صرخة فلسطين ستغيّر المنطقة – توران قشلاقجي – القدس العربي

تنذر التطورات الراهنة في فلسطين بتحول تاريخي. فقد بدأت حديثاً تظهر نتائج القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ضمن ما يسمى بـ»صفقة القرن» وضرب من خلالها بجميع المؤسسات الدولية والدبلوماسية والقانون عرض الحائط. وهذه الصفقة عرّت الوجه الحقيقي لعدد من الدول العربية المتقاربة مع إسرائيل، والداعمة لها، لدرجة تشبه قصة «الملك العاري». ومن المؤكد أن الدعم الذي قدمته هذه الدول للاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني سيبقى وصمة عار على جبينها إلى الأبد.
لا شك في أن هجوم شرطة الاحتلال الإسرائيلي على المسجد الأقصى في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، أدى إلى توحيد وتكاتف شعوب العالم الإسلامي بأسره، وليس الفلسطينيين فحسب. وهذا يظهر مدى قوة وعدالة القضية الفلسطينية؛ مثل ابتسامة الشباب الفلسطينيين أثناء اعتقالهم من قبل جنود الاحتلال. فهذه الأرض هي أرضهم المغتصبة، والجنود الإسرائيليون ليسوا سوى محتلين. وما يؤرق المتخاذلين عن نصرة القضية هذه المرة، هو التحرك المشترك لجميع شرائح الشعب الفلسطيني.

«صفقة القرن» عرّت الوجه الحقيقي لعدد من الدول العربية المتقاربة مع إسرائيل، والداعمة لها، لدرجة تشبه قصة «الملك العاري»




وفي تركيا، توافد الناس من جميع مختلف الشرائح على الشوارع، وبذلوا جهوداً كبيرة في وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن دعمهم الشعب الفلسطيني. وشهدت جميع الولايات التركية مظاهرات مؤيدة ومساندة للفلسطينيين، بمشاركة واسعة، من دون تمييز بين يميني أو يساري أو علماني أو متدين. كما أدانت الأحزاب السياسية كلها في البرلمان التركي هجمات إسرائيل وإرهابها. ووصف الرئيس رجب طيب أردوغان، ممارسات إسرائيل بأنها «إرهاب دولة» مؤكداً على أنهم سيقفون بقوة أكثر بجانب الشعب الفلسطيني. لقد قوبلت عمليات الإخلاء القسري لبعض العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح، واعتداءات المتعصبين الإسرائيليين بغطاء من شرطة الاحتلال على المسجد الأقصى خلال احتفالهم بـ»يوم القدس» بردود فعل وانتقادات واسعة من جميع أنحاء العالم. وما أثار الاستغراب بالطبع هو اتصال السفارات الأمريكية بوزارات الخارجية في بعض الدول الإسلامية والعربية، للمطالبة بعدم إصدار بيانات داعمة لفلسطين! ترفض المحاكم الإسرائيلية بشكل غير قانوني جميع الوثائق المتوفرة لدى سكان حي الشيخ جراح، سواء سندات الملكية العثمانية، أو الوثائق الممنوحة من قبل الأردن. ولا يمكن أصلا أن نتوقع خلاف ذلك من محاكم الاحتلال، التي لا تتمتع بأي سلطة شرعية وفقاً للقانون الدولي، على سكان القدس الشرقية المحتلة. تتبع إسرائيل سياسة قائمة على إخلاء القدس الشرقية من جميع الفلسطينيين بشكل ممنهج، في تجسيد للصهيونية الساعية إلى محو تاريخ العيش المشترك، الذي كان سائداً بين مختلف الشعوب والأديان في القدس منذ آلاف السنين، وجعل اليهود يعيشون لوحدهم في هذا المكان. وفي هذا الصدد، تتعمد سياسة إسرائيل التوسعية استهداف المسجد الأقصى، قرة عين المسلمين، والعديد من المواقع التاريخية بشكل متكرر. ويبدو أن حركة «المرابطين» التي تدافع عن المسجد الأقصى لمنع اقتحامه من قبل الصهاينة، سوف تشكل صوتاً قويا هذه المرة، لأنها حظيت بدعم قوي من جميع الشرائح الفلسطينية، وتحظى بدعم كبير من أنحاء العالم الإسلامي كافة، الذي يرى القدس والمسجد الأقصى بمثابة شريان الحياة. ولا ننسى أن ما يجري اليوم ناجم عن الخطوة التي اتخذها ترامب على عجل، متجاهلا الدبلوماسية والقانون من أجل إنقاذ نتنياهو. ويجب الحفاظ على «روح الرباط» في المسجد الأقصى وفي القدس، إلى أن يتشكل نظام إقليمي – عالمي جديد يجبر إسرائيل على التراجع.
خلاصة الكلام؛ لم تعد جامعة الدول العربية ولا منظمة المؤتمر الإسلامي تلفت انتباه الشعوب، نظراً لعجزها عن الاستجابة بما يكفي لمشاكل العالمين العربي والإسلامي، جراء الضغوط والخضوع. ولأول مرة في التاريخ، يتساءل الفلسطينيون والشعوب العربية والإسلامية، عما يمكن القيام به من أجل فلسطين، من دون الحاجة إلى هذه المنظمات. وتأكدوا أن هذا السؤال الذي يطرحه الملايين ينذر بتحول كبير في الشرق الأوسط، فقد دعت الشعوب العربية والإسلامية الفصائل السياسية الفلسطينية للصمود ومواصلة موقفها المشرف، وهي الآن تصرخ بصوت عال بأنها مستعدة للذهاب إلى حماية الشعب الفلسطيني بنفسها ضد المحتل الإسرائيلي، في حال لم يتم إرسال القوات اللازمة في هذا الصدد من قبل الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي. من الأفضل أن نكون مستعدين للتغيّرات التي ستحدثها الموجة الفلسطينية في المنطقة. ملاحظة: أتقدم بخالص التهاني بمناسبة عيد الفطر إلى العالم الإسلامي كله، وأتمنى أن ندخل قرناً مليئا بالسلام والطمأنينة بمشيئة الله.