إيران… صراع على هوية الرئيس – مصطفى فحص – الشرق الاوسط

ليست انتخابات رئاسية اعتيادية، فرئيس الجمهورية في السنوات الأربع المقبلة سيقود مرحلة انتقالية عنوانها «الحفاظ على هوية النظام»؛ هوية تواجه تحديات في شرعيتها ومشروعيتها، لذلك سيحتدم الصراع في الأيام المقبلة حول هوية الرئيس، بعدما انحصرت المنافسة داخل «التيار المحافظ»، الذي نفذ انقلاباً داخل مؤسسات الدولة وسيطر على السلطات التشريعية والقضائية، لكنه يواجه الآن أزمة حقيقية في اختيار هوية الرئيس، وهو أمام 3 خيارات: إما من المؤسسة العسكرية، وإما من المؤسسة الدينية، وإما شخصية مدنية محافظة. فيما التوقعات أن تنحصر المنافسة بين عسكري وشخص من المؤسسة الدينية.

مما لا شك فيه أن نظام «ولاية الفقيه» يواجه أزمة الحفاظ على شرعيته، بعدما خسر جزءاً كبيراً من مشروعيته الوطنية؛ الأمر الذي ظهر في تدني الإقبال على الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث وصلت نسبة المشاركة إلى ما دون 25 في المائة، لذلك يعمل على الالتفاف على احتمال مقاطعة الانتخابات الرئاسية، وذلك باللجوء إلى ما يسميها «الشرعية الثورية» التي تؤمن له مشروعية الاستمرار. فالنظام يدرك حجم المتغيرات داخل المجتمع الإيراني، وعدم قدرته على إعادة إنتاج هويته العقائدية الجامعة للشعوب الإيرانية كافة، التي تشهد تراجعاً في الاهتمام بالهوية العقائدية لصالح الهويات الفرعية، إضافة إلى تصاعد تمرد الأطراف على المركز؛ الأمر الذي يفرض على المؤسسة الدينية الحاكمة (ولاية الفقيه) التعامل مع الانتخابات الرئاسية على أنها فرصة أخيرة، من أجل تعويم النظام من جديد وإعادة إنتاج هويته العقائدية من خلال هوية رئيس الجمهورية.




إعادة الاعتبار لموقع رئيس الجمهورية في هذه المرحلة، تعود لأسباب عدة؛ من أهمها استعداد النظام لمرحلة ما بعد المرشد. وبسبب غياب شخصية قوية تملك مواصفات تساعدها على ملء الفراغ الذي سيتركه غياب آية الله علي خامنئي، بات بحكم الضرورة أن يصل إلى سدة الرئاسة شخصية قوية تغطي ضعف موقع المرشد، خصوصاً مع ازدياد الحديث داخل أروقة صنع القرار عن صعوبة في اختيار خلف للمرشد خامنئي، حيث من المتوقع اللجوء إلى تشكيل قيادة جماعية قد تتكون من 3 أو 5 شخصيات دينية.

طبيعة النظام العقائدية ستلعب دوراً جوهرياً في اختيار هوية الرئيس، ولذلك؛ فإن ما يمكن تسميتها «مؤسسة المرشد» ستكون أكثر ميلاً لجهة اختيار رئيس من المؤسسة الدينية يكون أكثر انسجاماً معها، ويكون منحازاً إلى خياراتها في مرحلة اختيار مرشد جديد، لذلك تتجه الأنظار مجدداً نحو رجل الدين المتشدد القريب من «بيت المرشد» رئيس مجلس القضاء والمرشح الفاشل في الانتخابات الرئاسية السابقة إبراهيم رئيسي (الذي لم يعلن ترشحه حتى الآن)؛ لأنه يشكل ضمانة لاستمرارية مؤسسة «ولاية الفقيه» ويحافظ على قوتها ونفوذها ورمزيتها.

من جهة أخرى، يبدو أن طموحات المؤسسة العسكرية المتمثلة في «الحرس الثوري» لانتزاع منصب الرئيس تتصاعد، حيث قدم 3 جنرالات بارزين من «الحرس»، إضافة إلى آخر من الجيش، أوراق ترشحهم. ويعوّل «الحرس الثوري» في المرحلة المقبلة على قوته وصلابته داخل مؤسسة النظام، بوصفه العمود الفقري للثورة وحامي مشروعها، إضافة إلى أنه يتصرف على أنه أحد أبرز عوامل الوحدة الوطنية؛ الأمر الذي يمنحه رمزية تاريخية يخاطب من خلالها أكبر شريحة من الإيرانيين؛ رمزية تساعد النظام على تعويض تراجع الحضور الشعبي للتيار المحافظ، والأهم بالنسبة لمؤسسة صنع القرار في داخله أن معادلة «انتخاب رئيس قوي في مرحلة مرشد ضعيف»، تصبّ في صالحه؛ لأنه الطرف الأقوى الذي يمثل هوية النظام.

وعليه؛ تخوض الجمهورية الإسلامية الإيرانية في شهر يونيو (حزيران) المقبل انتخابات رئاسية استثنائية، من الممكن وصفها بـ«الأهم» منذ سقوط نظام الشاه سنة 1979… ليست لاختيار رئيس الجمهورية فقط؛ بل هي انتخابات الحفاظ على النظام وحفظ هويته، التي ستخضع للمساومة بين مؤسسة دينية (ولاية الفقيه) تريد الحفاظ على هيبتها، ومؤسسة عسكرية باتت تختزل النظام في هيبتها.