لخطواتٍ إنقاذيّة بعيداً من النقاشات النظريّة! – رامي الرّيس – نداء الوطن

الدكّ اليومي لاتفاق الطائف وللمؤسسات الدستوريّة والعمليّة السياسيّة ينذر بعواقب وخيمة، ليس فقط بما يتركه من تداعيات وانهيارات يوميّة على المستوى الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي التي وصلت إليه البلاد؛ بل أيضاً بما قد يعنيه ذلك على المستوى البعيد من إختلالات بنيويّة ستصيب الصيغة اللبنانيّة الهشة، إنما المتنوعة والتعدديّة والتي لطالما شكلت علامة فارقة في المنطقة، ما دفع بالبابا الراحل يوحنا بولس الثاني إلى القول إن “لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة”.

صحيحٌ أن إدارة هذه الصيغة التعدديّة كانت دائماً مسألة صعبة وشائكة ومعقدة وتعرّضت لاهتزازات هيكليّة وصلت في حقباتٍ معيّنة إلى نزاعات دمويّة ومسلحة، دمّرت كل المرتكزات الأساسيّة والمساحات المشتركة للعيش المشترك؛ إلا أنها استُنهضت مجدداً بفعل تقاطع مجموعة من العوامل الدوليّة والإقليميّة والمحليّة التي لم يُحسن إستثمارها إلا جزئيّاً، فلم تقم الدولة المرتجاة وتفاقمت الخلافات حول الخيارات الاستراتيجيّة والوطنيّة الكبرى، وحول دور لبنان في المنطقة ووظيفته الداخليّة والإقليميّة على حد سواء.




بطبيعة الحال، ليس ثمة مقدّسات في السياسة. فالقداسة مساحتها الرحبة في الدين وليس في السياسة والشؤون الدنيويّة. وهذا الأمر ينطبق على اتفاق الطائف الذي وُلد في لحظة حرجة وضعت حداً للحرب الأهليّة الدامية. ولعله لم يعد أمراً جوهريّاً أن يُولد جدال ما إذا كانت حرباً إقليميّة بأدوات محليّة أم أنها كانت حرباً داخليّة بالمعنى الكامل. ولكن، في مطلق الأحوال، الحرب وقعت واستمرت خمسة عشر عاماً وأدّت إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمعوقين، فضلاً عن نتائجها الاقتصاديّة والاجتماعيّة المدمرة على مختلف المستويات.

لذلك، فإن مجرد إستذكار تلك الحقبة مع كل ما شملته من مآس ومصاعب وعثرات يُفترض أن يشكل حافزاً لكل الجهات المعنيّة بإدارة شؤون البلاد، مهما اختلفت مقارباتها وحساباتها، لتدارك الانهيار الحاصل راهناً الذي سيترك تداعيات في غاية الخطورة، حتى ولو كانت طبيعته مغايرة عن طبيعة الحرب الأهليّة والإقتتال المباشر بين الأطراف السياسيّة. إن التحدي الذي يفرضه الارتطام الكبير جرّاء التدهور الإقتصادي لا يقل خطورة عن الحرب. في الواقع، إنه شكل آخر من أشكال الحرب ولو تغيّرت الأدوات والأساليب والإعتبارات.

ثمة ناحية أخرى توازي في أهميتها مشكلة الانهيار الحالي، لا بل قد تتعداه من حيث مخاطرها المستقبليّة على لبنان بحدوده وصيغته الراهنة، ألا وهي الطروحات التي تقفز فوق إتفاق الطائف وتتجاوز الثوابت التي كرّسها، وفي مقدمها نهائيّة لبنان وعروبته وصيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. وإذ تلبس تلك الطروحات عناوين قد تكون برّاقة في أوساط معيّنة لأنها تدغدغ مشاعر شرائح إجتماعيّة من هنا وهناك، إلا أنها تستبطن مقترحات في غاية الخطورة على جوهر العيش المشترك في لبنان، وتولد إلتباساتٍ لبنان في غنى عنها في هذه اللحظة التي يخوض فيها معركة الوجود الأكثر ضراوة في تاريخه المعاصر.

إن القفز في اتجاه تغيير الصيغة الراهنة يفترض استيلاد صيغة بديلة، فماذا ستكون الصيغة البديلة؟ وكيف يمكن التوصل إليها؟ وماذا عن المكتسبات الثلاثة التي حققها “الطائف” أي النهائيّة والعروبة والمناصفة؟ بماذا سوف تُستبدل؟ وما هي المناخات الإقليميّة الطاغية التي ستتمخض من خلالها الصيغة الجديدة؟ وهل ظروف التفاهم الإقليمي، أو حتى الداخلي، متوفرة لإستبدال الصيغة أساساً؟ وأي موازين قوى ستعكس نفسها في الطروحات الجديدة؟

لكم كان من المفيد أن القوى التي تبذل جهداً لفتح نقاشات من خارج السياق عن الصيغة اللبنانيّة تكرّس جهدها لإخراج البلاد من أزمة الحكم والحكومة!