عندما يكفر الفلسطينيون بالجميع – محمد كريشان – القدس العربي

هل لا حظتم شيئا هذه المرة في ما يجري في فلسطين؟
سواء في غزة التي تتهاوى أبراجها وتقصف مساكنها ويقتل مدنيوها من نساء وأطفال، أو في الضفة الغربية التي يسقط أبناؤها في المواجهات عند الحواجز، أو في الداخل الفلسطينيي أين تقمع مظاهرات الفلسطينيين مقابل ترك الحبل على الغارب لليهود المتطرفين، أو حتى حين حصلت اقتحامات المسجد الأقصى ونظمت الاحتجاجات في باب العامود وحي الشيخ جراح في القدس المحتلة، في كل هذه النقاط الملتهبة منذ أيام لم نستمع هذه المرة إلى تلك الصرخات الاحتجاجية التي يطلقها الناس: أين العرب؟! أين الأمم المتحدة؟! أين حقوق الإنسان؟!.
لقد اختفى هذا التذمر بالكامل تقريبا تاركا مكانه لخطاب آخر مختلف تماما يؤكد على الإصرار على الرفض الكامل للاحتلال والعزم الشديد على مقاومته مهما كان الثمن باهظا. ولا يبدو أن هذا الاختفاء لجمل العتاب التي عهدناها في السابق جاء صدفة بل هو، على الأرجح، تحوّل نوعي في المزاج الشعبي الفلسطينيي.
من آخر تجليات نفض اليد من الجميع والتعويل فقط على النفس هو ذلك الاضراب الشامل أمس في الضفة الغربية والقدس المحتلة والمدن العربية داخل الخط الأخضر والذي شل الكثير من مظاهر الحياة وأوجع الإسرائيليين لأنه مس قطاع المستشفيات والنقل وغيرها وأظهر للجميع أهمية العرب في الدورة الاقتصادية الإسرائيلية.
إنه نفض اليد من الجميع بل والكفر بالجميع، وبهؤلاء تحديدا:

كفرٌ مما يسمى المجتمع الدولي مع هذا التخبط والتعثر في مجلس الأمن الدولي من أجل الخروج بمجرد موقف باهت يدعو إلى وقف إطلاق النار فقد تحول طلب بسيط كهذا إلى نقطة خلاف وجدل مع الولايات المتحدة عطّلت في النهاية إصدار موقف




كفرٌ مما يسمى المجتمع الدولي مع هذا التخبط والتعثر في مجلس الأمن الدولي من أجل الخروج بمجرد موقف باهت يدعو إلى وقف إطلاق النار فقد تحول طلب بسيط كهذا إلى نقطة خلاف وجدل مع الولايات المتحدة عطّلت في النهاية إصدار موقف ما كان في الحقيقة ليقدم أو يؤخر على أرض الواقع شيئا. يضاف هذا إلى كل المرارات السابقة من قرارات دولية لمجلس الأمن والجمعية العامة والمنظمات الدولية المختلفة ظلت كلها حبرا على ورق لأكثر من سبعين عاما ما جعلها أشبه بوصفة طبيب يرفض الصيدلاني صرف أدويتها فلم تعد تعني شيئا. كفرُ من أي دور منصف أو شبه منصف من الادارات الأمريكية المتعاقبة سواء كانت جمهورية أو ديمقراطية وسواء كان الرئيس «موتورا» كدونالد ترامب أو «عاقلا» مثل جو بايدن. وقد عبّر رسم كاريكاتوري بسيط عن هذه المعضلة بتصوير طائرة أمريكية ترمي حممها وليس عليها أي إشارة وأخرى تقوم بنفس الشيء لكنها مزدانة بشعارات مختلفة من قبيل «حياة السود مهمة». لقد خبر الفلسطينيون على مدى عقود الادارات الأمريكية المختلفة فلم تزدد خيباتهم إلا رسوخا.
كفرٌ من الأنظمة العربية جميعها فلم يعد من الوارد التعويل على أي منها خاصة تلك الدول التي كانت في السابق «مفتاحية» فلا مصر ظلت مصر مع ما كان يفترض فيها أن تفعل، ولا المغرب ظل المغرب التي يرأس عاهلها «لجنة القدس» ولا السعودية ظلت السعودية الوازنة القادرة على التأثير، فيما غرقت الدول الأخرى في مشاكلها الخاصة أو في حسابات الربح والخسارة الخاصة بها بعد تطبيع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي وما صحبه من أوهام أن القضية الفلسطينية تراجعت أو ماتت كما أوهمها ترامب وصهره الغر المتعجرف.
كفرٌ من خيار التسوية والتهدئة الذي التزمت به القيادة الفلسطينية طوال العقود الثلاثة الماضية لأنهم لم يلمسوا منه أي تفهم أو استجابة، فإسرائيل زادت إمعانا في استيطانها وانتهاكاتها، كما أن واشنطن والعواصم الغربية الكبرى لم تر في حرص القيادة الفلسطينية على تجنب العنف والرهان على الخيار السلمي ما يستدعي الدعم أو المكافأة، بل إنها لم تتفهم حتى مدى الاحراج التي تجد فيه هذه القيادة نفسها في كل مرة تنفجر فيها الأوضاع حين يزداد انكشاف عقم وعبثية التعامل مع عدو ومجتمع دولي لا يقدران من لم يعد يتحدث سوى بمنطق القانون الدولي وشرعية القضية، دون أن يرفق ذلك بالقوة اللازمة التي وحدها تجلب المهابة والاحترام.
مقابل كل ما سبق، ظهر أن المجتمعات العربية ما زالت تنبض بالحياة وحب فلسطين رغم صعوبة الوضع الداخلي للكثير منها ورغم سياسات التيئيس التي سادت في أكثر من بلد. لقد اتضح أن ضمير هذه المجتمعات لم يمت كما مات ضمير حكامها، ولهذا نظمت فعاليات شعبية وخرجت المظاهرات في بغداد والرباط وتونس والكويت والدوحة وعمان. بعض المجتمعات الغربية لم تكن كذلك كحكوماتها ولهذا خرجت مظاهرات في لندن وبرلين وأمستردام وباريس التي سارعت إلى قمعها بطريقة غريبة مستنكرة. كما برزت هذا الأيام أهمية مواقع التواصل الاجتماعي في نشر الوعي العالمي بالقضية والتضامن معها بعد أن غمرتها في السنوات الماضية التفاهة التي أرادت عديد الحكومات العربية إرساءها «ثقافة وطنية».
وإذا ما استمرت مختلف أوجه الكفر السابقة وازداد الوعي بأهمية تغذية ورعاية مؤشرات التفاؤل الأخيرة، فالفلسطينيون بالتأكيد على درب النصر بعدما أمسكوا قضيتهم بأيديهم ورموا جانبا بكل الأوهام.