نزيف الإيرادات مستمر في بلد يعاني كساداً اقتصادياً “حادّاً وطويلاً”… الضغوط تُلاحق القطاع العقاري اللبناني بعدما أفاد من الأزمة أشهراً

موريس متى – النهار

تجتمع آراء مسؤولي المؤسّسات الدولية والجهات المانحة، على أنّ #لبنان لا يمكنه أن ينتشل نفسه من الأزمة الاقتصادية من دون حكومة جديدة تُجري تغييرات، وتُطلق إصلاحات تأخّرت كثيراً، بعدما سجّل نسبة انكماش وصلت إلى 25% في العام 2020، فيما ربط وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني توقّعات النمو للعام 2021 باتفاق السياسيين على حكومة إصلاحية من عدمه، وتأمين مساعدات خارجية، فإذا لم يُحرز لبنان تقدّماً في هذا السياق، فقد يسجّل انكماشاً تصل نسبته إلى 10% هذا العام، أما في أفضل السيناريوات، فمن المتوقّع أن يسجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في لبنان انكماشاً بنسبة تراوح ما بين 2% إلى 5%، على أن ترتفع نسبة التضخّم إلى 77% بالحد الأدنى هذا العام.
وفي أحدث التقارير الاقتصادية الصادرة عن بنك عوده، فقد أورد أنّ الفصل الأول من العام 2021 اتّسم بزيادة لافتة في عدد حالات كورونا، ما أسفر عن فترات إقفالٍ متتالية أرخت بثقلها على النشاط الاقتصادي، وفاقمت من الأزمة النقدية والاقتصادية التي اندلعت في الفصل الأخير من العام 2019، ناهيك بتداعيات الأزمة السياسية الداخلية بعد استقالة الحكومة. فقد شهدت جميع القطاعات تراجعاً متواصلاً في الفصل الأول من العام 2021 بالمقارنة مع الفترة المماثلة من العام 2020، حيث سجّل قطاع التجارة والخدمات التقلّص الأبرز. في ظلّ هذه الأجواء، توقّع صندوق النقد الدولي أن يسجّل الاقتصاد اللبناني انكماشاً نسبته 9% في العام 2021 بعد انكماش نسبته 25% في العام 2020. في نظرة مستقبلية، يشير التقرير إلى وجود خيارين متاحين: الخيار الأول الذي يجب تجنّبه بكلّ الطرق يتمثّل بسيناريو المراوحة والجمود واللاإصلاح على مستوى الدولة، والذي قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى الفوضى المطلقة، في حين أنّ الخيار الثاني يقوم على إعادة هيكلة منتظمة وفق برنامج إصلاحي مع صندوق النقد الدولي، من شأنه أن يكون المفتاح للتصحيح الضروري للوضع المالي بشكل عام، ما يساهم في إعادة الثقة في الاقتصاد الوطني وفي القطاع المالي، لتعزيز القدرة على إعادة جذب الأموال إلى البلاد بشكل عام. أما البنك الدولي، فأشار في أحدث تقاريره عن لبنان، إلى أنّ البلاد تعاني كساداً اقتصادياً “حادّاً وطويلاً”، عازياً السبب إلى الاستجابة غير الكافية للسياسات تجاه هذا العصف من الأزمات، لا سيما أكبر أزمة مالية يمرّ بها لبنان في زمن السّلم، وأزمة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت. هذا ويتوقع البنك الدولي بأن يسجّل الاقتصاد اللبناني انكماشاً إضافياً بنسبة 9.5% في العام 2021 نتيجة الضبابية غير الاعتيادية السائدة، علماً أنّ هذا التوقّع مبنيّ على فرضية أن يستمر تأثير جائحة كورونا طوال العام 2021، وأن تبقى استجابات السياسات الماكرو-اقتصادية غير كافية.
نزيف الإيرادات
في تفاصيل وضع المالية العامة اللبنانية، يستمرّ نزيف الإيرادات العامة لخزينة الدولة مع تراجع مستمر بالإيرادات الضريبية وإيرادات الضريبة على القيمة المضافة توازياً أيضاً مع تراجع للإيرادات غير الضريبية بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام الفائت. وفي ملخص الوضع المالي في لبنان، استمر تراجع الإيرادات العامة في أول 10 أشهر من العام 2020 إلى 10680 ملياراً و213 مليون ليرة بالمقارنة مع 13475 ملياراً و136 مليون ليرة، أي بتراجع نسبته 20.74%، قيمته نحو 2794 ملياراً و923 مليون ليرة. تراجع الإيرادات أمر طبيعي في ظلّ الانهيار الذي يعيشه لبنان وحالة الكساد الاقتصادي التي يمرّ بها، ما يعزّز انكماش القطاعات الاقتصادية، ناهيك بتبعات أزمة كورونا والإقفال العام وانفجار المرفأ وإقفال مئات الشركات أبوابها. وتراجعت الإيرادات الضريبية بنسبة 21.63% في أول 10 أشهر من العام الحالي بالمقارنة مع الفترة ذاتها من عام 2020، كما تراجعت إيرادات الجمارك بنسبة 32.27% وإيرادات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 46.77%، أي بتراجع قيمته تقارب 1302.55 مليار ليرة، بالمقارنة مع أول 10 أشهر من العام 2019، كما تراجعت إيرادات الاتصالات إلى خزينة الدولة بنسبة 23.91% إلى 914 ملياراً و792 مليون ليرة بتراجع قيمته 287.4 مليار ليرة عن الفترة عينها من العام 2019.
تراجع النفقات
يشير ملخّص الوضع المالي إلى تراجع النفقات الاجمالية بنسبة 24.05%، مقارنة مع ما سجّلته في أول 10 أشهر من 2019، أي بما يُقارب 4477.2 مليار ليرة تقريباً، بعدما سجّلت النفقات العامة مستوى يقارب 14138.1 مليار ليرة في أول 10 أشهر من 2020 مقارنة مع نحو 18615.35 مليار ليرة في الفترة ذاتها من العام 2019. في التفاصيل، فأبرز النفقات التي تراجعت بشكل كبير في أول 10  أشهر من العام 2020، هي التحويلات إلى مؤسّسة كهرباء لبنان وتراجعت بنسبة 43.42% مقارنة مع الفترة ذاتها من 2019 بتراجع قيمته 854.86 مليار ليرة نتيجة تراجع سعر برميل النفط عالمياً. وتؤكد وزارة المال، استمرار تطبيق سياسة ترشيد الإنفاق العام التي تساهم في تحقيق الخفض في الإنفاق، حيث حصرت الوزارة النفقات بالأساسيات والأولويات، وعلى رأسها المستشفيات والأدوية والشؤون الاجتماعية والنفايات والتعليم والجمعيات المسجّلة. كما ساهم في خفض النفقات العامة، تراجُع الإنفاق المتعلّق بخدمة الدين مع تعليق لبنان سداد ديونه. ويُظهر ملخّص الوضع المالي لوزارة المال نهاية تشرين الأول 2020 تراجعاً بنسبة الفوائد المسدَّدة يُقارب 62.42%، مقارنة مع ما سُدد في الفترة ذاتها من 2019. وتراجعت النفقات المتعلّقة بتسديد فوائد الديون الخارجية بنسبة 90.12% في نهاية تموز 2020 مقارنة ومع الفترة ذاتها من 2019.
القطاع العقاري الرابح الأكبر!
اللافت في الأرقام المالية، ما يتعلّق بأداء القطاع العقاري في لبنان، والعمليات العقارية وإيراداتها التي ارتفعت بشكل قياسي في أول 10 أشهر من العام الحالي مقارنة مع الفترة ذاتها من 2019. حيث تظهر الأرقام ارتفاع الإيرادات المتأتية من الرسوم العقارية بنسبة 108% تقريباً في أول 10 أشهر من العام 2020 بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2019، ووصلت هذه الإيرادات إلى ما يقارب 841.4 مليارات ليرة نهاية تشرين الأول 2020. أما بالنسبة للعام 2021، فتشير التقارير إلى أنّ القطاع العقاري في لبنان كان عرضةً للضغط من جديد خلال الفصل الأول من العام الجاري، بعد أداءٍ إيجابي سجّله في العام 2020، حيث سادت النظرة إلى هذا القطاع كاستثمارٍ وملاذ في أعقاب التطوّرات الاقتصادية والمالية التي شهدتها البلاد. إلا أنّ الضبابيّة السياسية والاقتصادية العامة، وغياب الحكومة، وانهيار سعر الصرف، كلّها عوامل مارست ضغوطاً ملحوظة على الطلب، ما أجبر العرض على اتّباع مسار تراجعي. في هذا السياق، تراجع عدد الصفقات العقارية بنسبة 16% في الفصل الأول من العام الجاري، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2020. بالفعل، اعتبر القطاع العقاري منذ العام 2019 استثماراً بديلاً عن الودائع في المصارف، حيث أجريت معظم عمليات البيع والشراء من خلال شيكات مصرفية، وهي وسيلة اعتمدها عدد من المودعين للإفادة من أموالهم في ظلّ الأزمة المصرفية والنقدية الحالية والقيود المصرفية المفروضة. وأيضاً، ما رفع من حجم الرسوم العقارية المستوفاة من وزارة المال، تهافُت العديد من المواطنين لتسوية بعض المخالفات والإفادة من بعض الإعفاءات، والأهم الإفادة من تدهور سعر صرف الليرة في السوق، ما جعل من القيمة الحقيقية المستحقّة على متأخراتهم أو تسوية مخالفاتهم، أقل بكثير من قيمتها منذ العام 2019 وما قبل. بالفعل، تشهد الدوائر العقارية تقديم العديد من المُخالفين طلبات لتسوية مخالفاتهم أو إنجاز عمليات التسوية أو إتمام عمليات الفرز لمبانٍ وعقارات، والإفادة من الإعفاءات والتسهيلات والأهم الإفادة من تدهور سعر صرف الليرة في السوق الموازية.
تراجُع العجز
 
بالعودة إلى الوضع المالي والأرقام المالية، تشير هذه الأرقام إلى تراجُع في عجز الموازنة الكلّي في أول 10 أشهر من العام 2020 بنسبة تخطّت 32% بالمقارنة مع الفترة ذاتها من العام 2019، حيث تراجع العجز من 5140.2 مليار ليرة إلى 3457.9 مليارات ليرة، بتراجع قارب 1682.3 مليارات ليرة. كما تظهر البيانات المالية، تراجعَ مجموع العجز إلى الفائض الإجمالي بأكثر من 30% من 6064.8 مليارات ليرة في أول 10 أشهر من العام 2019 إلى 4223.58 مليار ليرة نهاية تشرين الأول 2020. هذا وتتوقّع وزارة المال أن يتقلّص عجز الموازنة اللبنانية إلى نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2021، من 6% العام الماضي و11% في 2019، ويرجع ذلك في حدّ كبير إلى التخلّف عن السداد وإلغاء ما يُقارب من نصف الدين بالعملة المحلية.