سمير عطا الله

مبدأ الكيس الثاني – سمير عطالله – النهار

كان البولوني رزيارد كابوشنسكي أروع “ريبورتر” في القرن الماضي. شيء من ارنست همنغواي، وشيء من اندريه مالرو في مزج الصحافة بالأدب، والحدث بالإنسان. وكان غريباً أن يخرج صحافي مدهش من بلد لا صحافة فيه. لكن مراسل “وكالة الانباء البولونية” الذي يتنقل حول العالم بموازنة فقيرة، جعل صحافة بلاده بين الاوائل في العالم.

بلغ السمعة العالمية عندما أصدر كتابه “الامبراطور” عن الأيام الأخيرة في حياة وحُكم هيلا سيلاسي، النجاشي الذي حكم الحبشة 45 عاماً. بعد وفاته، ذهب كابوشنسكي الى أديس ابابا، والتقى الرجال الذين كانوا حول الامبراطور المدجج بالأوسمة الصدرية وألقاب التعظيم. المنقذ الذي نقل الحبشة من العصر الحجري الى العصر الوسيط. وفي أي حال، الرمز الذي حارب الاستعمار الايطالي، وأبشع أنواع الفاشية.




يروي “الريبورتر” الساحر ماذا فعل الامبراطور عندما قامت حركة تمرد واسعة في اقليم كوجام: “عندما شعر صاحب الجلالة الإلهية بالبلاد تهتز، قام أولاً بإرسال الفرقة الخاصة لقطع رؤوس الفلاحين، ومن ثم أصدر مرسوماً بإلغاء الضرائب الإضافية التي فُرضت عليهم، ووبّخ جلالته البيروقراطيين لعجزهم عن استيعاب وفهم ذلك المبدأ السهل: مبدأ الكيس الثاني. فالناس لا تتمرد أبداً لأن عليها ان تنقل عبئاً ثقيلاً، أو بسبب الاستغلال. فهي لم تعرف ما هي الحياة دون استغلال. بل هي لا تعرف، في الأساس، بوجود مثل هذه الحياة. كيف لهم ان يحلموا بما لا يستطيعون تخيّله؟ إن الناس تثور فقط عندما يحاول أحدهم فجأة ان يلقي على ظهورها حملاً اضافياً، كيساً ثقيلاً ثانياً. عندها سوف يقع الفلاح ووجهه في الوحل، ثم ينهض ويلتقط فأساً. ليس فقط لأنه لا يقوى على حمل الكيس الجديد، بل هو ينتفض لأنه شعر بأنك إذ ترمي على ظهره الكيس الثاني فجأة وخلسة، إنما تحاول خداعه، وأنك تعامله مثل حيوان بلا تفكير. إنك تدوس ما تبقّى من كرامته المخنوقة أصلاً، وترى فيه غبياً لا يشعر ولا يرى ولا يفهم. إن الانسان لا يحمل فأساً للدفاع عن محفظته، بل دفاعاً عن كرامته.

“لذلك، وبّخ الامبراطور الأغبياء على غبائهم. وأبلغهم انه يجب تقسيم الكيس الثاني الى اكياس صغيرة بدلاً من كيس ثقيل، ودفعة واحدة. وهكذا من اجل اعادة السلام الى الامبراطورية، أمرَ جلالته الموظفين بالانصراف الى حياكة الأكياس الصغيرة”.

قبل اكثر من عشر سنين، كتبتُ في هذا المكان، أن اللبناني انتقل من “لا للاستعمار الى لا للاستحمار”. فقد تكون فيه كل نواقص البشر، لكن ليس بينها نقص الفطنة. لم يعد يتحمل مخاطبته وكأنه جسم من تبن ورأس من غشم. ويومها كان الحمل الذي على كتفيه، كيساً أو كيسين.

كم كيساً يحمَّلُ هذا المخلوق اليوم، وكم حملاً وكم عبئاً وكم مسؤولية؟ ويبحث أمامه فلا يجد مسؤولاً واحداً. لا عن انهيار الاقتصاد الذي يطالبنا وزيره بأن نشكره، ولا عن انهيار المال الذي يعدنا حاكمه بأكياس الذهب، ولا عن تدمير البيئة التي لا نعرف مَن هو وزيرها، ولا عن انتهاء عصر الكهرباء وطوماس اديسون، ولا عن إفقار شعب كان ذات يوم في الطريق لأن يصبح سنغافورة.

على الدولة ان تدرس، على الأقل، “مبدأ الكيس الثاني”. تلك هي الحكمة الوحيدة التي تُذكر للإمبراطور، الذي كان يجول العاصمة في سيارته الرولز رويس (واحدة من 27) ويعطي الفقراء المال من النافذة. كان المشهد قميئاً ومفزعاً، مثل مشهد الفقر في اي مكان. أو كل مكان.
يقول أحد المتحدثين الى كابوشنسكي: “ذات يوم حلّت بنا المصيبة. جاءتني زوجتي وقالت لي، بحسّها الأمومي، إننا في خطر. لقد بدأ ابننا، هايلو، يفكر. أخذ يفكر. قبلها كنا نعيش في هناء داخلي كامل والآن يعود هايلو من الجامعة ومعه كل يوم فكرة جديدة. فكرة خطرة عن كيف يعيش الناس في الخارج. وكيف يفكرون. يا إلهي، إنهم يفكرون”.

نحن هنا، لا خوف علينا من هذه الآفة. طريق مستقيم نحو الهاوية. انتحار جماعي متوافَق عليه ومختوم بطابع بريد ميري. ومَن لا ينتحر معنا فهو ليس منا. يسمي الفرنسيون هذه الحالة “نداء الفراغ” Appel du Vide . تتطلع من علو شاهق الى تحت وتدفعك حاسة عمياء الى القفز دون سبب. إغراء الفراغ، والشعور بأنك عائم فيه ولا شيء من حولك. إحساس النفس بأنها وحيدة في المطلق. غير محاطة بعطف أو مسؤولية، وغير مؤملة بشيء، وعارية من الصلة بمعاني الحياة. تصيب هذه المتلازمة الافراد والشعوب، وتعف عنها القطط والثعالب وسائر المخلوقات المدركة للأصول والاعراف وسبل تهذيب الغرائز.

ففي مملكة الحيوان، ليس هناك أطيان وممتلكات وحسابات سويسرية وطبقات، ولا زعامات. هناك فقط “رؤساء فرق” يقودون أسراب الطيور وأفواج الغزلان والثعالب الى الينابيع والمراعي على طرق الامان والسلامة. فقط في الطبيعة وحده سمك السلمون يجري عكس النهر، وينتحر عند الوصول. ما هو تفسير ذلك؟ لا تفسير اطلاقاً سوى انه سمك مجنون. لا أسماك أخرى في مثل دهائه وحبه للاغتراب وحنينه بالعودة الى مسقط رأسه. وإلى الانتحار.

مشابهات؟ مقارنات؟ مقاربات؟ ربما. لا جهد في ذلك. الشبه يأتي من نفسه. كذلك يفعل التاريخ. إنه لا يكرر نفسه اطلاقاً، لكنه يتوالد من جديد. ألف حرب خاضتها أوروبا في ألف عام قبل ان تكتشف ان الوحدة والسلام هما المعادلة الطبيعية للبشر.

في الستينات كنتُ كثير التسكع في اوروبا. وكانت بلجيكا بالنسبة اليّ، بلداً باهتاً على الهامش، وكذلك عاصمتها الكئيبة، وطائراتها الكثيرة الارتجاج. لكنني اكتشفت مع الوقت، أنها اكبر مقبرة عسكرية اوروبية. الجميع خاضوا حروبهم فيها، وفيها هُزم نابوليون بونابرت في واترلو، أشهر معارك التاريخ وأشهر الهزائم. وعندما بحث الاوروبيون عن عاصمة لوحدتهم اختاروا هذه المدينة المنقسمة على نفسها حتى الآن مثل #بيروت. لكنها تكتفي بقسمين وجزءين وحقدين. أي المعدل البشري العادي.

بيروت مسألة أخرى. أمم أمم. وأحقاد من أعمار مختلفة، قبل الميلاد وبعد الميلاد وما بين الميلادين. مدينة من مدن هذا الشرق. او المشرق، بحسب الدقة. وما ادراك ما هذا الشرق الذي يطرد اهله وابناءه عبر العصور، ويراكم منازلهم، ويقصف مخيماتهم، ويولول بالتظاهرات فيما بنيامين نتنياهو يرمّد غزة بـ 450 غارة تقوم بها 150 طائرة في 40 دقيقة. أربعون دقيقة قُصفت غزة كما قصف الحلفاء درسدن الألمانية في نهاية الحرب: القنبلة على الموقع نفسه عشرين مرة.
فلسطين منقسمة لكنها تشتعل برمّتها. وللمرة الأولى ينهض فلسطينيو الداخل. ويشعر أهل الضفة بالحرج والعجز. فيما ترمي غزة بنفسها وبصواريخها رافعة نداء القدس. وفي المقابل يقدم نتنياهو عرضاً حياً Live لمفهومه للتطبيع مع العرب!