هذا السؤال السرمدي: مَن يحكم لبنان؟ – غسان العياش – النهار

في بداية السبعينات، أصدر الباحث الأكاديمي المبدع إيليا حريق كتاباً عنوانه “مَن يحكم #لبنان”. ورغم أن الكتاب يتناول تحليل النخبة الحاكمة في لبنان من مقاربات مختلفة، فقد حرّك عنوانه وقتذاك خيال جيل الشباب الذي غزته الأفكار اليسارية، لأنه كان يهتمّ بالتحليل الطبقي للسلطة الحاكمة.

كان جيلنا يعتقد أن “الطغمة المالية” هي التي تستأثر بالسلطة وتتحكّم ب#النظام السياسي وتسخّره لمصالحها، وبالتالي فإن بين المنظومة السياسية والمنظومة المالية تحالفاً وثيقاً واتّحاداً لا ينفصم. وقد تبيّن مع الوقت ضعف هذه النظرية، فالحكم في لبنان هو بيد زعماء الطوائف والعائلات السياسية ومصالحهم تتفوّق على أيّة مصالح أخرى في النظام.




في الأشهر المنصرمة، عندما بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها، بدا النظام السياسي الفاسد والفاشل على أتمّ الاستعداد للتضحية بالنظام المالي والاقتصادي ومؤسّساته حتى لا يتحمّل هو مسؤولية الانهيار. هذا ما أوحت به المبادرات الآتية من الحكومة ومجلس النوّاب، وآخرها اقتراح قانون “الكابيتال كونترول” المعروض على اللجان النيابية.

إصلاح النشاط المصرفي في لبنان أمرٌ ضروري ومطلوب، لكنه يأتي في سياق الإصلاح السياسي والاقتصادي الشامل، الذي بات مسألة حيوية في لبنان. بل أكثر من ذلك، فلو تمّ تصويب السياستين المالية والنقدية قبل سنوات عديدة لانتظم النشاط المصرفي ودوره في الاقتصاد اللبناني تلقائياً دونما حاجة إلى فرض تدابير زجرية، ولما كانت مشكلة الودائع مطروحة، بهذه الحدّة على الأقلّ.

فالدولة هي البداية والنهاية، وهي المشكلة والحلّ في آن واحد.

من دون تصوّر حلّ شامل للأزمة الاقتصادية، وقبل ظهور بوادر الخروج من المشكلة #الدستورية المستعصية، يفرض مشروع القانون المذكور على المصارف مهمّة مستحيلة بإجبارها على تسديد جزء من الودائع بالعملات الأجنبية المودعة قبل 2016، وبعض الأعباء الخارجية للمودعين مثل نفقات التعليم وأقساط القروض السكنية والضرائب والرسوم للسلطات الأجنبية.

هذه التحويلات هي حقّ طبيعي للمودعين لا جدال فيه، لكن النسبة الكبرى من موجودات المصارف بالعملات الأجنبية هي عبارة عن إيداعات لدى مصرف لبنان وتوظيفات في سندات اليوروبوندز. وعندما تتقدّم كتلة نيابية بمشروع قانون يجبر المصارف على إعادة جزء من الودائع بالعملات لأصحابها من دون حلّ الفجوة في ميزانية مصرف لبنان ومعالجة امتناع الدولة عن تسديد ديونها بالعملات، فهذا يعني أن هذه الكتلة تسعى إلى قانون غير قابل للتطبيق، وكل ما يفضي إليه هو فتح الباب واسعاً أمام سلسلة لا تنتهي من المنازعات أمام القضاء.

إنه “قانون بدون رصيد”، مجرد ورقة مكتوبة بيد المودعين مشفوعة بتوقيع المجلس النيابي لا تساعدهم في استعادة ما لهم من حقوق. هذا القانون إذا صدر يكون نموذجاً حيّاً للمزايدات السياسية وللممارسة الشعبوية في إدارة الشأن العام. والجانب الخطير في اقتراح القانون أنه يعطي المودع حقّاً بسلسلة من المراجعات، يمكن أن تطبّق بختامها أحكام التوقّف عن الدفع، أي الإفلاس، حتى وإن كان المصرف حسنَ النية ولا يملك العملات الأجنبية لتنفيذ القانون.

لبنان الاقتصادي مثل لبنان السياسي هو اليوم على مفترق كبير، إما أن يبقى بعده وإما أن يزول. والاقتصاد بعكس السياسة لا يعالَج بالارتجال والمزايدات والاقتراحات غير المدروسة. وكان حريّاً بأصحاب الاقتراح أن يجعلوا بيان الأسباب الموجبة تحليلاً عميقاً معزّزاً بالأرقام، يرسم صورة الوضع المصرفي والمالي والاقتصادي بكل دقّة. فصوغ اقتراح قانون بهذه الأهمّية يفترض أن ينطلق من فهم دقيق للواقع، وليس من الشعارات.