سمير عطا الله

دبلوماسية العزلة والعداوات – سمير عطا الله – الشرق الأوسط

تنظم العلاقات بين الدول مجموعة اتفاقات ومعاهدات ومواثيق، خشية الوقوع في أزمات ناتجة عن سوء فهم أو سوء تصرف. وفي كل وزارة خارجية في العالم دائرة خاصة اسمها «دائرة التشريفات» أو «البروتوكول». مهمّة هذه الدائرة أن تطبق القواعد والأعراف القائمة؛ ابتداءً بطريقة الجلوس والاستقبال وأصغر التفاصيل… وإلا عمّت الفوضى، وحدثت الإهانات، وساءت العلاقات.

في سياسته الخارجية يعطي لبنان الأهمية الأولى، من حيث المبدأ، لدول الاغتراب بصفته دولة هجرة. والهجرة أنواع: إلى أميركا الشمالية والجنوبية؛ ونادراً ما يعودون. وإلى أفريقيا؛ وغالباً ما يعودون. وإلى الخليج؛ ودائماً يعودون، فهو على بعد ساعتين من بيروت، وأهله أهل.




بين دول الخليج كانت السعودية مركز الهجرة اللبنانية الأكبر والأهم، منذ أيام الملك عبد العزيز، الذي عمل إلى جانبه رجال مثل الحاج حسين العويني (رئيس الوزراء) ونجيب صالحة وفؤاد حمزة. وفي السعودية فاقت ثروات بعض اللبنانيين الخيال، منذ سبعين عاماً إلى اليوم.

فقط بعد تصريحات شربل وهبة سمعنا في السعودية أصواتاً تطالب بطرد اللبنانيين. فوزير الخارجية هذا تجاوز كل القواعد والأصول والأعراف في حديث متوتر وعصابي عن دول الخليج. ومن المؤسف القول إن التوتر العصبي والصراخ والهبوب، سمة من سمات «التيار الوطني الحر» ورجاله، وخصوصاً نساءه.

لم يكن تصرف شربل وهبة في استوديو «الحرة» لائقاً، ولا كلامه، ولا الطريقة التي انسحب بها من الاستوديو غاضباً من مداخلة زميل سعودي.
ولو كلف شربل وهبة نفسه أن يسأل دائرة التشريفات في وزارته لكان أُبلغ أن وزير الخارجية لا يذهب عادة إلى الاستوديو، بل تأتي الكاميرا إليه. وإذا ما حدث وذهب فليس من أجل تهديم الباقي من علاقات لبنان مع السعودية ودول الخليج. فهذه مهمة كانت مسندة حصراً إلى وزير الخارجية الأسبق جبران باسيل، الذي هو مؤسس الدبلوماسية اللبنانية الحديثة، وفتوحاتها ونجاحها الرهيب؛ في عزل لبنان عن إطاره الطبيعي، وعلاقاته التاريخية والتقليدية.

مسكين شربل وهبة، فهو ليس سوى «صوت سيده». في الحزب، وما قاله على «الحرة» ثقافة عُبّئ بها تعبئة مطلقة. هو، كما أشار، همه الدفاع عن رئيس الجمهورية، أما لبنانيو الخليج، وعلاقات لبنان التاريخية، وانعكاس ذلك على الداخل اللبناني، فلم يعد مهماً. الحقيقة لم يعد شيء مهماً في لبنان. ولا بقي منه (لبنان) الكثير. ولا همومه تستحق الذكر. جبران باسيل منهمك الآن في مهمة «تثبيت» الرئيس بشار الأسد… والتعبير الحرفي لمعاليه، مؤسس الدبلوماسية الحديثة.