اي خبايا وخفايا في كلام جنبلاط منذ دعوته الى “التسوية” ؟

ابراهيم بيرم – النهار

المواقف المنتقاة بعناية التي داب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على اطلاقها وتظهيرها منذ زيارته الشهيرة لقصر بعبدا ودعوته الجميع من على منبره الى الدخول تحت عباءة “التسوية الداخلية” عاجلا ومن ثم الكلام النوعي الذي ادلى به في اطلالته الاعلامية اول من امس ، هي شهادة على ان الزعيم المخضرم قد قرر الجنوح والانحياز الى موقع “حكيم الجمهورية ” بعد ان ادى لعبة ” الرقص على رؤوس الافاعي ” طويلا واختبر لعبة الاستفادة من التناقضات وبعد ان ايقن بان هذه “الفوضى والاضطراب” في الداخل منذ انطلاق حراك 17 تشرين الأول الى اليوم والى زمن غير محدود هي عبارة عن “حقلة جنون عبثية” .




هذا هو الاستنتاج الذي خرج به اول من امس المتخصصون برصد حركة زعيم المختارة ومنهم بطبيعة الحال محسوبون على “اوساط الثنائي الشيعي” الذي ولاريب يعطي لهذه الحركة اولوية واهمية .

ولعل المفارقة او ربما ” الشطحة الخاطئة” في رأي هذه الأوساط شبه الوحيدة التي قرر جنبلاط ان يرتكبها سواء عن قصد ووعي أو خلاف ذلك هو توصيفه ل”حزب الله” بكونه جزءا من “المنظومة الايرانية” ولكن لها من يؤمن بطروحاتها لدى شريحة من اللبنانيين ” وقد اردف هذا الوصف بما مفاده ان حليفه التاريخي” ورفيق السلاح القديم “رئيس مجلس النواب نبيه بري هو من اتباع مدرسة شيعية اخرى ومختلفة وهي “مدرسة حوزة النجف العربية” .

ووفق هذه الاوساط والراصدين فان عودة جنبلاط الى ترديد هذه المصطلحات والمفاهيم المكرورة التي برأيهم تفتقد تماما اي موضوعية وعلمية وتنم عن تجاهل متعمد او غير متعمد لطبيعة المدرسة الشيعية الفقهية العقدية التي من مزاياها التنوع وحرية التقليد التي ليست بالضرورة تصارعا وحربا ، انما يريد من من خلالها ارسال رسالة الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج فحواها ومؤداها الاتي :

– ان الموقف الوسطي الذي اختار سيد المختارة الانحياز اليه منذ زيارته الى قصر بعبدا وثباته الواضح على دعوته من هناك الى التزام “التسوية” ومن ثم توجيهه بين الحين والاخر سهام انتقاد ما زالت الى الان ناعمة وسلسة ومغلفة بالنصيحة الى الرئيس سعد الحريري تحضه على الجنوح الى فيء هذه التسوية وتقديم “تنازلات وتضحيات”، انما هو موقف له حدوده المدروسة والتي لن تصل بالضرورة يوما الى حدود “التفاهم” العميق مع الحزب، بل انني متنبه وحريص على البقاء واياه في موقع “ربط النزاع ” الذي سبق للرئيس الحريري ان اعلن الالتزام به منذ اعوام ، وذلك من خلال وصمه ب ” الشبهة والتهمة ” التي يعلم ( جنبلاط ) انها تثير حفيظته (الحزب) وتوقظ سخط قاعدته العريض لكونها (التهمة والشبهة) تندرج في سياق التشكيك بلبنانية الحزب وتضعه في خانة انه ” جالية ايرانية ” في النسيج اللبناني .

والمعلوم انه سبق للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ان كان له رد حازم وقاطع على هذه النظرية عندما قال في احدى اطلالته ما معناه : “اننا لم نقدم مواكب التضحيات الطويلة تلك دفاعا عن ايران بل في سبيل تحرير الارض اللبنانية وذودا عن السيادة اللبنانية التي ينتهكها العدو الاسرائيلي منذ عقود “.
– وهذا يعني ان جنبلاط وفي الوقت الذي يجدد فيه اعلان اطالة امد ” الاشتباك ” الناعم مع حزب الله ، يجدد لمن يعنيهم الامر انه ثابت في عملية ” التشبيك ” مع الطرف الثاني من الثنائية الشيعية وما يمثله من مواقع راسخة في صلب التركيبة السياسية اللبنانية التي نهضت عليها البلادمنذ سريان اتفاق الطائف وفي عمق معادلة “الدولة العميقة” التي نشات ونمت تحت عين الوصاية السورية .

– بدا جنبلاط في كل هذا الخضم “بارعا ” عندما ركز على “المخاوف” من الاتي في ظل هذه الفوضى الضاربة اطنابها والفالتة من عقالها والتي يتوقع لها ان تطول.

فكل المعلومات المتوفرة عما يحصل يوميا في قصر المختارة بعيدا عن الاضواء يشف عن ان سيد هذا القصر ضاعف من جهوده عبر ما يشبه اعلان “الاستنفار والنفير” لسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية للذين يوالون زعامة المختارة ومن يلوذون بها عند الحاجة. وقدسمعه كثر من الزوار وهو يردد في الاونة الاخيرة جملة فحواها ان “المهمة الاساسية لنا يتعين ان تكون الحيلولة دون وقوع الناس في قبضة العوز والفاقة والجوع”. واكثر من ذلك وجه جنبلاط حزبه وفريق عمله الى اتباع برنامج مواجهة لكبح جماح ” المخاطر الاجتماعية” التي تطل براسها من خلال سياسة تشابه سياسة النبي يوسف في السنوات اي تكثيف المزروع وزيادة المخزون. مع يقينه بان كل هذه الاجراءات على اهميتها تبقى اقرب ما يكون الى “مداوة الحاضر بالحاضر” وهو لن يرقى الى حدود المعالجة الجدية اذا ما طال امد الفراغ الحكومي وبعدت “التسوية”.

– حيال ذلك الاداء الجنبلاطي المتصف بالاتزان والثبات ، ثمة ولاريب من يسارع الى الاستنتاج النمطي القديم وهو ان الزعيم الاشتراكي انما لاذ الى حضن هذا النهج بناء على “رادارات الاستشعار المبكر” التي يمتلكها فضلا عن تقديرات السفراء والموفدين الذين اعتاد على اعطاء امر اللقاء بهم الاولوية في برنامج الاستقبالات اليومية ويحرص على ان يستبقيهم الى مائدته في رحاب قاعات قصر المختارة التاريخي الوا سعة .لكن ذلك الاستنتاج على بلاغته واهميته لا يسقط ان جنبلاط الطاعن في لعبة السياسة الداخلية وتقلباتها وتحولاتها منذ ان لبس عباءة الزعامة في عام 1977خلفا لوالده الشهيد كمال جنبلاط ،ليس له قراءته العميقة والاستشرافية لما طرأ على المعادلة الداخلية من تبدلات ومستجدات وهي القراءة التي دفعته الى انهاء مقاطعته وقطيعته لقصر بعبدا وساكنه ومن ثم اطلاقه دعوة الى التسوية لتلافي الاسوأ والى انه لايطمح الى العودة الى دور”الريادة” الذي لعبه على مدى ثلاث اعوام بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري .

ولكن واذا كان ثمة من يستشم واقعية في طوايا الاطلالات الجنبلاطية فان ثمة من ياخذ عليه انه لم يرسم خريطة طريق جلية لبلوغ هذه التسوية المنشودة .وان كان ثمة من يرى في اعماق كلامه عن بري اشارة الى انه واياه قد يلعبان دور ” الاكس ” الذي تتقاطع عنده خطوط التسوية المنشودة فان ذلك تجاهل او استخفاف بالتحولات العميقة التي عصفت بالمعادلة السياسية منذ 17 تشرين على نحو صار صعبا تصور عودة الامور الى ما قبل هذا التاريخ المفصلي والذي بعده ليس كما قبله .