن اشياء كثيرة في هذه الحياة، لم يكن بينها إلى اي مدى “النهار” مقروءة في بلاد “المليون شاعر”. وما ان صدر المقال حتى انهالت الرسائل الالكترونية على الجريدة تندد بالمؤامرة التي اديرها ضد البلد العزيز. رسالة واحدة قال صاحبها أن المهاجمين اساؤوا فهمي والباقون احلّوا سفك دمي في الأشهر الحرم.
تلقيت الغضب طوال ثلاثة ايام، كما ينبغي: قراء يعبِّرون عن آرائهم. لكن في اليوم الرابع كتب احد المعلّقين يطالب بطرد جميع ال#لبنانيين من موريتانيا بسبب المقال، فأسرعت على الفور الى نشر اعتذار شديد، عمّا كتبت وعمّا لم اكتب. لم اتخيل نفسي للحظة مسؤولاً عن قطع رزق انسان، سواء كان من لبنان أو من مدغشقر، خصوصاً وإن لي في نواكشوط اصدقاء قدامى واعزاء من اهل البلاد.




طبعا لست امثل سوى نفسي. لكن العامة غالباً ما تعمم، وليس من مهامي، او في قدرتي، تغيير الطباع والعادات. لذلك، كان الواجب في الاعتذار، لا في الشرح. نحن بلد اغتراب، وهو ليس اغتراباً عادياً. اكثرنا في الخارج، ومهاجرنا لا ينسى ولا يغيب بلده عنه، وبدل ان يكون لدينا وزارة “عبر البحار” كما عند فرنسا التي نسخنا نظامها، كان لدينا وزارة لمواطنينا عبر البحار. وخلافاً للياقات الدولية والأصول، ما زلنا نرفض ان المهاجرين اصبحوا مواطنين دول أخرى، وأن الملايين منهم لم يروا لبنان.

ينبع هذا الموقف من شعور بالنقص، وليس فقط بالوفاء. فمع هؤلاء السادة، لا يعود لبنان مجرد “بلد صغير” لا يعادل حياً شعبياً من احياء القاهرة، إضافة الى ان المتحدرين والمهاجرين، أعلام أعلام، في الأدب، وفي السياسة، وفي العلوم، وفي الفنون، وفي المال، وحتى في الحقل العسكري، وحتى في الولايات المتحدة، حيث يذوب ملايين القادمين في الانصهار السريع. ظل اللبناني فرداً متميزاً.

الى متى يستطيع هذا الجدار الصلب أن يدعم الجدار الداخلي المتفتت؟
كان المهاجرون يدعمون في بلدانهم وطناً يستحق الدفاع عنه. بلد نموذجي، من حيث الشكل على الأقل. ومجتمع قديم قابل للحياة. وتاريخ يشبه التواريخ الأخرى للدول الكبرى والصغرى، خيبات ونجاحات. لكنه تميّز دوماً بألق اكبر من حجمه. وعلى صغر هذا الحجم، تصدَّر المحافل الى جانب الكبار، مرة في الأمم المتحدة ومرة في الجامعة العربية، ومرة في امارة الشعر.

مخلوق فوضوي ظريف قائم في إطار من لوحات الطبيعة الخلابة. محبوب ومحسود. مشتهى ومرفوض. اجمل الانفتاح وأشد الانغلاق. مغامرة دائمة في الصراع والوجود. هويات متسابقة ومتشابكة ومتقاتلة في سبيل الاتفاق والوحدة، والانقاذ. وكل هوية لها فلاسفتها ودعاتها وذبابها، الالكتروني منه، والجرثومي المجرّد.
يُرزق هذا البلد ويُرزأ. مواسم وعهود. حروب وسخة وسلام جميل. عباقرة وتافهون. ذوو أنفة وكبرياء ومتسلقون بلا حدود. ولكن أليس هذه حال بلدان الأرض جميعاً؟ لا. هذا ليس حال بلدان الأرض جميعاً. الدول الأخرى روّضت غرائز شعوبها. رسمت للناس واجباتها وحقوقها، ووضّحت القوانين وكتبت الدساتير بأحرف مضيئة. ولذلك انقسم اللبنانيون ايضاً في الداخل والخارج: فريق يقيم في البلد الأم، حيث القانون مسألة عائلية، وفريق يقيم في الخارج، حيث العائلة هي الدولة، والدستور هو المرجع.

في بلد يولد له كل يوم خوف جديد، صار خوفنا الآن على لبنان الناجي. لبنان الذي يسكن في الخارج عند اهل القانون والحياة الطبيعية، وحيث الدولة للناس. بلغ الاهتراء مبلغاً جعلناه يهدد الذين ظنّوا انهم في منأى عن وباء الخراب. لم نعد نهمل ونعرّض المقيمين فقط، بل ايضاً الذين حاولوا الفرار من وضاعة الخلافات وصغارة الجدل وابتذال القضايا، واحتقار الحالة الإنسانية. ليس أن السياسة في وادٍ ذي زرع، وإنما في عالم غير ذي ورع. حالة خواء عام من الأحاسيس، على انواعها ودرجاتها. منظومة خالية من الهم الوطني لقوارب الانقاذ. كلما اختل الميزان الوطني على نحو مرعب، تدخل صاحب البرلمان و”مصيلح” البوصلة التائهة في البحار والبراري. وكلما تلاطمت الرئاستان، افتى الفتوى المثلى، ولو رفضا الاصغاء، على قاعدة على المرء ان يسعى الى الخير جهده، وليس عليه ان تتم الرغائب.

يُحرق لبنان برماده من اجل مماحكات دستورية لا معنى لها اولاً واخيراً. فما هي علاقتنا بالدساتير التي تنظم شؤون الدول ورغبات الشعوب؟ نحن حلبة مفتوحة بلا حبال ولا حَكَم. الحوار باللطم والرفس ووضع الاقدام على الاعناق، كما حدث مع جورج فلويد في مينيابوليس. قاتله ومضطهده كان رجل قانون. لكن القانون بالنسبة اليه هو الجزمة على العنق.

لا خصوبة في الغضب ولا فرص للقيامة ولا مدى للإنجاز. الغضب لا يقبل التعايش مع التعقل، ولا ينمو في ارضه زرع. الشوك ليس زرعاً، ولا وعداً، ولا قطافاً. إنه شوك ومنه صُنع اكليل المسيح على جلجلته. وليس له اسم آخر أو فعل آخر.

كم هو صعب ان تصبح الجلجلة عقاباً جماعياً. ثم كم جلجلة على هذا الوطن ان يتحمل وكم وزراً عليه ان يحمل من أجل ان يُقَرّ به وطناً لا مشاعاً عائلياً، ينقل من مورّث الى وريث خارج كتابة العدل وروح الدستور ونبل الميثاق وتراث حرية الاختبار؟

لا ندري ايهما اكثر عدلا: ان يطلب رئيس الجمهورية عزل سعد الحريري وإسقاط شرعية تكليفه، أم ان يغضب سعد الحريري لاستدعائه تسعة عشر مرة الى القصر الجمهوري؟ أو ان يمضي الحريري الأعياد مع عائلته في ديار غير دياره، لأن اعيادها كئيبة ودفؤها مفقود؟

وعدنا احد وزراء الخارجية ذات مرة بأن يجتذب الى البلاد، ثلاثة الى اربعة ملايين مغترب كل عام. 24 على 24. عام في ظهر العام. لم يقل لنا، أو لهم، الى اي بلد سوف يأتون؟ البلد الذي يفتش عن الكهرباء وعن البنزين والخبز ومراكز توزيع الوجبات، والعاصمة المدمّرة والشواطىء الملوثة والدولة التي تعين وزيراً للخارجية في اربع ساعات وتعزله في اربع دقائق، فيما ترتضي البقاء عاماً في ظل حكومة لا تزيد صلاحياتها على صلاحية باش كاتب؟
كل شيء معلّق. كل شيء موقت، كل خطوة مثيرة للشفقة أو للفرقة أو للاستهجان. كل يوم اكثر سوءاً من امسه. لا ينسينا يأس البارحة إلا يأس الغد. قال غسان شربل ناعياً الفقيد الأخير: الأمل قتيل ممدد على الطاولة امامنا.