حديث وهدايا! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

من أمتع الأشياء الصغيرة التي تحدث في سياق مناسباتنا الاجتماعية، والتي لا تلقى القدر الكافي من الاهتمام، هي اللقاء بصديق بعد طول غياب وتكون الجلسة ممتعة على الصعيدين الإنساني والثقافي. وهذا تماماً الذي حدث معي مؤخراً؛ فلقد جمعتني الصدفة الطيبة للقاء صديق منذ أيام الدراسة لم ألقه منذ وقت طويل. وبعد الافتتاحيات المعتادة لهكذا لقاءات، تنهد صديقي بعمق وقال: «حقيقة لا تدري كم تأثرت بوفاة نجم الكوميديا سمير غانم». قلت له: «صحيح يبدو أنه ترك أثراً في نفوس محبيه الكثر، وكأنهم ينعون فيه جزءاً من أرشيفهم الذاتي برحيله ورحيل جزء مهم من ذكرياتهم معه. فضحك صديقي وأكمل: هل تعلم أنني كنت أعتبره فيلسوفاً؟ نعم سمير غانم كان فيلسوفاً وفلسفته تتلخص بمفهوم (اخرج عن النص)… النص الذي تضعه لنا الحياة وتبني فكرة ساخرة حتى ولو لم يكن هذا وقت السخرية، ولا تأخذ الحياة بجدية أكثر من اللزوم أو لم تفعل، فهي لن تفرق كثيراً في نهاية المطاف». وعلى ما يبدو أن هذا كان شعار الفنان الراحل وأسلوبه. فهو كان من أكثر الفنانين الذين عرفوا بالارتجال على خشبة المسرح والخروج عن النص المكتوب، وبقي هذا الارتجال هو البصمة الخاصة التي عرفها وسيعرفها الناس عنه، فالبصمة هي التي تبقى مكملة بعد رحيل الإنسان، وخاصة إذا ما كانت مرتبطة بإسعاد الناس بدون تهكم ولا فوقية، لأن الناس باختصار لا تنسى من أسعدهم وأضحكهم أبداً. كم ستكون الناس أكثر سعادة لو أضافوا قليلاً من الارتجال في حياتهم، ووقتها سيكثر الإبداع والتفكير الخلاق الخارج عن الصندوق.

ثم انتقلنا إلى موضوع آخر، وهو التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد على حياة الناس، وشاهدنا أثر ذلك بوضوح خلال المواجهات الإسرائيلية – الفلسطينية الأخيرة، وكيف لعبت هذه الوسائل دوراً مهماً وعظيماً في بث الأحداث وتوثيقها أولاً بأول ومن قلب المواقع، وساهم ذلك الأمر في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة النشرات الإخبارية وعناوين الإعلام الأولى بعد طول غياب وتقهقر في التركيز والاهتمام. ولكن هذه الوسائل رغم تمكينها العريض للمشاركات العامة، فهي تسببت في ضوضاء وتلوث إلكتروني لأن المشاركات جاءت لتعزز فكرة الكم على حساب النوعية والجودة بشكل هائل ومخيف. بل هي لم تفعل ذلك فحسب، بل ساهمت في هبوط مستويات وآداب الحوار والنقاش إلى مستويات تخرج عن اللياقة والأدب والتهذيب المقبول ليظهر بسببها أسوأ ما في الإنسان من صفات متوحشة، كالسب والشتم واللعن والعنصرية والتنمر والتكفير والتخوين والتحقير.




ورغم كون وسائل التواصل الاجتماعي قد تمكنت من تقديم منصات لنقل المعلومات وتبادل المعرفة، فإنها هبطت بمعدلات الذكاء العام لتعزز من دون أن تقصد لنشر التفاهات العامة. وفي تعليق طريف يقول أحد المتابعين من شرق آسيا عن خطورة الإنترنت على الشعوب إننا قد نرى يوماً ما في المستقبل القريب حظراً على استخدام الإنترنت تماماً كما حصل مع السجائر من قبل بسبب خطورتها على الصحة العامة، وخصوصاً النفسية منها.

الإنسان بشكل عام يعشق الحرية، ويحب أن يدلو برأيه متى سنحت الفرصة الملائمة لذلك. ولكن هناك مسألة محيرة بالنسبة للعديد من الشخصيات القيادية، وهي هل يعني تقديم رأي مخالف في مسألة محددة بعينها حكماً بعدم الولاء العام؟ وهي النقطة التي تطرق إليها بعمق وجدارة وزير الخارجية الأميركي الأسبق والجنرال المتقاعد من قواتها المسلحة كولن باول عندما وصف في مذكراته الممتعة «رحلتي الأميركية» أكثر من موقف قدم فيه رأياً مخالفاً عن القرار الإداري الأعلى الذي يحكمه خلال جلسات العصف الذهني، ولكنه كان يلتزم حرفياً بشكل مطلق حين اتخاذ أي قرار وصدوره ويدافع عنه تماماً، وبهذا يكون كما يصف حقق مسألتين: حرية الرأي بمسؤولية والولاء الكامل والمطلق.

تابعت حديثي مع صديقي في مواضيع عدة وتمنينا ألا يطول الغياب قبل اللقاء القادم، ولكننا اتفقنا على شيء واحد قبل الرحيل، هو أن التفاصيل الصغيرة للقصص الكبيرة فيها العديد من المواعظ والدروس والعبر والحكم التي هي بمثابة هدايا الحياة المستمرة.