سمير عطا الله

ترقيع الاهتراء – سمير عطا الله – الشرق الأوسط

خلال أشهر تغيّر على وزارة الخارجية في لبنان، ثلاثة وزراء. الأول استقال حرصاً على كرامته، والثاني، شربل وهبة، عين في عجلة واستُقيل على عجل، والآن لدينا على عجل وزيرة خارجية بالوكالة؛ هي أيضاً وزيرة الدفاع بالأصالة.

في الدول الطبيعية، يستمر وزير الخارجية طويلاً في منصبه، مهما تغيرت الحكومات؛ لأن ذلك دليل على استمرارية السياسة. الأمير سعود الفيصل ظل وزيراً للخارجية إلى أن توفي إلى رحمة الله. آندريه غروميكو ظل وزير خارجية الاتحاد السوفياتي إلى أن انتُخب رئيساً للدولة. الشيخ صباح الأحمد احتفظ بحقيبة الخارجية إلى أن سُمّي «غروميكو العرب».




حكومة حسان دياب ضربت أرقاماً قياسية في أمور شتى… أهمها وأعجبها، أنها حققت في المائة يوم الأولى 97 في المائة من برنامجها. وآخرها استقالة شربل وهبة لكي ينصرف إلى مهمة أكثر إلحاحاً: تمدين البدو.

وزير في بلد مفلس، ودولة منهارة، وحكومة مرقعة، يريد أن يعطي الدروس لدول بَنت الرمال وشجَّرت الصحراء وشغَّلت ملايين العمال، ولا تزال إلى اليوم تبني مدناً مستقبلية وتدير مؤسسات رأسمالها تريليونات الدولارات، وبعضها يرسل أقماراً صناعية إلى المريخ، فيما تغلق المدارس أبوابها في بلد شربل وهبة.

السيد وهبة لاعب بسيط ارتكب «فاول» فاضحاً فأخرجه الحَكَم. كل الأخطاء المخفية، غير مهمة. وهبة يعبّر في حقيقة الأمر عن منطق قائم وليس عن حمق فردي، ويعبّر عن حالة مَرَضية تنتاب لبنان في نظرتها الغرائزية إلى شؤونه، لكيلا أقول البدائية الطائفية التي لم تخرج من ساحة الضيعة؛ فكر القرن التاسع عشر.

البلد الصغير الذي كان مؤسساً في الأمم المتحدة والجامعة العربية، وضع سياسته الآن في دائرة «حلف الأقليات». وأصحاب هذا المنطق يقسّمون لبنان؛ مرة من الداخل، ومرة من الخارج. وقد أعاد جبران باسيل اختراع وزارة خارجية تعمل بإرشاده ومشيئته وتصوره لمستقبله.

أما مستقبل لبنان؛ فمثل حاضره. ليس هو، في الهموم الدبلوماسية الآن. ولا غداً على الأرجح. فالمراهقات اللبنانية السقيمة والبليدة الغارقة في صغائر الأنانيات وحلبة التوافه، لم تتوقف لحظة حتى وهي تشاهد العالم بأجمعه محترقاً بنيران غزة.

المنطقة تغلي، والعالم خائف، ولبنان لديه وزيرة خارجية بالوكالة ووزير مستقال ووزير مستقيل. ولديه رئيس حكومة «تصريف أعمال» ورئيس حكومة مكلف. فيه رئيسان للدولة؛ واحد شرعاً، وآخر متكئ على الشرعية ينتظر ساعة تملّكها، أو ما تبقى منها ومن الدولة ومن لبنان، كما عرفناه.