تجار المال في لبنان.. تحقيق يكشف خيوط المؤامرة

في بلدان عدة حول العالم، يتم التداول بالشيك المصرفي في إطار التداولات المصرفية، لكن في لبنان تحوّل إلى وسيلة يقول اقتصاديون إن المصارف تستخدمها لتلغي أكبر قدر ممكن من ديونها من حساب الناس وودائعهم، وسيلة في الظاهر تبدو عفوية، ولكن التعمّق فيها يكشف أنها منظمة كثيراً ونتائجها خطرة، ومن يتحكم بها معروفون بالرغم من تصريحاتهم الكثيرة التي تحاول إبعاد التهمة عنهم، وهو ما خلص إليه هذا التحقيق الاستقصائي.

وحاول موقع “الحرة” تفكيك هذه العملية منذ بدئها حتى يومنا هذا، فنجحنا في الوصول إلى معلومات وأدلة تضع المشكلة في موقعها الصحيح، والمسؤولية لدى من هم فعلاً مسؤولون عن الواقع الذي جعل اللبناني يخسر أكثر من 75 بالمئة من ودائعه نتيجة لسياسات مالية، تبيّن أنها مرسومة لتستغل الأزمة لصالح المصارف ومن خلفهم مصرف لبنان.




المصارف لم تسلم من غضب اللبنانيين.
المصارف لم تسلم من غضب اللبنانيين.

والمعلومات التي تُعرض في هذا التحقيق، ليس فقط تُشير بالمباشر إلى المُسبب والمُخطط، بل أيضاً إلى المستفيدين وهم كُثر، من مصارف وتجار وناس عاديين.

كثيرون شاركوا فيما يُسميه اقتصاديون “المؤامرة”، منهم عن سابق إصرار ومنهم من أجل ربح سريع ولو على حساب الناس. ويخلص التحقيق ليدلل بالأدلة والوقائع إلى أن أحزاب وسياسيين استفادوا من التعاملات بالشيكات “ليجنوا أكثر ويبتزوا أكثر”، وكيف استفادوا من كل هذا الواقع.

أكثر من ذلك، ولعلّ أهم ما في كُل عملية الشيكات المصرفية أنها فتحت الباب كي يتحول البلد إلى مساحة لتبييض الأموال، ومن المُستفيد؟ أيضاً كُثر، فلبنان وكما سيظهر في التحقيق، صار مكشوفاً لكُل عصابات التبييض، وقانون مكافحة تبييض الأموال ومحاربة الإرهاب وُضع في الدُرج عن قصد، يبدو، لأن الدولار ضرورة للجميع، بغض النظر كيف يأتي.

وبات “الشيك المصرفي” واحداً من مصطلحات زمن الأزمة المالية في لبنان، إذ اقتحم قاموس العامة في البلاد منذ العام 2019 (تحديداً احتجاجات 17 أكتوبر)، ولا يزال حتى يومنا هذا.

سريعا، تحول الشيك المصرفي إلى عملة ثالثة متداولة في البلاد إلى جانب الدولار والليرة، يصرف وفقاً لقيمته بما بات يسمى الـ”لولار”، وهو يعني مزج الليرة والدولار أي قيمة الودائع المصرفية المحتجزة بالدولار في السوق السوداء بحسب سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار.

الأزمة المصرفية تسببت بظهور مجموعات لتداول الشيكات المصرفية.
الأزمة المصرفية تسببت بظهور مجموعات لتداول الشيكات المصرفية.

وتحوّل الشيك المصرفي (وهو يصدر عن المصرف بقيمة الوديعة كاملة أو جزء منها) كخيار أمام من يريد سحب ودائعه من المصارف بقيمتها الكاملة أو بقيمة تتخطى سقوف السحوبات المحددة من قبل المصارف شهرياً، وذلك بعد الأزمة المالية التي تسببت بأزمة سيولة وفقدان ثقة بالقطاع المصرفي، أدى إلى تهافت المودعين على سحب أموالهم.

والسؤال الذي يطرحه كُثر، هو كيف وصلنا إلى أن يكون هذا الشيك المصرفي عملة بحد ذاته.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي وكبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس، نسيب غبريل، إن “هناك أزمة سيولة في البلاد وأزمة ثقة بدأت منذ سبتمبر 2019، وأدت إلى تراجع حاد في تدفق السيولة إلى القطاع المصرفي، كونه لا تنوع في مصادر تمويل الاقتصاد اللبناني. وبالتالي عندما انخفض تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان إضافة إلى تهافت المودعين لسحب الودائع ما أدى إلى أزمة سيولة، وحينما عجزت الناس عن إرسال الأموال إلى الخارج وتحددت عمليات السحب اختارت أن تستثمر في ملاذات معينة كالقطاع العقاري”.

ويُضيف: “المصارف لا يمكنها أن تمنع الناس من سحب أموالها عبر شيكات لشراء عقارات وتملّك أراضي أو دفع ديون أو الناس تأخذ الشيك عند الصراف إذا أرادت سيولة، وهذا حقها”.

الشيك المصرفي.. خيار وحيد

حين بدأ التعامل بالشيك المصرفي أواخر 2019 ومطلع 2020، كان الواقع يُحتم مثل هذا التوجه، إذ بعد أن بدأت المصارف في تقنين السحوبات التي يُمكن للمودعين أن يقوموا بها، وتطور الأمر لاحقاً إلى إيقاف عمليات سحب الأموال بالدولار، بات التعامل بالشيك المصرفي وسيلة وحيدة أمام المودعين كي يحصلوا على أموالهم أو جزءاً منها، والتي توجت بتعميم مصرف لبنان رقم 151 الذي حدد كيفية السحب بالعملات الأجنبية حصراً بالعملة الوطنية، وعلى سعر صرف يوازي 3900 ليرة.

كان يمكن للمودع في 2020 أن يسحب من حسابه المصرفي بالدولار، ما يتراوح قيمته بين 500 دولار و3 آلاف دولار شهرياً بحسب قيمة وديعته، شيئاً فشيئاً، صارت الضغوط تتزايد والضوابط تكبر.

حسن، لديه حساباً في بنك لبنان والمهجر، بقيمة 16 ألف دولار، كانوا يسمحون له بداية الأمر أن يسحب ألف دولار شهرياً، ثم 500 فقط إلى أن وصل الأمر بالمصرف إلى التوقف عن إعطائه أي مبلغ بالدولار والاكتفاء بالسماح له بسحب ما يعادل 500 دولار بالليرة اللبنانية شهريا، على سعر 3900 ليرة للدولار الواحد.

لبناني يرفع لافتة تنعت حاكم مصرف لبنان باللص.
لبناني يرفع لافتة تنعت حاكم مصرف لبنان باللص.

بطريقة أخرى، يقول حسن إنه في هذه الحال، رأى أنه سيخسر من وديعته ما يُقارب 50 بالمئة طالما سعر الصرف في السوق السوداء كان يوازي 8 آلاف ليرة للدولار الواحد.

ويُضيف: “الخسارة تكبر إذا ما فكرت أن السحوبات محدودة ومضبوطة شهرياً وسعر الصرف بالسوق السوداء يرتفع سريعاً، وبالتالي عامل الوقت سيجعلني أخسر من قيمة أموالي أكثر من 50 بالمئة، وبالتالي فكرت سريعاً بأخذ ما تبقى من أموال بشيك مصرفي استطعت بيعه آنذاك بقيمة 50 بالمئة، وبالتالي حديت من خسائري على المدى البعيد”.

يُذكر أن في لبنان ومنذ بدء الأزمة، هناك أكثر من سعر صرف واحد، فالثابت أن سعر صرف الدولار في مصرف لبنان والتعاملات الرسمية لا يزال 1507 ليرات للدولار الواحد، فيما يبلغ قيمة الدولار بحسب التعميم 151 والذي يعتمده الصرافون 3900 ليرة، بينما يتراوح اليوم سعر الصرف في السوق السوداء بين 12200 ليرة و12500 ليرة للدولار الواحد.

هيركات ضخم

ولكون هذه الشيكات تمثل قيمة أموال محتجزة في المصارف مجهولة المصير وتخضع لسقوف سحب محدودة، فإن الشيك المصرفي عكس منذ بداية المتاجرة به قيمة متدنية للودائع بدأت بقيمة 80 بالمئة منها، وانتهت اليوم بعد سنة 8 أشهر بنسبة 25 بالمئة أي بخسارة 75 بالمئة من قيمة الودائع في السوق السوداء.

هذا الانخفاض هو في الحقيقة نوع من أنواع الهيركات التي باتت تطال المودعين بنسبة ضخمة تتجاوز الـ 75 بالمئة، مع ما يمثله ذلك من كارثة على مصير ودائع اللبنانيين وقيمتها الفعلية في السوق، وانتهاك لحقوق المودعين.

يقول عضو رابطة المودعين، نزار غانم، “خلق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من خلال تعاميمه وخاصة من خلال إبقاء الصرف الرسمي كما هو ومن ثم منصة الصرافين 3900 وسعر آخر مع البنك الدولي 6300 ليرة وسعر السوق السوداء 12250 ليرة اليوم نوعاً من المضاربات التي تعتمد على أن الناس تريد أن تخرج أموالها من المصارف والسؤال كم هم مستعدون ليخسروا من أجل إخراج أموالهم.. اليوم أي أموال ستدخل إلى البلد ستكون خاضعة لعدد غير متناهٍ من “الهيركات” وبشكل غير مباشر وهي مصممة بشكل أن السوق هو من يفرضها وهي نوع من الهندسة المالية المعكوسة هدفها تخفيض الديون على المصارف”.

بعض الأثرياء اللبنانيين تمكنوا من سحب مبالغ كبيرة وإرسالها إلى الخارج
حاكم مصرف لبنان في مرمى الاتهامات.

ويرى الصحافي المتخصص بالشأن الاقتصادي، جاد غصن، أن “النتيجة النهائية لظاهرة تجارة الشيكات كانت بدليل الترويج والتحضير والتسهيل، جزءاً لا يتجزأ من الهيركات غير المعلن الذي جرى تطبيقه على ودائع اللبنانيين”.

وهذا الـ “هيركات” غير المعلن يستهدف بطبيعته المودعين “الأكثر حاجة” للجوء إلى سحب ودائعهم بموجب شيك مصرفي ليحصلوا على نحو 25 بالمئة من قيمته فقط، مدفوعين بضغوط الأزمة المعيشية والانهيار الاقتصادي، وبالتالي حاجتهم لإنقاذ كل ما يمكن إنقاذه من أموال يحتاجونها في ظل محدودية السحوبات مقابل ارتفاع الحاجة للأموال النقدية.

هؤلاء المودعون، ولا سيما الصغار منهم، دفعوا ضريبة حبكة معقدة من حبكات السياسات المالية التي تحقق مصلحة المصارف ومصرف لبنان، استفاد منها شبكة من المنتفعين الرئيسيين على رأسهم القطاع العقاري والمطورين العقاريين، المرتبطين عضويا ومالياً بالمصارف، السماسرة والصرافين، المؤسسات التجارية والتجار من فئة مستوردي السلع المدعومة من مصرف لبنان، وليس انتهاء عند أحزاب سياسية ومبيضي أموال، بحسب ما يُجمع عليه الخبراء الاقتصاديون الذين تحدثنا إليهم.

العقارات.. كوجهة أولى

نبيل، لبناني مغترب يعمل في دولة خليجية، وكان يُرسل أمواله إلى لبنان. لديه في حسابه ما يُقارب 500 ألف دولار، حين بدأت الأزمة شعر أن جنى عمره سيتبخر.

أتى سريعاً إلى لبنان ليحاول أن يحد من خسائره. أدرك أنه خسر بكل الأحوال ولكن خسارة عن أخرى قد تفرق كثيراً. بحث عن سبيل لإخراج أمواله، فلم يجد إلا السوق العقاري وسيلة ليسحب وديعته ويحولها إلى أصول عقارية.

يقول نبيل: “اشتريت شقة بقيمة 230 ألف دولار من خلال شيك مصرفي، وأخرى أيضاً بالقيمة نفسها. لكن المفارقة أن حجم الأولى هي ضعفي الثانية، وبالتالي لا يُمكن تحديد فعلياً حجم الخسارة التي تكبدها لأنه أيضاً لا نعلم قيمة كُل شقة إذا ما أردنا أن نبيعها نقداً”.

ويضيف: “كان السوق العقاري وسيلة للحد من الخسائر ولكني خسرت، هذا الثابت بغض النظر عن النسبة”.

كان السوق العقاري الخيار الأوّل والأسهل أمام المودعين كي يُحصّلوا ما أمكن تحصيله من أموالهم المحجوز عليها. يقول غصن: “إدارة هذه التجارة وتسهيلها بدأت من مصرف لبنان. بداية كانت تصلح هذه التجارة لو بقيت في القطاع العقاري الذي لا يمكن نقله كملكية أو كأصول مالية خارج البلاد، وبالتالي قيمته محصورة في داخل البلاد، ولا إشكال في ذلك لكون الأموال لا تخرج من لبنان، ولكن تجارة الشيكات وبيعها توسع بسبب فروقات سعر الصرف، والقيود على السحوبات، التي يتحكم بها عموماً مصرف لبنان”.

ويضيف: “البنك لا يستفيد من قيمة الشيك النقدية أو الفعلية وليس مهتماً بأن يدخل إلى حساباته المزيد من الشيكات بالدولار، وإنما يستفيد من كون عملية تجارة الشيكات تنتهي لديه بإيفاء القروض المتعثرة، كما حصل مع القطاع العقاري حيث كان الشيك وسيلة دفع ديون الشركات العقارية المتعثرة للمصارف. وبالتالي المصارف تكون قد حصلت ديونها المتعثرة وشطبت عن نفسها من أموال المودعين المطلوبة منها بالدولار”.

إذاً، حين بدأ سوق الشيك المصرفي بالتوسع، استفاد العاملون في السوق العقاري من هذه التجارة بشكل كبير. كيف؟ مثلاً بالعودة إلى ما قام به نبيل حين اشترى الشقتين، فإنه أخرج أمواله من خلال الشيك، الذي استفاد منه صاحب العقار عبر أخذه مباشرة إلى المصرف ليُسدد دينه من خلاله، وبالتالي المستفيد الأكبر كان مالك العقار وتجار العقارات، الذين سددوا قروضهم من خلال هذه العملية.

حينها أيضاً، قامت الشركات العقارية بحملات إعلانية كان القصد منها تشجيع المودعين على شراء العقارات من خلال الشيكات المصرفية، لتستفيد هذه الشركات عبر تسديد ديونها للمصارف.

كذلك كان للمصارف دورها في هذه العملية، أي تشجيع التعامل بالشيك المصرفي، إذ يقول غصن: “المصارف دخلت هذه التجارة وباتت طرفاً فيها من جهة، وتابعت عملية تشجيع هذه التجارة من خلال إجراءات كالتي اتخذها سابقاً بنك عودة مثلاً حيث سوق لإمكانية فتح حسابات بالدولار مضاعفة 4 مرات عن قيمة الإيداع النقدي بالدولار، فمثلا كان يمكن فتح حساب بقيمة 40 ألف دولار في المصرف مقابل 10 آلاف دولار نقدي. هذه الإجراءات ساهمت بشكل كبير في تعميم تجارة الشيكات المصرفية، حيث لجأ المودعون إلى هذا الخيار من أجل شراء عقارات وأراضي بموجب شيكات مصرفية مضاعفة في قيمتها”.

يقول غبريل: “القطاع المصرفي موّل المشاريع العقارية والقروض السكنية خلال السنوات الماضية، والقطاع العقاري كان المستفيد شبه الوحيد خلال الأزمة، بعدما تراجعت المبيعات بنسب كبيرة خلال السنوات الـ4 الماضية في ظل مديونيتهم للمصارف، ما جرى حين ازداد الطلب على الشقق السكنية في 2019 – 2020 كان القطاع العقاري يقبل الشيكات من الناس ليسددوا قروضهم، ومن هنا استفادت المصارف بتخفيف حجم الودائع وحجم استدانة القطاع الخاص منها”.

يختصر الصحفي الاقتصادي، محمد زبيب، هذا الأمر كالتالي: “أصبح هناك عملية هروب من الوديعة إلى العقار. فاعتبر عدد من المتاجرين بالعقارات المبنيّة أو غير المبنيّة أن الشيك يؤمن لها إمكانية نقل استثماراتها من شيء ثابت جامد اسمه العقار أو البناء إلى نقد، ضمن وهم حلّ الموضوع مع المصارف لاحقاً، فقاموا بتسييل عقاراتهم من خلال الشيكات. فأصبح بإمكانك الذهاب إلى المصرف وأخذ عقار بقيمة الوديعة الموجودة باسمك بدل أن يعطيك شيكّاً”.

مستفيدون بالجملة

ولم يكن القطاع العقاري وحده من استفاد من هذه العملية. تقريباً كل من هو مديون إلى المصرف من أفراد ومؤسسات استغلوا الفرصة ليسددوا ديونهم بشكل مُخفض، يصل أحياناً إلى 20 بالمئة من قيمة قروضهم.

حاولنا البحث عن أشخاص ومؤسسات استفادت من هذا الواقع. وصلنا إلى صاحب إحدى المؤسسات التجارية المستوردة لقطع السيارات. يروي أنه بالرغم من تراجع الطلب ومحدودية السوق بسبب الواقع الاقتصادي، فإن وضعه المالي أفضل بكثير مما كان عليه قبل الأزمة. كيف؟ يقول: “اليوم أنا أعمل بنسبة 30 بالمئة مقارنة بعام 2018 لكن الفارق أنني استطعت تسديد كُل الديون المتراكمة على المؤسسة. في السابق كنا نعمل تحت ضغط القروض التي وصلت إلى 8 مليون دولار للمصارف المحلية. أما اليوم فلا ديون على المؤسسة، بعد أن قمنا بتسديدها مستفيدين من فارق الدولار، بحيث سددنا 8 مليون دولار بما لا يتجاوز المليون دولار”.

ماريا، تبلغ من العمر 30 عاماً، مخولة بالتصرف بحسابات شقيقها الموجود خارج لبنان. حساباتها وحسابات شقيقها في المصارف المختلفة يبلغ عددها 6، كانت منذ بدء الأزمة عاطلة عن العمل فتحولت إلى تجارة الشيكات. كيف؟

بدأت بسحب المبلغ المسموح به شهرياً من كل حساب والمحدد بألف دولار على سعر صرف 3900 ليرة، أي ما يقدر بـ 3 ملايين وتسعمئة ألف ليرة من كل حساب، هذا المبلغ كان يخولها شراء شيك مصرفي بقيمة 1300 دولار على أساس أن سعر الدولار في تعاملات الشيكات يساوي 3000 ليرة. ثم تعود لتضع الشيك في حسابها المصرفي محققة أرباحاً بقيمة 300 دولار وبإمكانها سحبها لاحقاً على سعر 3900 ليرة، وإذا ما حسبنا هذه العملية على الحسابات الستة التي تملكها، تكون ماريا قد حققت ربحاً شهرياً يوازي 1800 دولار على سعر صرف 3900 ليرة، أي ما يوازي 7 مليون ليرة.

جمعية المصارف لم ترد على استفساراتنا.
جمعية المصارف لم ترد على استفساراتنا.

تقول ماريا: “بهذه الطريقة أنا التي كنت عاطلة عن العمل صار بإمكاني أن أجني ضعف ما كنت أجنيه حين كان لدي وظيفة ثابتة، وبالتالي صارت وظيفتي اليوم هي التعاملات المصرفية من خلال الشيكات”.

هذا المثال، يُمكن أن يُطبق على أصحاب الحسابات الكبيرة أيضاً. جهاد وهو تاجر في البقاع عمل كماريا في تجارة الشيكات ولكن بسقوف أعلى لأن حساباته تخوله أن يسحب من كل مصرف ما يوازي 4 آلاف دولار ليقوم بالعملية نفسها التي قامت بها ماريا وليستفيد بربح يوازي 4 أضعاف ما تجنيه ماريا، أي 28 مليون ليرة شهرياً.

المصارف تدخل السوق السوداء

من هنا، توسعت سوق الصرافة، ليدخل الصرافون إلى عالم الشيكات المصرفية من الباب الواسع. سوق قائمة بذاتها. مجموعات على تطبيقات مختلفة، تفتح صباحاً على سعر وتُقفل على آخر، تتحكم بها عوامل عدة، من الواقع الاقتصادي وصولاً إلى السياسي، والأهم دور المصارف في تحديد سعر الصرف في عالم الشيكات كونها وكما سنكتشف خلال بحثنا أنها المستفيدة الأولى من هذه التجارة، ولو كانت هي مشتركة فيها بطريقة غير مباشرة.

ولمحاولة كشف خبايا هذه السوق القائمة بذاتها، وصلنا إلى مجموعات منظمة تعمل في صرافة الشيكات. معظمها يستخدم تطبيقات مثل واتس آب وسيغنال وتيليغرام.

وتواصلنا مع من يدير هذه الحسابات ومع كبار الصرافين في هذه المجموعات والذين يتحكمون بطريقة أو بأخرى بعملية التجارة. بالنسبة لهم، هم وسطاء بين المصارف والمودع. أي أنهم يعتبرون أنهم يؤمنون للمصرف شيكات يغطي فيها القروض المتراكمة وفي الوقت نفسه يساعدون المودعين في تسييل أموالهم وفي بعض الأحيان في سد القروض المتراكمة عليهم، وهذا الواقع ينطبق كثيراً على التُجار.

ويعمد الصرافون، عبر هذه المجموعات، إلى عرض ما لديهم من شيكات وأي مصارف تطلبها ومن يُريد أن يشتري من خلال الدفع النقدي، مقابل الاستحصال على الشيك بأضعاف قيمته.

يقول أحمد (صرّاف سوق سوداء) إن “غالبية التُجار وخاصة الذين يستوردون من الخارج السلع المدعومة، كانوا يستفيدون من تجارة الشيكات من خلال الاستحصال عليها من صرافين السوق السوداء مثلنا أو مباشرة من مودعين يريدون بيع ودائعهم، أي أنهم يشترون الشيك بقيمة السوق والتي غالباً ما تكون متدنية جداً ويقومون بتحويلها إلى حساباتهم لاستيراد السلع من الخارج بالقيمة الفعلية للدولار المدعوم من مصرف لبنان، وبالتالي يستغلون الدعم لمصالحهم الخاصة، وذلك بشكل مضاعف”.

ويضيف: “المصارف باعت شيكات لكي تحصل على سيولة بالدولار. والسبب الرئيسي لقفزة سعر صرف الدولار في الآونة الأخيرة هو قيام المصارف بسحب الدولار من السوق من خلال بيع الشيكات، ليقوموا برفع رساميلهم وفقاً لتعميم مصرف لبنان الذي طالب المصارف رفع رساميلها بالعملات الأجنبية، وهذا ما أدى إلى أن يصل الدولار في وقت من الأوقات إلى 15 ألف ليرة”.

وكان مصرف لبنان قد أمهل المصارف إلى 28 فبراير 2021 لتطبيق التعميم الرقم 154، الذي يفرض على المصارف زيادة رأس مالها بنسبة 20 بالمئة، وتأمين نسبة 3 بالمئة من مجموع قيمة الودائع بالعملة الأجنبية في حساباتها لدى المصارف المراسلة (المصارف الأجنبية التي تتعامل معها المصارف) تحت طائلة وضع مصرف لبنان اليد عليها وتصفيتها أو البحث في دمجها بمصارف أخرى.

يقول الصحفي الاقتصادي، محمد زبيب،: “إذا نظرنا لأرشيف أي مصرف، لن نرى ما يشير إلى العلاقة بينه كمؤسسة أو شركة والصراف كمؤسسة أو شركة، لأن العملية دائماً تتمّ بواسطة أفراد من داخل المصرف والصرافين، مثلاً مدير من داخل البنك، إن كان بتصرف فردي أو بتكليف من البنك، يفتح علاقة بينه وبين الصراف ويجروا هذه العملية كأفراد. لا يُظهر المصرف علاقته هذه مع الصراف، لكنه لا يحق له رفض الشيك”.

من الصعب إيجاد رابط محسوس بين المصارف والصرافين في عملية الشيكات وصرفها، إذ أن هذه العمليات يتم إبرامها خارج أسوار المصارف، ولكن بعد البحث والسؤال وصلنا إلى مدير أحد أفرع أكبر المصارف اللبنانية الذي اعترف أنها مشتركة في هذه العملية بشكل كبير ولكن غير ظاهر.

ويقول: “المصارف فعلياً اعتمدت هذه الطريقة لكي تدخل الأموال وتُلغي الديون ولكن أيضاً توجهت للموظفين لكي يقوموا بهذه العملية فتحولوا إلى صرافين أيضاً يأخذون عمولة على كل عملية”. لماذا؟ برأيه، “بهذه الطريقة ضمنت المصارف ولاء الموظفين لأنها أعطتهم مصدراً إضافياً للأموال من دون أن تتكبد زيادة في الراتب واشترت ولاءهم وأيضاً أبقت على عملية شراء الشيكات تحت أعينها وبإدارتها”.

كذلك، وبحسب المدير نفسه، “استفاد الموظفون والمدراء من قدرتهم على سحب الأموال بسبب الاستثناءات التي يقدمها لهم المصرف من العمولات وسرعة تقاضي هذه الشيكات”.

في الإطار نفسه، يؤكد الخبير الاقتصادي، وليد أبو سليمان، أن “هناك تعتيماً حول ممارسات ارتكبتها المصارف في وقت سابق، حيث يقول لك المصرف مثلاً أنا أفتح حساباً لزبون ما (كواجهة) وأصدر له شيكاً بمليون دولار، فيذهب ليصرف هذا الشيك في السوق السوداء ويعود بالمبلغ النقدي، وهذه الطريقة اعتُمدت في الفترة التي سبقت موعد التعميم الذي أصدره سلامة وأجبر من خلال المصارف على زيادة رساميلها بما يوازي 3 بالمئة لدى المصارف المرسالة في الخارج”.

ويقول: “كانوا يشترون الدولار من السوق بواسطة مدراء لديهم أو أفراد مقربين، يشترون الشيك ومن ثم يصرفونه. ولكن المشكلة هنا أن هذا الشخص يأخذ الشيك ويعود به إلى المصرف في نهاية الأمر. بمعنى أنهم يعيدون الشيك إلى المصرف وبما أنهم يعيدونه بهذه الطريقة، يستطيع كمساهم أن يلغي دينه على المدى الطويل وأن يخفف ما يسمى الأعباء التي عليه، وبين سحوبات الـ 3900 وشيكات مصرفية فإنهم يلغون ديونهم”.

أيضاً، وفي متابعة لما كانت تفعله المصارف في هذا السياق، تبيّن أنها كانت تقوم بإصدار شيكات مصرفية دون تحديد محدد المستفيد الأوّل أو المستفيد الوحيد منها لكي يبقى من يقبض الشيك مجهول، وبالتالي منح الصرافين هامشاً واسعاً من الحركة في عملية التداول التي يقومون بها.

ويتحدث أبو سليمان عن عملية شطب ودائع قامت بها المصارف عبر إصدار شيكات يقبضها الصراف، ثم يعود ويعطيها للمصرف مقابل عمولة. يقول: “لا أتهم أحداً، ولكن أذكر أنهم كانوا يقولون في العلن أحضروا “فريش دولار” من الخارج ونعطيكم بالمقابل ضعف أو ضعفي المبلغ، ومصرف عودة كان أول من قام بهذا العرض من خلال إعطائك 2200 دولار تقريبا مقابل 1000 “دولار فريش” من الخارج. أي أنهم كانوا يخلقون ديناً إضافياً عليهم. ولنفترض أنني صاحب المصرف، أخلق ديناً عليّ، مثلا أحرر شيك بـ 2000 أو 200 ألف دولار، وأرسله للصرّاف، بهذه الطريقة الصرّاف يخصمه وأضعه أنا وأخلط بين كل الودائع وبذلك أكون قد ألغيت دين 200 ألف دولار عن المصرف”.

عرضنا ما قاله أبو سليمان على مدير أحد المصارف، فأكد لنا أن الكثير منها اعتمدت هذه الطريقة لكي تؤمن “الفريش دولار”.

ومن الأمثلة التي تدلل بشكل واضح إلى ما تقوم به المصارف، واقعة مصرف BBAC الذي شهد فرعه الرئيسي في منطقة الحمراء في بيروت، ديسمبر الماضي، إشكالاً كبيراً بين الصرافين داخله، بسبب شيكات مصرفية يبيعها المصرف للصرافين.

وكان المصرف فتح فروعه كافة لاستقبال الصرافين لبيعهم الشيكات، مما أدى إلى زحمة صرافين في المصرف وغيّر وجهة عمله من الأعمال المصرفية إلى أعمال الصرافة، ليتبين أن المصرف يقوم ببيع أموال خاصة به على شكل شيكات الى الصرافين ليقبضها من الصراف نقداً بهدف تحويل قسم من أصوله إلى أموال نقدية (فريش دولار).

كيف تستفيد المصارف؟

السؤال الأهم، لماذا تقوم المصارف بهذه العملية، أي التسهيل والمشاركة في سوق الشيكات المصرفية؟

يقول زبيب: “بالنسبة لحسابات المصارف، لقد استفادت من أمرين، لتخفيف مشكلاتها وليس إنهائها. فهي تخلّصت من جزء من الودائع من خلال تسديد القرض سواء عن طريق الوديعة أو الشيك وفي الوقت نفسه تخلّصت من القروض. لنفرض أنني المصرف، وعلي مطلوبات أي ودائع بقيمة مليون دولار ولدي قروض بقيمة 50 مليون دولار، بأزمة السيولة الموجودة في المصرف، علي أنا كمصرف 100 وأريد من الناس 50، عملياً لدي فجوة بقيمة 50 مليون دولار. عندما أغلق قروضاً من خلال الودائع والشيكات هي أيضاً عملية صرف ودائع، فعلياً لنفترض أنني ألغيت 10 مليون دولار بهذه الطريقة، بالتالي تكون قد انخفضت المطلوبات لدي 10 مليون وبالمقابل انخفضت القروض أيضاً 10 مليون. أي أن الثقل قد انخفض لكنه لم يلغ، لا نستطيع أن نلغيها، لأن الفجوة إجمالية على القطاع ككل وليس بالمفرد. من خلال حسبة بسيطة جداً، المصارف وضعت 77 مليار دولار بالدولار لدى مصرف لبنان، مصرف لبنان يكذب بالقول إن ما زال لديه 16 مليار. هناك فجوة قيمتها أكثر من 60 مليار. ولكن طبعاً نحن لا نعلم حقيقة إذا كان الرقم الذي يعلنه مصرف لبنان صحيحاً، فقد يكون المبلغ 2 أو 3 مليار!”.

بدوره، يقول غصن: “البنك لا يستفيد من قيمة الشيك النقدية أو الفعلية وليس مهتماً بأن يدخل إلى حساباته المزيد من الشيكات بالدولار، وإنما يستفيد من كون عملية تجارة الشيكات تنتهي لديه بإيفاء القروض المتعثرة، كما حصل مع القطاع العقاري حيث كان الشيك وسيلة دفع ديون الشركات العقارية المتعثرة للمصارف. وبالتالي المصارف تكون قد حصلت ديونها المتعثرة وشطبت عن نفسها من أموال المودعين المطلوبة منها بالدولار”.

في المقابل، للمصارف رواية أخرى، منعزلة عن السبب الذي دفع بالناس للحصول على ودائعها من خلال الشيكات وبخسارة كبيرة من قيمتها، فبرأي غبريل: “المودعون قرروا فرادى ماذا يفعلون بودائعهم، هناك من قرر التملّك وهناك من اختار أن يفي ديونه وقروضه، أفراد ومؤسسات وشركات، وهكذا تراجعت الودائع في المصارف بين العام 2019 وأواخر 2020 بما قيمته 35 مليار دولار، وتراجعت في المقابل أيضاً القروض والتسليفات للقطاع الخاص بنحو 15 مليار دولار”.

يضيف: “الناس تأخذ الشيك عند الصراف إذا كانت تريد سيولة، وهذا من حق المودع، وإذا شركات لديها قروض بالدولار وليس لديها الودائع الكافية لكي تسدد القروض تتوجه إلى السوق لتشتري الشيك. أنا كمصرف لا علاقة لي بالصرافين والمودع وصاحب القرض”، إلا أن الثابت أيضاً، بحسب غبريل، أن كل هذه العملية أدت إلى نتيجة واحدة وهي “تراجع الودائع وتراجعت التسليفات أيضاً، هذا يسمى إدارة مخاطر من الجهتين وتصب في مصلحة الطرفين، الشركات والمصارف”.

الرقابة.. الواقع.. القانون

تتذرع المصارف بأن لا علاقة لها بما يجري في السوق السوداء، علماً أن كل المؤشرات والمعطيات التي حصلنا عليها وعرضنا لجزء كبير منها وفيها اعترافات من مدراء مصارف تُثبت أنهم جزء من هذه اللعبة، التي تعود بالفائدة عليهم. إنكار تورط المصارف في هذا السوق يُبعدها عن شُبهات انتهاكها للقانون، ولكن حتى في هذا المجال فهي ترى أنها لا تخرق القانون حتى لو كانت جزءاً منه. فأين القانون وأين لجنة الرقابة على المصارف مما يجري؟

يقول أبو سليمان: “لجنة الرقابة على المصارف لا تقوم بدورها بحماية المودعين. حين يأخذ الصراف الشيك. يودعه بالمصرف والمصرف يشطبه، بأي موجب عمّم المصرف شطب هذا الدّين؟ هل شطبه لأن الصرّاف وضعه في حسابه أو في حساب طرف ما ممن يدورون في فلك المساهمين؟ هذه هي الفكرة التي يتمّ التعتيم عليها”.

والتعتيم بحسب أبو سليمان أسبابه واضحة: “لجنة الرقابة على المصارف لا تزال تعيّن من قبل جمعية المصارف التي لها علاقة بالنفوذ السياسي، والكل يعلم عن الترابط بين السياسيين والمصارف. ولكن لا يوجد أي حجة تقنية وراء عدم قيامها بدورها. في القانون قد تقول اللجنة إن هذه العمليات ترتد على المصارف. هناك فجوة لا نستطيع التقاطها”.

“سد الديون عملية طبيعية. المقترض يرد دينه عبر شيك مصرفي والمصرف يخفف الموجودات. ولكن العمليات التي يقومون بها مع الصرافين يجب أن تعلم بها لجنة الرقابة. كما حصل عندما انتشرت أخبار أنهم سحبوا الدولار من السوق ليرسلوها إلى الخارج. لم تتحرك الرقابة، بالرغم من أنها الجهة الوحيدة التي تستطيع أن تعلم إذا كانوا فعلاً اشتروا الدولار من السوق وشحنوه إلى الخارج. عملياً ليس لهم الحقّ أن يقوموا بها، لأنه اخلاقياً كمصارف عندما يصبح لديهم دولارات، أضعف الإيمان أن يردوا أموال المودعين”. والكلام لأبو سليمان.

يُنظم ويُحدد قانون النقد والتسليف التعاملات المصرفية وأحكامها. لكن هل فعلياً يتم تطبيق القانون فيما خص التعاملات بالشيكات المصرفية؟ يقول زبيب: “كل العلاقات المصرفية اليوم هي خارج هذا القانون. إذا ما أخذنا النص القانوني لقانون النقد والتسليف، ندخل في متاهة إذا القانون يمنع أو لا يمنع، على سبيل المثال تحويلات الشيكات إلى الخارج، لقد تمّ تحويل 9 مليارات دولار إلى الخارج، قانوناً لا شيء يمنع ذلك، بل على العكس نظامنا قائم على حريّة التحويل، ولكن بقراءة أي قانون، إذا كنت بوضع أغلقت فيه المصارف وحجزت على أموال الناس بشكل استنسابي، فيصبح القياس القانوني ليس ما ينص عليه القانون بل ما هي تصرفاتك إزاء الأفراد الذين يفترض أن يكونوا متساويين تحت سقفه”.

ويضيف: “فيما يتعلق بموضوع الشيكّات، إذا القانون لا يمنع البنك من تسييل الشيكات بأي سعرٍ كان، ولكنه واضح جداً بأن مسؤولية المصرف في جميع تصرفاته أن يحمي الأموال المودعة كأمانة لديه. إذا كان لدي شيكاً بـ 100 ألف دولار وبعته بـ 20 ألفاً مثلاً، يعني ذلك أنني أفرّط بأموال المودعين لدي. بالتالي يفترض بالقانون أن يلاحقني بسبب ذلك”.

ويرى غصن أنه من الطبيعي أن “تروج المصارف لرواية أن لا مخالفة قانونية، ولكن ما تُغيبه المصارف أن كل ما تقوم به اليوم مبني على مخالفة قانونية بأصله، وكل ما نتج عنه يحمل مخالفة للقانون. ولا يمكن القول إنها مشكلة أخلاقية فقط، المصارف تحتجز أموال الناس خلافا للقانون ولما تنص عليه طبيعة العمل المصرفي، وبالتالي حينما يحتجز المصرف أموال المودعين دون قانون يسمح بذلك ويضع سقوفا محددة ومحدودة للسحب، ويجبر المودع المحتاج لكامل وديعته أن يسحبها فقط كخيار وحيد بموجب شيك معروف أنه سينتهي في تجارة السوق السوداء، ثم يعود ويستقبلها دون أن يجري أي تدقيق في مصدرها ووجهتها، تصبح العملية بكاملها مخالفة للقانون ولا تمت للعمل المصرفي بصلة”.

وبينما ترد المصارف بكونها لا تستطيع أن تمنع زبائنها والمودعين لديها من سحب ودائعهم على شكل شيك مصرفي لكون القانون يمنعها من ذلك، وتنفي مسؤوليتها عما يحدث خارج جدران المصرف، يؤكد غصن أن المبدأ نفسه ينطبق على السحوبات النقدية وكل أنواع السحوبات بالمطلق، وبالتالي منع المودعين من السحوبات النقدية هو الذي أدى إلى لجوئهم للشيكات وخلق لها سوقاً سوداء ونشط تجارتها وأدى تدريجياً إلى انخفاض قيمة الودائع المصروفة بموجب هذه الشيكات 4 مرات حيث تباع اليوم بنحو ربع قيمتها. (25 بالمئة) وبالتالي مخالفة المصارف للقانون عبر منع السحوبات، أدى بنتيجته لخلق مخالفات أخرى كالسوق السوداء للشيكات”.

أين مصرف لبنان؟

وسط كُل هذا، يأتي دور مصرف لبنان، فهو وبحسب القانون، مسؤول، من ضمن مسؤولياته الكثيرة، عن المحافظة على الاستقرار النقدي في لبنان وتنظيم عمليات نقل الأموال والحفاظ على سلامة القطاع المصرفي ومراقبته وتحديد قوانينه. يعني أنه مسؤول قانونياً عما تقوم به المصارف، وبالتالي هو حكماً يتحمل جزءاً أساسياً من “فلتان” السوق السوداء كونه على أقل تقدير، يغض الطرف عن الممارسات التي تقوم بها المصارف فيما خص التعاملات بالشيكات المصرفية.

في قانون النقد والتسليف، المصرف المركزي لديه ثلاث صفات: مُصدّر العملة، مصرف المصارف، ومصرف الدولة. يقول زبيب: “في السياسة، غلّب مصرف المصارف الصفتين الباقيتين. فبالتالي تصرف المصرف المركزي كل الوقت وحتى هذه اللحظة وكأن وظيفته هي حماية المصارف، وليس حماية المودع أو المقترض أو الدولة أو العملة، بهذا المعنى، الوظيفة الأولى التي يقوم بها المصرف المركزي حالياً هي تسهيل وتغطية كل هذه الأمور على المصارف، لتخفيف الحِمل عنهم”.

يُضيف: “الأمر الثاني الذي يجب أن نتنبه له هو أن المصارف وضعت 77 مليار دولار لدى المصرف المركزي، كلما انخفضت الدولارات عندها، ينخفض مقابلها مجموع دولاراتهم في المصرف المركزي. بالتالي، كلما خففت المصارف الحِمل، كلما خفّ الحِمل عند مصرف لبنان. ودعنا ننطلق من قاعدة أن كل ما يحصل، إن كان شيكات أو غيرها لا يمكن أن يحصل بدون موافقة مصرف لبنان، لسبب بسيط، ليس تورط أو مؤامرة، بل لأنه هو مصدر الشرعية الوحيد لأي عملية تجري في القطاع المصرفي”.

من جهته، يقول غصن: “كل البلد يعلم بأمر تجارة الشيكات في السوق السوداء، ألا يعلم مصرف لبنان ذلك؟ إدارة هذه التجارة وتسهيلها بدأت من مصرف لبنان. بمجرد أن يسمح بتعدد أسعار الصرف (1507، 3900، سعر المنصة، السوق السوداء…)، ولا يتدخل مع المصارف في إجبارها على مكافحة هذه التجارة رغم قدرته على ذلك، ومن ثم يقوم مع المصارف بفرض نوع من الكابيتال كونترول دون وجود قانون له”.

وبالتالي، وبحسب غصن فإن “كل هذه الإجراءات جاءت في سياق تخفيض الضغوط عن المصارف وتقليل حجم التزاماتها المالية تجاه المودعين، إضافة إلى تقليل خسائرها وخسائر مصرف لبنان بالتالي، حيث إن أموال المودعين في المصارف موجودة لديه، فكلما قلت الخسارة على المصارف تقل تلقائيا عليه”.

يشرح أبو سليمان العلاقة “الربحية” بين مصرف لبنان والمصارف فيما خص التعاملات بالشيكات من خلال تبيان حجم الإفادة من تخفيض الديون، يقول: “المصارف عليها ودائع بقيمة 110 مليار دولار. هي وضعت شهادات إيداع تقريبا بقيمة 80 مليار لدى مصرف لبنان. وبالتالي كلما انخفض لدى المصارف ينخفض لديه، إذا سألنا لماذا أصدر سلامة تعميم رقم 151 (سعر صزف 3900)، يتبين أن هناك مثلاً 500 مليون دولار بالشهر تقريبا أي 6 مليار دولار يعطوك إياها كل سنة بالليرة على سعر صرف 3900، هذا المبلغ يقلّ كونه دين على المصارف وعلى المصرف المركزي في الوقت نفسه”.

وقام مصرف لبنان مؤخراً بإصدار تعليمات تُجبر التجار الذين يستوردون السلع المدعومة بالدفع نقداً بالليرة وليس من خلال الشيكات، وهو ما يطرح السؤال حول ماهية القرار طالما هو مستفيد من الدفع بالشيكات؟ يجيب أبو سليمان: “بهذه الطريقة قام باسترجاع الليرات التي طبعها. بدل أن يدفعوا عن طرق شيك، سحب كل الليرات الموجودة في السوق من التجار، وليس من أجل حصر التعامل بالشيكات”.

وما يُعزز هذا الواقع أن هذا التعميم صدر مؤخراً، أي أن مصرف لبنان سمح خلال كل الفترة المنصرمة بالتعامل بالشيكات ما أنعش السوق السوداء والتي استغلها التجار في دفع فواتيرهم لمصرف لبنان، وهؤلاء التجار يُحصلون شيكاتهم من المصرف المركزي بنسبة 100 بالمئة. بحسب أبو سليمان.

الأرقام “المُغيّبة”

يتبين من خلال ما سبق أن مصرف لبنان مستفيد تماماً من التعامل بالشيك المصرفي ويخفف عن كاهله الديون. هو يقول أيضاً إن لا علاقة له بالسوق السوداء في هذا الخصوص، ولكن السؤال حول أرقام وحجم الديون من أجل تبيان حجم المشطوب منها ممنوع أو بالحد الأدنى لا يلقى تجاوباً. السؤال عن المقاصة محظور. حاولنا الوصول إليها ولكن من دون نتيجة.

تتبعنا ما يُمكن تتبعه من أجل الحصول على الأقل على رقم تقريبي للمبلغ الذي تخلصت منه المصارف نتيجة التعاملات في الشيك المصرفي. فتبين أن حجم الودائع في المصارف تراجعت بين 2019 وأواخر 2020، إلى 35 مليار دولار، وفي المقابل تراجعت القروض والتسليفات للقطاع الخاص بنحو 15 مليار دولار.

وبلغ اليوم حجم الشيكات بالعملة اللبنانية المتداولة ما يوازي 4 مليارات و100 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي (1500) بتراجع أيضاً 26.5 بالمئة، من الفترة نفسها العام الماضي. وحجم التداول بالشيكات بالعملات الأجنبية وصل إلى 5 مليارات و800 مليون دولار، وتراجع عن العام الماضي بنسبة 44 بالمئة. وبلغ حجم الشيكات المرتجعة 138 مليون دولار بتراجع 58 بالمئة عن العام 2020 .

في المحصلة، لا يُمكن اليوم لأي كان الحصول على رقم واضح لحجم الودائع المشطوبة بموجب شيكات مصرفية، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول هذا التعتيم الذي يبدو أنه مقصود، ولكن لماذا هذا الخوف طالما تعتبر المصارف أنها لا تقوم بأي عمل غير قانوني وكذلك الأمر فيما يخص مصرف لبنان؟ وهل إذا تم الكشف عنه يعني حكماً كشف التحويلات الخارجية التي تمّت منذ عام 2019 وحتى اليوم؟

يقول غصن: “المصارف لن تكشف عن رقم الودائع التي صُرفت وشطبت بموجب شيكات مصرفية، وذلك لأن انكشاف هذا الرقم من شأنه أن يسهل العملية الحسابية لتبيان حجم الأموال التي هُرّبت خارج البلاد، فهناك 3 أنواع من السحوبات للودائع، إما بموجب شيك أو نقداً أو عبر تحويلها إلى الخارج، وبالتالي إذا ما أضيف إليه حجم السحوبات النقدية للودائع من شأنها أن تكشف الرقم الباقي من الرقم العام للودائع المسحوبة، وهو حجم الأموال المهربة إلى الخارج، وهذا يشكل فضيحة المصارف بغنى عنها، ولذلك فهي لن تعلن عن هذا الرقم وستدعي أنه غير محصي أو متوفر”.

من جهته، يقول أبو سليمان: “التقرير الوحيد الذي يمكنك الحصول عليه هو من قبل 17 أكتوبر 2019، إذ كان لدينا ودائع بالدولار بقيمة 130 مليار تقريباً، بالإضافة للودائع المتبقية يصبح المجموع 170 مليار. اليوم وصلنا لرقم 107 مليار تقريباً، كيف وصلنا إلى هذا الرقم؟ هناك جزء دفعناه، ماذا عن المبلغ الباقي؟ طبعاً هناك دولارات سُحبت حين كان السّحب مسموحاً. ولكن لا ننسى أنه منذ عام ممنوع على أي كان أن يسحب بالدولار. فإذاً كيف يتم تبرير خفض هذه الودائع وكيف تسحب بهذه الكمية؟”.

ويضيف: “المشكلة أنه لا نستطيع أن نعرف ما هي الأرقام وما هو عدد الشيكات التي تقطع في المقاصّة إلا إذا قرر مصرف لبنان أن يكشف عن عدد الشيكات التي تمر في المقاصة. إذا قال مثلاً، ان المقاصّة تمرر مثلاً مليار دولار بالشهر، يمكن البناء على هذه المعلومة ومقاطعتها مع ارقام المصارف لمعرفة حجم الودائع التي صرفت بموجب شيكات”.

وبحسب زبيب، “ليس واضحاً من خلال الإحصاءات الرقم المشطوب، ما يظهر لدينا بشكل واضح أن هناك حوالي 20 مليار من القروض قد سدّدت. وليس فقط شيكات، بل أيضا كودائع. أي أنا لدي وديعة وقرض في البنك في نفس الوقت، سددت جزءاً من هذا القرض من خلال الوديعة، ولكن يبقى هناك جزء مهم منها هو شيكات، ولكن قيمة هذا الجزء غير معروفة. لنفرض أنها النصف، أي على الأقل هناك 10 مليار دولار قد تسددت من خلال الشيكات”.

في المقابل، يُعبر غبريل عن وجهة نظر المصارف في هذا السياق، يقول: “لا يمكن للمصارف اليوم أن تقدم رقماً يظهر حجم الودائع التي سحبت بموجب شيكات مصرفية، ولا أعرف إذا الرقم موجود أصلاً، هناك أرقام الشيكات المتداولة، وبحسب الأرقام الصادرة من أول العام حتى مارس، فإن حجم التداول بالشيكات المصرفية وصل إلى 10 مليارات دولار، ما يشكل تراجع 38 بالمئة عن مبلغ 16 مليار و100 مليون دولار الذي كان أول 3 أشهر من العام 2020”.

الأحزاب.. أيضاً!

منذ عدة أشهر جاء اتصال من مغترب في أفريقيا من جنوب لبنان، إلى رابطة المودعين. هذا المغترب لديه ما يقارب 4 مليون دولار في حسابه ويريد المساعدة في كيفية الحصول على أمواله وما يمكن فعله في هذا السياق. اكتشف المسؤولون عن الرابطة لاحقاً أن جهة سياسية نافذة في منطقته تواصلت معه، وتكفلت بمساعدته، والمساعدة (الابتزاز) هنا تعني تأمين جزء من أمواله مقابل الحصول على جزء.

كذلك، أراد رجل أعمال أن يخرج من لبنان حوالي 5 مليون دولار من أجل أن يفتح عملاً تجارياً خارج البلاد. التقى بجهة سياسية نافذة شمال لبنان، بحسب ما تأكد لرابطة المودعين، واتفق الطرفان على الصفقة، السياسي يُخرج له أمواله شرط الحصول على 30 بالمئة منها، وهكذا حصل.

وكان لافتاً في معرض بحثنا عن الأدوار التي قام بها السياسيون في هذا المجال، إشارة الصرافين لانخراط الأحزاب السياسية في لبنان في عملية التجارة بالشيكات لتسهيل تعاملاتها وتسيير مصالحها التجارية كون غالبية هذه الأحزاب لديها مؤسساتها الخاصة، أيضاً من دون إسقاط شبكة المصالح الزبائنية التي عمل في إطارها مناصرو وعناصر الأحزاب كصرافين لصالح مؤسسات الأحزاب وانشطتها المالية.

ويقول زبيب: “إلى اليوم هناك من يُخرج أمواله من لبنان. مواقع القوّة على المستوى الفردي والجماعي، حتى هذه اللحظة عمليات التحويل جارية من وإلى. على سبيل المثال، عند بداية الأزمة كان لدى المصارف 3 أو 4 مليارات في الخارج، من أخذ هذه الأموال؟ هذه الأموال أصبحت صفراً! أي هناك من حوّل أمواله إلى الخارج من خلال الحسابات الخارجية للمصارف”.

ويذكر أحد الصرافين الذين تحدثنا معهم، وهو منتمٍ إلى جهة سياسية نافذة أن “كُل الأحزاب بطريقة أو بأخرى استفادت من هذه التجارة لأنها كانت تستطيع أن تشتري الشيك بربع قيمته وتُرسل ما يفوق هذه القيمة إلى الخارج عن طريق المصارف، وكلنا يعلم أن كُل جهة في البلد لديها مصرف أو زعيمها قريب من صاحب مصرف. التحويل إلى الخارج لم يتوقف إلى يومنا هذا”.

“واحة تبييض الأموال”

وسط كل هذا الواقع والفلتان الحاصل في القطاع المصرفي، ورغبة المصارف في تحصيل ما يُمكن تحصيله من دولار من السوق، وبتتبع سياق الأزمة منذ بدئها إلى اليوم، يتبين أن الرقابة التي كانت موجودة على عمليات التحويل وبيع الشيكات وشرائها معدومة تماماً. أيضاً الرقابة التي كانت تُفرض من قبل مصرف لبنان ومن خلفه المصارف بموجب قانون رقم 44 الخاص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، هي اليوم في أدنى مستوياتها علماً.

يقول زبيب: “لا شيء يعمل اليوم في البلد كتبييض الأموال. أولاً – إذا وضعنا الشيكات جانباً- لأن اقتصاد الكاش هو الفرصة الذهبية لكل من يريد إدخال أمواله إلى السيستم. عن طريق شراء العقارات أو الشيكات أو غيرها. تاجر المخدرات أو السلاح الذي لم يكن باستطاعته إدخاله إلى البنك قبل الآن، أصبح لديه الآن الفرصة الذهبية لإدخاله. مبيضو الأموال يستطيعون التصرف من موقع تفاوضي قوي. البلد تحوّل فعلياً لمقر لتبييض الأموال”.

يضيف: “جهازنا المصرفي هو أساساً جهاز تبييض أموال. لكن الأمر كان مربكاً في السابق، بمعنى أنه كان على مبيض الأموال التواصل والتفاوض مع أصحاب النفوذ في البنوك لإدخال أمواله باسمهم أو اسم تاجر ما ومن ثم تحويلهم لحسابه وتغطية الموضوع، أما اليوم يمكن لتاجر المخدرات إدخال حقيبة بمليونين دولار إلى البنك ووضعها في حسابه مباشرة وبدون أي وساطة”.

ولبنان دائماً تحت الرقابة الدولية في موضوع تمويل الأموال خاصة أنه غالباً ما يُستخدم في تمويل الحركات الإرهابية، وتضع دول كثيرة منظمة حزب الله على لائحة الإرهاب وبالتالي الرقابة على التعاملات المصرفية في لبنان كانت مضاعفة، وهي أدت سابقاً إلى إقفال البنك اللبناني الكندي الذي ثبت تورطه بتبييض ملايين الدولارات لصالح الحزب، ومؤخراً أيضاً أُقفل جمال ترست بنك بعد أن تبين أيضاً انغماسه في عملية تبييض الأموال لصالح حزب الله.

يقول زبيب: “منذ عام 2019 حتى اليوم يعتبر موسم تبييض الأموال في البلد. ليس هناك أي إجراء أو تدبير ضد تبييض الأموال. وإذا ذهبنا باتجاه الإجراءات الخارجية لمراقبة المصارف، كل ما يقال عن المصارف المراسلة وحصرها بالأزمة هو اجتزاء للحقيقة، المصارف المراسلة للمصارف اللبنانية لديها خشية التورط مع النظام المصرفي في عمليات تهريب وتبييض الأموال.

وحول هذا التفصيل، لا ينكر غبريل أن هناك مصارف مراسلة ممن علقت تداولها مع المصارف اللبنانية، أسبابها تتعلق بمخاوف لدى دوائر الامتثال لديها التي تراقب وتقيم البلدان وتصنفها ذات المخاطر المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة لناحية تبييض الأموال ودعم الإرهاب وتهريب الأموال، وبعض المصارف باتت ترى لبنان بلداً ذي مخاطر مرتفعة، ولكن حتى اليوم ليس هناك اغلاق شامل مثلاً لحسابات المصارف اللبنانية التجارية او وقف تعامل معها كما يجري الحديث، ولكن نعم هناك مراقبة أشد على حساباتها.

في المقابل، لا تزال المصارف اللبنانية تقوم بحسب غبريل، بعملية التدقيق نفسها التي كانت تجريها والتزمت بها بموجب القانون الصادر عام 2015، بخصوص تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، حتى على “الدولارات الفريش” التي تصلها بمبالغ كبيرة.

ويضيف غبريل “المصارف اللبنانية أيضاً لديها دوائر امتثال مهمتها مراقبة هذه العمليات، وهي حذرة جدا في هذا السياق ولا تزال تمارس دورها المطلوب من أجل حماية سمعة المصارف محلياً وعالمياً.

من جهته، يقول غصن: “اليوم في لبنان ليس هناك أي جهة ملتزمة التدقيق ومراقبة حركة الأموال في الحسابات، لا لصالح دفع ضرائب ولا غيرها إلا في إطار تطبيق قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب الصادر عام 2016، والذي أجبر لبنان وقطاعه المصرفي على الالتزام به لملاءمة العقوبات والقوانين الأميركية، ولكن ذلك لا يمكنه أن يغطي كل العمليات الجارية في البلد”.

يضيف: “اليوم من يبيع شيكاً مصرفياً يعرض نفسه تلقائياً لمخاطرة لكونه لا يعرف أين سينتهي هذا الشيك وبحساب من سيوضع في النهاية. تاجر الشيكات عادة ما يستخدم حسابات له داخل المصارف ويفترض أنه يقوم بإيداع حجم كبير من الشيكات المصرفية في حسابه، هنا واجب المصرف أن يراقب ويساءل حول مصدر هذه الشيكات الناتجة عن عملية متاجرة ومضاربة، وهنا يظهر كيف أن المصارف تسهل هذه العملية، ومن بعدها مصرف لبنان المسؤول الثاني بعد المصرف عن مراقبة هذه العمليات ومكافحة تجارة الشيكات في السوق السوداء”.

وفي مراسلات مع شركات “مصرفية” ظهرت مؤخراً بشكل كبير في لبنان، يتبين أنها تعمل بطريقة تثير الشك تماماً. فهي تعرض على أي شخص أن تنقل له أمواله من لبنان من خلال عملية بسيطة كما تدعي. إذ تقوم هذه الشركات بوضع المبلغ الذي يريد الشخص تحويله إلى الخارج في حساباتها في لبنان، وتضمن له أن يأخذه في جزر البهاماس على سبيل المثال، وهي تأخذ عمولة قيمتها 10٪ من المبلغ. ولكن ماذا يفعلون فعلياً بحسابهم في لبنان طالما لا يُمكن تحويله؟ يقولون للمتعالمين معهم أو من ينوي التعامل معهم إن لديهم أساليبهم.

وتستخدم المصارف “كودات” محددة لحسابات تعرف أنها وُجدت لتبييض الأموال، يقول غانم: “حين نقول تدقيق جنائي، من سيقوم بهذا الأمر ومن سيدقق بالأموال الآتية من الكونغو والعراق وغيره مثلاً؟”، ويضيف: “غير صحيح أنه ليس هناك خطة. هناك خطة موجودة والطبقة السياسية تدرك تماماً ما الذي تريد أن تقوم به ومهندس الخطة رياض سلامة وهي تقوم على تحميل تبعات الأزمة الاقتصادية للأكثر فقراً عبر سلسلة تعاميم لسلامة أسست فعلياً للسوق السوداء إن كان بالعملة الصعبة أي الدولار أو بالشيكات المصرفية. السياسة المالية انتصرت ونحن كمودعين انهزمنا. بكل صراحة مع الأسف”.

حاولنا التواصل مع مصرف لبنان وجمعية المصارف للوقوف على رأيهم، ولكن حتى تاريخ نشر التحقيق، لا جواب عن كُل تساؤلاتنا.


المصدر: الحرة