القضاء بخير = البلد بخير – نايلة تويني – النهار

#لبنان ليس بخير، ما يعني ان قضاءه ليس بخير. وشعبه ليس بخير. وهذه امور اكيدة، لا تحتاج الى دلائل واثباتات. فخير الدول يرتبط بوضع قضائها، هما متلازمان. ولعلي مثل كثيرين استشهد بحدثين يؤكدان هذه الاهمية:

الاول، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية، حين طلبت منه القوات الحربية إيقاف الحكم الصادر عن المحكمة البريطانية القاضي بنقل مطار حربي قريب من إحدى المدارس إلى مكان أخر، وكان مشغولاً في إدارة المعارك الحربية الضارية ضد هتلر وجيوشه، رفض الطلب، وأمر بنقل المطار على الفور، وقال قوله الشهير: “أهون أن نخسر الحرب من أن يخسر #القضاء البريطاني هيبته”.




والحدث الثاني يتعلق بالرئيس الفرنسي شارل ديغول، رمز فرنسا الحُرَّة، حين دخل باريس بعد تحرير بلاده من الغزو الألماني، وسأل عن أحوال البلاد ومؤسساتها فأخبروه أنها في حال سيئة.. سأل سؤاله الشهير: هل القضاء بخير؟ فقالوا له نعم. فقال قوله الأشهر: “إذا كان القضاء بخير ففرنسا بخير. فهو الدعامة الأساسية للنهوض بالدولة”

إن تداعي أي نظام قضائي هو من مسببات تهاوي الدول وحدوث الثورات وإضاعة الحقوق وتراكم الضغائن والأحقاد وخلق الفتن، ويقول المهاتما غاندي “هناك محكمة أعلى من جميع محاكم العدل الا وهي محكمة الضمير… فهي تفوقت على جميع المحاكم”.

من هنا الربط بين النهوض وبين القضاء والعدل، وما بين الضمير، لانه اقوى من الدساتير والقوانين الجافة التي تحكم احياناً بالظلم، ما لم ترفق بعدالة وانسانية وخلق عظيم.

القاضي الحَكَم اأعلى من الناس العاديين، وغير العاديين ايضا، وارفع مرتبة. يمثل سلطة الضمير العميقة والمستمرة، وسلطة الخير العام والحق الخاص، بعكس السياسة المتبدلة والمتقلبة. سلطة القانون وسلطة الضمير. والويل لكل شعب اعتبر قضاته انهم يؤدون وظيفة ادارية، او انهم، مثلما يحصل في لبنان، جزء من السلطة السياسية، اي التركيبة النفعية المذهبية.

والويل لكل بلد اذا تسكع قضاته على ابواب السياسيين وزعماء الطوائف، لانهم يفقدون هيبتهم، وكرامتهم، وحيادهم، وعدلهم، وضميرهم.

الدافع الى هذا العدد الخاص، بل الدوافع اليه متعددة:
اولها، ان لبنان ليس بخير، بل في حالة تراجع وانهيار لم يعرفها في تاريخه الحديث. واصلاحه مرتبط باصلاح القضاء. وهذا الاصلاح لا يتحقق من تلقاء نفسه، من دون نيّة لدى القضاة اولا، ومن دون ثورة القضاء ثانياً، ومن دون ارادة مجتمعية ثالثاً.

ثانيا، لان اللبنانيين يشكون، بطء العدالة، وصولا الى غيابها احيانا تحت وطأة الضغوط حينا، ولاسباب نفعية مصلحية للقضاة غالبا. ما يتطلب دفعاً لتغيير نمط العمل المتباطىء، بعد رفع معنويات القضاء ودعم مطالبهم الحياتية.

ثالثا، لان التحقيق في الجريمة الاكبر التي ارتكبت بحق البلد، لا الافراد فقط، الا وهي جريمة تفجير مرفأ بيروت، لم تسلك طريق العدالة بعد، فلا مسؤولية ولا مسؤولين. والاسوأ ما حصل في المرحلة الاولى للتحقيق عندما تم التركيز على موظف مقصّر، مع اهمال اصحاب الصفقة والمواد المتفجرة وقادة الاجهزة وكل المعنيين الفعليين.

رابعا، لان التعيينات القضائية، او ما يعرف بالتشكيلات القضائية، محتجزة في جارور قصر بعبدا، منسيّة مهملة من دون السؤال عن تعطيل السلطة القضائية برمتها من جراء هذا التجاوز الحاصل.

خامسا، لان مجلس القضاء الاعلى مقبل على انتهاء ولايته، من دون القدرة على تأمين البديل حالياً، ما يعمق هوة الفراغ التي تعيشها مؤسسات الدولة.
سادسا، لان ثمة من يتلاعب بحياة اللبنانيين وسبل عيشهم، ويدوس كرامتهم كل صباح ومساء، ولا من يحاسبهم. ولان ثمة من سرق ودائع اللبنانيين من دون حسيب او رقيب. كأن في الامر اهمالا او تواطؤا.

هذه الوقائع وغيرها لا يمكن وضعها على الخط الصحيح الا اذا انتظم القضاء، وترفع، وتقوّى.

هكذا ولد هذا العدد ليقدّم مساهمة في دعم القضاة الشرفاء وادانة غير الشرفاء. وليضيء على واقع تخلي السلطة السياسية عن قضاء مستقل، بل جعله قضاءً مرتهناً، واحدى ادوات السلطة والتسلط.

هي اليوم دعوة حقيقية لاستقلال القضاء، ولتضافر الجهود للوقوف مع الشرفاء فيه، ليصمدوا في وجه التدخلات، وليكن اعلامنا – على الاقل – الرافعة لهذه النهضة التي من دونها لا يمكن ان تستقيم الامور.