ضرورة الخروج من الجمود القاتل

علي حمادة – النهار

فيما توقفت عقارب الساعة الحكومية، يشرف لبنان على مرحلة جديدة من الصعوبات تتمثل في توقف بواخر الكهرباء التركية عن مد البلاد بثلاثين في المئة من الطاقة التي ينتجها لبنان. بالطبع لن نتوقف عند المعركة السياسية الحاصلة على هامش هذه القضية التي يتداخل فيها الخلاف السياسي بين أركان الحكم، والاهتراء المتواصل لجميع مؤسسات الدولة، كل ذلك وسط جمود تام على صعيد تشكيل الحكومة الجديدة التي تعتبر الممر الإلزامي لوقف التدهور السريع الذي يعيشه اللبنانيون في حياتهم اليومية. فبعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان الى لبنان التي حملت في طياتها رسائل شديدة اللهجة من الرئاسة الفرنسية الى القيادات اللبنانية السياسية، ولا سيما جراء العرقلة المتواصلة لتشكيل الحكومة بفعل الشروط والشروط المضادة. فقد توصل الفرنسيون الى قناعة راسخة تفيد بأن الطاقم الحاكم في لبنان ميؤوس منه، ويأنه يتعين على المجتمع المدني التركيز على دعم قوى مستقلة من المجتمع المدني، وان تكن هذه الأخيرة ضعيفة، ومشتتة، ولا تجتمع حول برنامج مشترك لمواجهة مطحنة الأحزاب الطائفية الممسكة بمفاتيح السلطة، والحكم، والمؤسسات. ودعم المجتمع المدني يحتاج الى سياسة طويلة الأمد، والى نفس طويل من اجل مساعدة شخصيات واعدة منه لكي تحقق تقدماً جدياً في المعادلة السياسية اللبنانية. ولعلّ الدعم من خلال فتح منابر دولية في أوروبا والولايات المتحدة، ودول عربية تشاطر الفرنسيين في رؤيتهم، يساعد في بروز شخصيات، وفي منحها “مشروعية” دولية، من الممكن ترجمتها في الداخل، عبر مساعدة المنظمات المستقلة في الداخل لتوسيع حضورها المحلي بأكثر من وسيلة. ومن الممكن لفرنسا والأوروبيين، ومعهم من الراغبين من العرب المؤثرين ان يحاولوا ادخال شخصيات مستقلة في أي تشكيلة حكومية، وان يدفعوا بها لتولي حقائب رئيسية، مثل المال، والاقتصاد، والبيئة، والاتصالات، والاشغال العامة، والطاقة. هذه حقائب اكثر أهمية في المرحلة المقبلة من الحقائب المسماة “سيادية “، وخصوصا ان الدولة اللبنانية تعاني من افتقارها الى ادنى معايير السيادة، وهي عاجزة عن فرض سلطتها على كامل الأرض. اضف الى ذلك انها لا تمسك باهم القرارات السيادية، عنينا قرار الحرب والسلم. ومثال على ما نقول ان كل اللبنانيين اليوم يحاولون التنبؤ بما سيفعله “حزب الله” إزاء الاحداث الحاصلة في فلسطين، وما اذا كان الحزب سيتدخل ويورط لبنان بما يفوق طاقته على التحمل! لا احد ينتظر من الدولة قرارات كبيرة، ولا من المرجعيات الدستورية الأساسية قرارات كهذه.




في مطلق الأحوال لا بد من تحريك هذا الجمود القاتل الذي وصلت اليه ازمة تشكيل الحكومة. واذا كانت المسوؤلية الأساسية عن العرقلة نابعة من مواقف رئيس الجمهورية ميشال #عون وحاشيته، فإن هذا لا يعفي الرئيس المكلف سعد #الحريري من مسوؤلية ابتداع المبادرات الواحدة تلو الأخرى، ودفعها في اتجاه رئيس الجمهورية غير المبالي بما يعيشه اللبنانيون من مصائب لا سابق لها في تاريخ هذا الكيان. ان مسوؤلية الرئيس المكلف مضاعفة، لانه هو من يشكل الحكومة. من هنا لا بد للحريري بدءاً من مطلع الاسبوع المقبل، أن يضاعف من جهوده المحلية (قبل الخارجية)، في كل اتجاه، ويحرك هذه المياه الراكدة، ويمطر رئيس للجمهورية بسيل من المبادرات في مسار تشكيل الحكومة، لا ان يبقى ينتظر مثل بقية اللبنانيين نور امل قد يطول الوقت قبل ان يبزغ. ولعل افضل ما يمكن للرئيس المكلف تشكيل الحكومة فعله، ان يخرج على الاعلام مصارحاً اللبنانيين بما وصلت اليه الأمور، وان يطلق مبادرة جديدة تبرزه كعنصر يسعى الى تسوية معقولة، في مواجهة الحالة “النيرونية” القابعة في قصر بعبدا. لقد اطلق الرئيس سعد الحريري على حكومته الأولى في ولاية الرئيس عون تسمية “حكومة الى العمل”. اليوم نقول للحريري “الى العمل” عبر سيل من الأفكار الخلاقة والمبادرات لتشكيل حكومة ذات صدقية. هذا هو دور الرؤساء المكلفين تشكيل الحكومات. لا بد من الخروج من هذا الجمود القاتل!