ما الاحتمالات المنتظَرة بعد “منازلة” الأونيسكو وفوزالحريري بالنقاط؟

ابراهيم بيرم – النهار

في التقويم الاوّلي العام لمجريات جلسة مناقشة الرسالة الاخيرة لرئيس الجمهورية ميشال #عون الى #مجلس النواب، بدا الرئيس المكلف #سعد الحريري في موقع المسدِّد ببراعة لضربات على مرمى الرئاسة الاولى من خلال خطاب تصعيدي اتهامي في وجه الرسالة، ونجح عبره في إعادة رمي كرة تعويق استيلاد #الحكومة المنتظَرة في اتجاه مرمى قصر بعبدا وفريقه الاستشاري، وتبرئة نفسه من تهمة التأخير.




وحيال ذلك، سارع خصوم الرئاسة الاولى الى التعامل مع حصيلة مشهد السبت الذي تبدّى أمام أعين المشاهدين، على اساس انه “نصرٌ ساقه الله الينا” بفعل خطأ فادح في التقدير ارتكبته هذه الرئاسة وبطانتها. والمفارقة انها أمعنت في هذا الخطأ عندما رفضت، وفق معلومات سارية، التعامل بإيجابية مع جهود بذلها رئيس مجلس النواب #نبيه بري لتلافي كل هذا المشهد غير المريح عندما سعى الى اقناع هذه الرئاسة بالكفّ عن سلبيتها وطي صفحة هذه المواجهة الحتمية، والتي هي من باب “لزوم ما لايلزم”، فضلاً عن أنها بالتأكيد ستحقن المشهد السياسي المتوتر بمزيد من جرعات الاحتقان والانقسام.

وإذا ما صحّ ان مفاعيل “فرحة الفرحين” بما يعتبرونه فوزاً مبيناً على الرئيس عون وفريقه، لاسيما ان المجلس النيابي اعاد تجديد التكليف للحريري، يُفترض انها قد بلغت مداها واستنفدت نفسها، وإذا ما صحَّت مقولة ان عون حاول برسالته تلك الهروب الى الامام وهو كان محكوماً بهذا السلوك، فان السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: ما هي الأبعاد والدوافع الخفية التي حدت بالحريري الى اطلاق هذا الخطاب التصعيدي الذي بدا في كثير من محطاته وفقراته متجاوزاً للأطر المألوفة في التوجه كلامياً الى الرئاسة الاولى؟

الاستنتاج الاوّلي العاجل الذي قد لا يمانع “حزب الله” في تبنّيه، الى قوى ومكونات اخرى، هو ان أياً من طرفَي التأليف لم يقررالانخراط في تحويل الامر الى منازلة حامية الوطيس على هذا النحو، ورفع منسوب الاحتقان بينهما، إلا اذا كان يضمر رغبة في بلوغ أمرين اثنين:

الاول: التخفف من اعباء مسؤولية بات يشعر بجسامتها وثقلها عليه، ورمي الحجة على الطرف الآخر، وهي “لعبة” دأب الطرفان على اتّباعها بعد مرور الاسابيع الثلاثة الاولى على سريان التكليف، والتي أوحت وكأن عهد التآلف والانسجام بينهما بات قاب قوسين او ادنى من العودة الى سالف عهده (التفاهم الرئاسي).

وبمعنى آخر، بعد هذه المدة الزمنية المحدودة اتجهت العلاقة بين الطرفين نحو التصعيد والقطيعة، وعلى وجه التحديد عندما صعد الحريري في المرة السابعة فجأة الى قصر بعبدا ووضع بين يدَي الرئيس عون، مظروفاً أبيض يتضمن تشكيلة الـ 18 وزيراً (الستّات الثلاث) والمشتملة على اسماء عُرفت لاحقا. ومعلوم ان عون طوى تلك التشكيلة من دون التمعن بما ورد فيها من اسماء، إيذانا بانه يرفضها واشارة الى انه يريد منه وضع صيغة غيرها.

وعلى رغم تصاعد عدد اللقاءات التي جمعت الرئيسين، وعلى رغم تدخل الوسطاء واقتراحهم أطراً وصيغاً من طبيعة “تسووية” أبرزها وآخرها عرض الـ 24 وزيراً، وهي صيغة الشراكة بين بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد #جنبلاط، فان الحريري عاد ليبلغ من يعنيهم الامر بانه ما انفك عند صيغته الاولى وليس في وارد الأخذ بعرض بري وجنبلاط.

الثاني: ان هذا التصلب والتصعيد والنبرة الهجومية التي توسّلها الحريري في رده على رسالة عون، انما تنطوي على تفسيرين محتملين معاً أو كليهما:
– اما ان الحريري قد لاذ بأفياء هذا الخطاب التصعيدي جسراً تمهيدياً للخروج لاحقا والاعتذار عن المضي قدماً في استكمال مقتضيات المهمة التي تصدى لها بحماسة قبل نحو سبعة اشهر، وقدَّم تنازلات من اجل تأمين دخول قوي اليها. وهذا الاعتذار المحتمل كان نتيجة طبيعية لانسداد الافق الداخلي امامه من جهة، وغياب مَن كان يرجو الحصول على مباركتهم من جهة اخرى.

وقد سرت غداة وصول وزير الخارجية الفرنسي جان – ايف لودريان الى بيروت معطيات توحي بعزم الرئيس المكلف على الانزياح من مشهد التأليف. وهو كلام لم يبادر المقربون من الحريري الى نفيه تماما أو تاكيده، بل انهم خرجوا بنظرية توليفية فحواها ان الحريري شرع في درس كل الخيارات والنظر في كل الاحتمالات لانه لم يعد بمقدوره الاستمرار في استنساخ تجربة الاشهر السبعة في التعامل مع مهمة التأليف.

– واما ان الحريري قرر تبديد كل هذه التكهنات، ومن ثم فاجأ الجميع بعزمه على خوض المواجهة مع العهد حتى النَّفَس الاخير والى الاحتمالات القصوى. لذا أطلق من المجلس قفاز التحدي والقى خطاب المضي في المنازلة معه.

أيّ الاحتمالين هو الارجح كفة في “بيت الوسط” الذي بدا كأنه يخوض معركة المصير؟

الثابت ان الحريري تعمّد ترك الامور في دائرة الالتباس والغموض الى الآن، خصوصا انه أرسى في اطلالته امام المجلس معادلة صلبة ومكلفة فحواها: لست في وارد الاعتذار، كما لست في وارد الانصياع الى توجهات الرئاسة الاولى وتأليف حكومة وفق معاييرها، وانه استتباعاً ليس عنده إلا الصيغة الاولى.

في تشخيص دوائر القرار في “حزب الله” استنتاجات بُنيت على مشهد السبت، أبرزها:

– ان الحريري اضطر الى سلوك درب التصعيد لانه في حال توتر واحتقان متراكمة.

– صحيح ان الحريري قد وجّه في خطابه رسالة الى الداخل اللبناني بكل تلاوينه، لكنه شاء في الوقت عينه توجيه رسالة الى من يعنيهم الامر في الخارج ويردّ بشكل مباشر بالرفض على دعوات وعروض نصحته بالعزوف.

واذا كان الحريري، وفق الدوائر عينها، قد نجح في تقديم مشهد يوحي بانه ما انفك في المربع الاول وقادر على الصمود فيه، فان هذا لا يعني ان الحزب في وارد التخلي عن موقفه المعروف، والذي اعاد النائب محمد رعد التأكيد عليه، وفحواه: ان الحاجة ملحّة لحكومة تملأ الفراغ، وان ثمة ضرورة ليقدِّم طرفا التأليف تنازلات متبادلة.

وبالاجمال، واذا كان القول بان المجلس جدد التكليف للحريري، فان ذلك على بداهته لا يعني انه يمكن الركون الى هذه النتيجة التي أتت كرمية من غير رامٍ، خصوصا ان في الداخل من يعتبر أيضا ان مواقف الحريري هي من معوقات التأليف.