“فضيحة” الاجتياح البري لغزة تكشف المستور.. تراجع ثقة الإسرائيليين بتصريحات الجيش واتهامه بـ”الفبركة”

مع دخول العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة يومه الخامس، تتواصل حالة الارتباك الإسرائيلي في تقدير الموقف بشأن السلوك الأمثل للتعامل مع المقاومة، فبين تردد قيادة أركان الجيش في الدخول بعملية برية في غزة، إلا أن المستوى السياسي يخشى من تبعات المصادقة على قرار استراتيجي كهذا، لاعتبارات مرتبطة بالتكلفة البشرية على الجنود الإسرائيليين، في حال تعرضهم للقتل أو الأسر من قبل فصائل المقاومة.

حالة التخبط بين المستويين السياسي والعسكري في تقدير الموقف، ظهرت واضحة فيما بات يعرف بـ”الفضيحة” المتهم فيها قيادة الجيش الإسرائيلي، عندما قدم المتحدث باسمه إحاطة إعلامية لصحفيين إسرائيليين ووكالات إعلام أجنبية، بأن قيادة الجيش بدأت بعملية عسكرية برية في قطاع غزة.




على الأرض لم يطرأ أي تطور ميداني يشير إلى تقدم قوات الجيش برياً داخل قطاع غزة، مما دفع بالجيش لإصدار بيان رسمي أشار فيه إلى أن خطأ طرأ في ترجمة كلام المتحدث باسم الجيش ممن حضروا الإحاطة الصحفية.

هذا الأمر كشف طبيعة الانتقادات الموجهة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية من الداخل الإسرائيلي نفسه، وتراجع عدم الثقة فيما يصدر عنها.

اتهامات من الداخل

وسام عفيفة، رئيس تحرير قناة الأقصى الإعلامية، قال لـ”عربي بوست” إن فضيحة جيش الاحتلال أوجدت حالة من الارتباك بالنسبة للمشاهد، فالجيش يستخدم مثل هذا النوع من الدعاية في أوقات التصعيد والمعارك ضد أعدائه، ولكن في هذه الجولة استخدمها وهو في موقف المنهزم، وليس المنتصر، لذلك قام بالكذب على الجمهور والرأي العام الدولي لنقل الضغط الذي تعاني منه الجبهة الداخلية إلى غزة، وسيكون لهذه الحادثة تأثير على صورة الجيش بالنسبة للجمهور، ومعنويات الجبهة الداخلية، وسيؤثر على القرار السياسي والعسكري في الساعات القادمة.

وسائل إعلام إسرائيلية ومراسلون عسكريون سرعان ما أصدروا بيان “براءة” أمام الجمهور الإسرائيلي، رفضوا فيه أن يكونوا “شهود زور” على معركة لم تجرِ على الأرض، فكتب يانيف كوبوبيتس، المراسل العسكري لصحيفة هآرتس إنني “أمضيت 17 عاماً وأنا أغطي الأحداث الأمنية الكبرى التي تحدث في إسرائيل، هذه المرة الأولى التي أضطر فيها للتخلي عن الإحاطة التي قدمها المتحدث باسم الجيش، لأنه حتى في خضم القتال، هنالك حدود للقصص المفبركة وتضليل الجمهور”.

أما روعي شارون، مراسل القناة الـ12 العبرية فوصف ما جرى بـ “الفضيحة الكبرى” للجيش الإسرائيلي، بسبب “التضليل الذي حاول من خلاله المتحدث باسم الجيش إيصاله لملايين المشاهدين في العالم بأن الجيش اخترق غزة، وكأنه استعاد قوة الردع، ويريد القضاء على المسلحين، لكن الحقيقة على الأرض عكس ذلك”.

الكذب للتضليل

واصف عريقات، اللواء المتقاعد والخبير العسكري الفلسطيني، قال لـ”عربي بوست” إن ما جرى هو اضطرار الدولة إلى الكذب كجزء من حرب التضليل، ومعركة الصورة والرواية أمام الجمهور الإسرائيلي والعالم، نظراً لأن معنويات الجمهور والجبهة الداخلية منخفضة ومهزومة بسبب تلقيها لضربات هي الأعنف في تاريخ نشأة إسرائيل، قياساً بالفترة الزمنية، التي لم تتجاوز 100 ساعة منذ بدء العدوان على غزة.

وأضاف أن المقاومة الفلسطينية استطاعت “كي وعي” الجمهور الإسرائيلي خلال فترة قصيرة، وبدأت ثقة الإسرائيليين بالجيش والمؤسسة الأمنية تتراجع إلى مستوى خطير، مما دفع بمؤسسة الجيش إلى تضليل جمهوره، ومحاولة خلق صورة انتصار أمامه لاستدراك الخطر الداخلي الذي يتصاعد بسبب الفشل في إدارة هذه الجولة العسكرية.

صورة بالأقمار الصناعية لمحطة كهرباء عسقلان بعد قصفها بصواريخ المقاومة – رويترز

هذا الأمر كشفه إيهود حامو، مراسل القناة الـ12 الإسرائيلية، عندما قام بتوجيه لوم للحكومة والجيش لأن “حماس حققت نصراً استراتيجياً في مجال الوعي، عندما أقنعت الفلسطينيين أن أكثر من 70% من الإسرائيليين موجودون في الملاجئ، وأنها عطّلت مطار بن غوريون”.

حققت المقاومة الفلسطينية نقاط تفوق في هذه المعركة، من خلال كسر للتفوق الذي يتباهى به جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدءاً من معركة الصواريخ الدقيقة والموجهة ذات القوة التدميرية الكبيرة، والتفوق في سلاح المسيرات والطائرات الهجومية.

كذلك تفوقت المقاومة في حرب “السايبر” بتعطيل أنظمة الدفاع الصاروخي كالقبة الحديدية وحيتس ومقلاع داوود والباتريوت، وتشتيتها، بطريقة تعكس حالة الاستعداد لهذه المعركة، على عكس الاستعدادات الإسرائيلية التي لم تكن في أفضل حالاتها.

تبادل الاتهامات

على الصعيد السياسي، كشفت تصريحات عدد من الساسة الإسرائيليين عدم رضاهم عن أداء الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو وعما يصدر منها من تصريحات وأفعال.

انتقد زعيم حزب “يسرائيل بيتنا” ووزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، إدارة نتنياهو للمعركة مع حماس قائلاً إن “الوضع الذي تطلق فيه حماس صاروخاً برأس حربي بوزن 200 كيلوغرام على إسرائيل، كان يمكن أن ينتهي برد فعل مختلف، لكن نتنياهو نائم، ويبدو مشغولاً بشؤونه الشخصية”.

أما يائير لابيد، زعيم المعارضة ورئيس حزب “يش عتيد” فقال إنه “في الحرب على المنظمات في غزة يجب على إسرائيل أن تبادر ولا تستدرج، وأن تقود خطوة مزدوجة”.

فيما طالب بيتسلئيل سموتريتش، زعيم الصهيونية الدينية، نتنياهو، “بعدم توقف العملية العسكرية ضد غزة حتى يتم تجريدها من السلاح، وإعادة الجنود الإسرائيليين الأسرى”.

فيما أكد شاي ليفي، الخبير العسكري في صحيفة معاريف، أنه “عندما تنتهي هذه الجولة، ستعيد حماس ملء مخازن الصواريخ، وبعد شهرين أو ثلاثة سنسمع أن لديها 10 آلاف صاروخ، وبعد سنة 40 ألفاً، ثم سنرى تجاربها الصاروخية من غزة باتجاه البحر، فماذا فعلنا إذً؟!”.

الإقرار بالفشل

لعل تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أشار إلى أن “منظومته الدفاعية لا تستطيع اعتراض صواريخ المقاومة بنسبة 100%، يعكس تصريحاً عن حالة الفشل والانهيار الداخلي الذي تعيشه إسرائيل”.

مؤمن مقداد، محرر شبكة الهدهد للشؤون الإسرائيلية، قال لـ”عربي بوست” إن “فجوة في الثقة تتسع بين الجمهور الإسرائيلي ومؤسسته الأمنية، فالجبهة الداخلية فقدت السيطرة على طمأنة الجمهور بسبب تلقيهم لضربات صاروخية، دون أن يكون هنالك اعتراض حقيقي من قبل منظومات القبة الحديدية، كما أن الجمهور لم يعد يرى بأن الدولة لديها من الخطط العسكرية التي بإمكانها إعادة السيطرة على الأمور”.

قصف صاروخي / رويترز

وأضاف: “حتى الرقابة العسكرية لم تعد قادرة على السيطرة على الكم الكبير من السيولة الإعلامية، وبتنا لأول مرة نشاهد صوراً من الموت والدمار الكبير داخل مدن الوسط الإسرائيلي مثل تل أبيب وحيفا والقدس، وهذا ما يفسر قيام جيش الاحتلال بخلق حالة من الكذب والتضليل بأنه استطاع اختراق الحدود البرية لقطاع غزة”.

لم تشهد إسرائيل حالة من الفوضى بهذا الشكل، فالدولة تعيش انهياراً سياسياً من الداخل بسبب الأزمة الحكومية المستفحلة، زادها اتساع رقعة الاحتجاجات من فلسطينيي الداخل المحتل، مما خلق رغبة المستوى السياسي في إسرائيل إلى البحث عن صورة انتصار بتلفيق أخبار كاذبة لتهدئة الجبهة الداخلية.

فشل إسرائيلي

هذه الحادثة تعيدنا إلى صورة إسرائيل التي سعت لترسيخها في الوعي العربي والدولي، بأنها الدولة الأكثر أمناً في الشرق الأوسط، وأنها تمثل النموذج المثالي من الديمقراطية وسط مجتمعات تعاني من الديكتاتورية، ولكن فضيحة اختلاق الكذب من مؤسسة الجيش في هذه المعركة قد تغير من صورة إسرائيل النمطية، ليس في مجتمعها فقط، بل في كافة دول العالم.

نشأت الأقطش، أستاذ الإعلام والخبير في شؤون الدعاية والرأي العام، قال لـ”عربي بوست” إن “ما جرى سيحدث شرخاً في كل ما صدر عن المؤسسة العسكرية في إسرائيل، حتى هذه الحادثة ستدفع الكثير من الباحثين والمختصين في مراكز الأبحاث والتأريخ إلى التحري عن الكثير من الروايات التي صدرت عن إسرائيل في أوقات التصعيد، وفي الحروب التي خاضتها منذ نشأتها”.

وأضاف أن “إسرائيل تنتهج سياسة التحفظ عن الخسائر التي تتعرض لها في أوقات التصعيد، ويمكن القول بأن ما يصدر عن الرقابة العسكرية لا يتجاوز 10% من الحقيقة الكاملة”.