سمير عطا الله

الصحافة تشيب ولا تهرم – سمير عطا الله – الشرق الأوسط

عندما بدأنا قراءة «الغارديان» في الستينات، كان لا يزال اسمها «المانشستر غارديان»، حيث صدرت للمرة الأولى يوم وفاة عدو بريطانيا الألد، نابوليون بونابرت. كانت مانشستر آنذاك، عاصمة الفبارك والأقمشة، يأتي إليها المهاجرون من كل مكان، وتكونت فيها جالية يمنية كبرى وجالية لبنانية معروفة، كان من أبرز وجوهها المؤرخ ألبرت حوراني وشقيقه سيسل، الذي غاب حديثاً عن مائة عام وبضعة مؤلفات آخرها عن سيرة والده فضلو، ودور الجالية في سياسة الإمبراطورية.

صدرت «الغارديان» كي تكون صوت «حزب الأحرار» الذي كان ونستون تشرشل أحد منتسبيه، قبل أن ينتقل إلى حزب المحافظين، وقبل أن يهبط «الأحرار» من المرتبة الأولى إلى الثالثة، حيث هو اليوم. أي أن الهدف من إصدارها لم يكن تجارياً بل كان سياسياً. ولم يكن همها المنافسة والربح، بل بث أفكار ومواقف الحزب.




تميزت «الغارديان» عن منافستيها، «التايمز» و«الديلي تلغراف» بكونها أكثر ليبرالية منهما. وفي عاصمة الصحافة العالمية وأباطرة النشر، بدت مستقلة أكثر من سواها، وأعطت الفنون والآداب والنقد والمسرح اهتماماً أكبر بكثير من الصحف الأخرى.

خرجت دور الصحافة من «فليت ستريت» الواحدة بعد الأخرى، لكن لندن ظلت مدينة الابتكار الصحافي. وحاولت «التايمز» ضرب المنافسة عندما خفضت سعر الجريدة من 45 إلى 20 سنتاً. لكن «الغارديان» ظلت على سعرها العادي، تستثمر ما تربحه في تطوير نوعية الصحافة. وفي العام 1994 أنشأت أول موقع «أون لاين» سرعان ما أصبح عدد متابعيه 2.4 مليون شخص، أو الأكثر شعبية في المملكة المتحدة.

تحتل «الغارديان» مراتب كثيرة في بريطانيا، منها أنها الأكثر موثوقية بين جميع الصحف، في حين تعتبر «النيويورك تايمز» الأكثر ثقة في العالم أجمع. وفي إحصاء أجري العام الماضي، تبين أن 35 مليون يقرأون «الغارديان» كل شهر، متقدمة جميع صحف «النوعية».

في مناسبة المائتين، تذكرنا «الغارديان» بأن الصحافة ليست حقاً في خطر. والازدهار الذي عرفته ماضياً يفوقه بكثير الازدهار الذي عرفته في السنوات الأخيرة، مما جعل الثري العالمي كارلوس سليم، يشتري أسهماً فيها بمبلغ 250 مليون دولار لإنقاذها من الإغلاق، قبل نحو عشر سنوات.

تتأثر الصحافة بالأوضاع الاقتصادية مثل غيرها، أو أكثر. وتبدو الصحافة العربية آمنة في بلدان كثيرة، خصوصاً في مصر والخليج. وواضح أنها متعبة في لبنان، مثل كل شيء آخر. وقد مضى الزمن الذي كانت فيه بيروت تزاحم القاهرة في الصحف والمجلات. غير أن اللبناني الذي كان يصدر من الصحف أكثر مما يقرأ، انضم الآن إلى صحافة «المواقع». وبعضها يوازي الصحف اليومية الكبرى من حيث نوعية المقال والتحقيق والمهنية، وبعضها الآخر يمنح صاحبها لقباً ووجاهة وبطاقة انتساب إلى المجتمع السياسي وبرامج «التوك شو».