بشّار الأسد “العائد” إلى لبنان

يوسف بزي – المدن

نظّم أتباع بشار الأسد في لبنان عراضة “المبايعة” يوم 20 أيار. وهم خليط من مواطنين سوريين مقيمين في لبنان، يضاف إليهم بعض اللبنانيين من أنصار حزب الله والبعث والقومي السوري والعربي الديموقراطي (علويو لبنان) وحركة أمل.. الذين يتولون مشهد الحشود والمسيرات من دون الاقتراع.




والسوريون الذين توجّهوا لتجديد انتخاب الأسد في مقر السفارة، هم على الأغلب الأعم من سكان جبل محسن وبعض القرى العكارية، أي من الطائفة العلوية، من الذين يحملون الجنسيتين. وبالطبع هناك سوريون مقيمون في لبنان من غير اللاجئين، الذين تتفاوت أحوالهم ومصالحهم، أكانوا عمالاً مياومين أو تجاراً.. وهؤلاء لم تنقطع صلتهم ببلادهم ذهاباً وإياباً وانصياعاً للنظام. أيضاً لا نغفل تلك الأقلية من اللبنانيين “المجنّسين” الذين لم يتخلوا عن جنسيتهم السورية وهم من المحظيين لدى النظام، والذين تمتعوا مديداً بامتيازات حقبة “الوصاية”، وكذلك أقلية مسيحية مزدوجة الجنسية، أعربت عن ولائها للنظام “حامي الأقليات”!
والأكيد أن الكثير من اللاجئين الذين رمى بهم القدر في المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، في الجنوب والضاحية والبقاع، لم يجدوا خياراً أمامهم سوى ركوب الباصات والخضوع لامتحان الاقتراع. وهؤلاء راكموا فوق مهانة التشريد مذلة سلب الإرادة و”التصويت” لجلادهم.

مشهد “الزحف” إلى السفارة السورية أشبه بمهرجان سياسي من النوع المبتذل الذي تتقنه أحزاب وحركات الممانعة. أما تدبير الحشود فهو على شاكلة ما حدث ليل الأربعاء وفجر الخميس 19-20 أيار، في بعض مخيمات اللاجئين في الجنوب: تبدأ مجموعات من الشبان التي “تنسق” مع السفارة، وبحماية حزب الله، بمحاصرة المخيمات. عند الصباح الباكر، يحضرون الباصات ويمنعون السكان من المغادرة إلى أعمالهم. إما الركوب بالباصات أو تهديدهم بإحراق مخيماتهم وتشريدهم.

هؤلاء اللاجئون، وبصفتهم هذه، أي كونهم مئات آلاف السوريين الفارين تحديداً من سيطرة النظام وجيشه، علامة فادحة على لاشرعية رئاسة الأسد. وهذه العلامة هي التي يتوجب محوها. وحزب الله هو المعني الأول بذلك، ليس فقط بسبب هدفه الاستراتيجي السياسي والعسكري ببقاء الأسد في السلطة، إنما لكونه شريكاً في واقعة تشريد الشعب السوري. وجود هؤلاء الضحايا وعلى مرأى من “شعبه” برهان يومي على ما اقترفه، برهان ساطع على لاشرعية شراكته في الحرب والمقتلة. ولذا، هو يستميت في تزوير إرادة اللاجئين وتزييف صوتهم. بل يستشرس في ابتداع سردية كاذبة عن سبب تهجير نصف سوريا على الأقل: يجب أن لا يكونوا هاربين من الأسد. ويجب أن يعودوا إليه صاغرين. وإلا ثمة معضلة كبرى إزاء آلاف “شهدائه” الذين سقطوا بين القصير وحلب والبوكمال..

وما يسعف حزب الله وأحزاب الممانعة في إهانة الشعب السوري واللاجئين أن الدولة اللبنانية وأجهزتها، بالغة الطواعية والانحياز.. فهي مثلاً لا تجدد الإقامة لأي سوري من دون أوراق ثبوتية، ومستندات دخول وخروج صادرة عن النظام السوري. واللاجئ السوري في هذه الحال، ورغماً عنه، مجبر في التعامل مع دوائر النظام وإلا سيفقد حقه باللجوء. وبهمة حزب الله طوال سنوات، استطاع النظام السوري وسفارته وأجهزة مخابراته تكوين لوائح بأسماء اللاجئين السوريين في كل القرى والمخيمات. أي يمكنه معرفة من هم الذين تمنّعوا عن الانتخاب.

وحسب أحد العاملين في منظمة دولية تعنى بشؤون اللاجئين في البقاع، يمكن تدوين ملاحظات جوهرية. فوفق ما ذكره، العملية الانتخابية تتم من دون مراقبة دولية (أو منظمات حيادية) وتحت سيطرة النظام السوري بالكامل. وبالتالي، لا إمكانية لسرية التصويت المضاد أو لورقة بيضاء. وعملية احتساب الأصوات تقع تحت سيطرة النظام وسفارته بالمطلق، ولا يهم من صوّت أو لم يصوّت. فالنتيجة معروفة مسبقاً.

والأهم أن أذرع النظام السوري الموجودة على كافة الأراضي اللبنانية، تضغط وتهدد وتبتز بشتى الطرق والوسائل، كل من لا يشارك بالانتخابات، وتخويفه باقتلاعه من لبنان وإعادته إلى حضن النظام وإجباره على الخدمة العسكرية. واللاجئ السوري لديه تجربة سيئة بل مخيفة مع بعض الأجهزة اللبنانية، المتعاونة في معظم الأحيان مع النظام السوري. وفي كثير من الحالات يحدث تسليم المطلوبين منهم للنظام، عبر الاعتقال والسجن.. أو أقله عدم قدرة القوى الأمنية اللبنانية على حمايته من الاغتيال والقتل وكل أنواع التنكيل به.

فوق كل هذا، النظام السوري وحزب الله والأحزاب التابعة، أرادوا هذه المرة، لا فقط استئناف “سياسة الدوس على الرقاب: بدكن حرية؟” الممتدة من العام 2011 وحتى اليوم، إنما أيضاً استئناف يوم 8 آذار 2005: “شكراً سوريا” كرقصة دموية على جثث اللبنانيين. انتخاب الأسد هذه المرة مناسبة للادعاء أن النظام السوري لم يخرج من لبنان أو إنه عائد. فثمة تعمّد عن سابق تصور وتصميم في أن لا يكون مهرجان المبايعة في محيط السفارة، بل ممتد في طول لبنان وعرضه، وبالأخص هناك في قلب المناطق المسيحية: في الأشرفية والمتن وكسروان. وهذا ما كان صعباً لولا ما أضحت عليه العونية الباسيلية.

في المحصلة، تضاف مهزلة السفارة السورية إلى المهازل التي أصابت لبنان، وجعلته هكذا بلداً تنهشه تفاهة الشر ويبتلعه الانحطاط.