إسرائيل في حالة إرباك وانتقادات ذاتية واسعة بعد المفاجأة وخسارة المعركة على الوعي في بدايتها

في ذروة الصدمة التي ألمت بإسرائيل بسبب الصواريخ بعيدة المدى والدقيقة وثقيلة الوزن والمشاركة الواسعة لفلسطينيي الداخل بالهبة الشعبية نصرة للقدس، وربما بسبب هذه الصدمة عبر عدد كبير من المعلقين عن انتقاداتهم للمستويين السياسي والعسكري نتيجة “الانجرار لحرب أرادتها حماس” وعدم الاستعداد للمواجهة خاصة تدابير حماية المدنيين في بعض المناطق والمعركة على الوعي.

كما وجهت بعض الأوساط السياسية والإعلامية إصبع الاتهام لرئيس حكومة الاحتلال بتوريط البلاد في مواجهة خطيرة من أجل البقاء في الحكم عبر منع المعسكر المناهض له تشكيل حكومة بديلة لحكومته. ودعا المعلق البارز في القناة 13 إلداد يانيف قادة رؤساء الأحزاب المعارضة لنتنياهو لتشكيل حكومة وإسقاط نتنياهو الذي يشعل البلاد ومن شأنه استدراج حزب الله ومئات الصواريخ للمعركة في سبيل البقاء في سدة الحكم.




وجهت بعض الأوساط السياسية والإعلامية إصبع الاتهام لرئيس حكومة الاحتلال بتوريط البلاد في مواجهة خطيرة من أجل البقاء في الحكم

وتابع مستعرضا حقيقة ما جرى بعيدا عن السرب الإعلامي الإسرائيلي: “سنكون عندئذ في الملاجئ ثلاثة شهور. نتنياهو هو مشعل هذه النار بدءا من قيامه وصديقه النائب المتطرف بن غفير بالاستفزاز في الشيخ جراح والحواجز في باب العمود وإلقاء قنابل صوتية داخل المسجد الأقصى وفي رمضان ومن ثم محاولة اعتراض قوافل المسافرين إلى القدس قبل أسبوع. نتنياهو أشعل الحريق”.

تحليلات

 ويؤكد مراسل صحيفة “يديعوت أحرونوت” العسكري يوسي يهوشواع أن جيش الاحتلال لم يقدر جيدا أن وجهة حماس نحو حرب وأن ضربة البداية ستكون بهذا الشكل. وقال إن الهدف الذي حدده رئيس أركان الجيش الإسرائيلي للعدوان الحالي على غزة هو “عدم الاكتفاء بإعادة الردع وإنما تعزيز الردع. لذلك، وإثر النتائج غير المرضية حتى الآن، يتوقع أن تستمر العملية العسكرية فترة حتى الوصول إلى الإنجاز المطلوب”، وتابع “لكن علينا الاعتراف أن نقطة البداية الإشكالية ستضع مصاعب أمام الغاية الطموحة”.

واعتبر زميله المحلل العسكري أليكس فيشمان أن إسرائيل الآن في حالة حرب وهذه ليست جولة ولا أياما قتالية مسوغا ذلك بالإشارة لإغلاق المطار الدولي في اللد واستهداف بنية تحتية إستراتيجية لشركة أنبوب إيلات – أشكلون، استهداف مكثف لمراكز سكانية، هي حرب بين إسرائيل وحماس. وتابع “رفضت إسرائيل توجهات دولية لوقف إطلاق النار وصادقت على درجات تصعيد أخرى في القتال من دون تاريخ لنهايتها”.

ووجه رئيس الجناح السياسي – الأمني الأسبق في وزارة الأمن الجنرال في الاحتياط عاموس غلعاد انتقادات قاسية لحكومة نتنياهو لعدم تبني استراتيجية للتعامل مع قطاع غزة وقيامها بإضعاف الرئيس عباس والتعاون غير المباشر مع حركة حماس. وهذا ما أكده أيضا رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق رئيس معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب عاموس ياديلن الذي أشار لنهاية الوهم “وعودة القضية الفلسطينية لتنفجر في وجوه الإسرائيليين بعدما ظنوا أنها تبخرت” محذرا من أن استمرار إدارة الصراع تعني تحول إسرائيل لدولة غير ديموقراطية أو غير يهودية.

أما إذاعة جيش الاحتلال فأكدت أن إسرائيل وقعت في مصيدتين الأولى مع صواريخ غزة وقالت إنها تستطيع التعامل وتدبر ذاتها معها بنهاية المطاف لكن المصيدة الثانية أخطر وهي دخول فلسطينيي الداخل على الخط بقوة أكبر مما كان في الانتفاضة الثانية عام 2000 مثلما أشارت هي الأخرى لانهيار مفهوم إضعاف عباس وتقوية حماس ضمن نظرية “فرق تسد“ بين الفلسطينيين.

هذه النكبة أيها الحمقى

واعتبر الكاتب المعلق في صحيفة “هآرتس“ روغل ألفير أن ما يجري الآن ويشاهده الإسرائيليون هو “دولتهم ثنائية القومية الموجودة في ذروة حرب أهلية وتتعرض للتمزيق، تحترق وتدفن تحت خرائبها”. وتابع مخاطبا الإسرائيليين ناقدا ومعاتبا “حتى اليوم ظننتم أن مثل هذا يحدث في إفريقيا فقط أو في أمريكا اللاتينية أو في ميانمار. الاختباء داخل البيوت في الليالي ومواجهات وتبادل رصاص في الشوارع وحتى اليوم اعتقدتم أن هذا يحدث فقط داخل القرى العربية ولذا شعرتم أنكم محصنون وحتى اليوم سمعتم عن ذلك من آباء أو أجداد دون شروحات مفصلة”.

 عندما ينهار الردع

ويوجه المحلل العسكري البارز في موقع صحيفة “يديعوت أحرونوت“ رون بن يشاي عدة انتقادات ذاتية ضمن مقال بعنوان “عندما ينهار الردع ويتحلل نظام الحكم تتأتى مخاطر الحرب الأهلية”. وينبه بن يشاي وهو ضابط في الاحتياط إلى أن إيران التي تراقب فشل المفهوم الإسرائيلي العام وترى مفاجأة صواريخ غزة قادرة على إلحاق ضرر أكبر بكثير بإسرائيل، معتبرا هو الآخر أن فقدان سيطرة إسرائيل مقابل المواطنين العرب فيها يظهر إلى أين دهورنا هذا النظام الحاكم المشغول بالتمسك بكراسيه.

من شأن إيران وحزب الله الاستنتاج بأن ما تستطيع حماس القيام به هم قادرون على مضاعفته مع أضرار أكبر

ويشير إلى أنه منذ يوم الإثنين الماضي وحماس تواصل مفاجأتها لإسرائيل مرة تلو المرة وأن هذا ينبغي أن يقلق الإسرائيليين ويضيف “إطلاق الصواريخ المكثفة نحو تل أبيب جاء تتمة مباشرة لقرار حماس إطلاق صواريخ نحو القدس. وفي الحالتين هناك مثال على تآكل قوة الردع مقابل الإرهابيين وهذه مشكلة استراتيجية تستدعي معالجتها فورا وإلا فإنه من شأن إيران وحزب الله الاستنتاج بأن ما تستطيع حماس القيام به هم قادرون على مضاعفته مع أضرار أكبر”.

واعتبر رون بن يشاي أن استهداف حماس لمركز إسرائيل بالصواريخ دلل على وجود تقديرات استخباراتية معطوبة حول قدرات حماس والجهاد الإسلامي الصاروخية في منذ حرب “الجرف الصامد“ عام 2014″. وقال بن يشاي إن الجيش والمستوى السياسي وأوساطا إعلامية مالت للاستخفاف بقدرات إطلاق الصواريخ الثقيلة بعيدة المدى من غزة حتى وقعت المفاجأة خاصة إزاء دقة هذه الصواريخ وأوزان المواد المتفجرة المحمولة فيها. وتابع “ربما هناك من يدعي أن الجيش كان يعرف ولا توجد هنا مفاجأة ولكن كان ينبغي على المؤسسة الحاكمة تهيئة الإسرائيليين من ناحية الوعي لأن هذه الهجمات كان من الممكن أن توقع عددا أكبر من الضحايا ولكن ما حصل هو ضربة لإسرائيل من ناحية الوعي وإنجاز إضافي لحماس والجهاد الإسلامي”.

“حارس الأسوار”

كما قال إن الإسرائيليين شهدوا في اليوم الأول من عملية “حارس الأسوار“ انهيار المفهوم العام للجيش والمستوى السياسي والقائل إنه كلما تحسنت أحوال سكان القطاع وتم تخفيف ضائقتهم الاقتصادية والصحية ستكون حماس مستعدة أكثر للموافقة على تسوية وتهدئة للمدى البعيد مع إسرائيل. ويضيف “باسم هذا المفهوم العام قمنا بتقديم رشاوى لحماس بأموال قطرية وقمنا برد معتدل على استفزازاتها. انهار هذا المفهوم ورفضنا تصديق انهياره بالتدريج حتى جاءت المفاجأة باستهداف القدس وتل أبيب بصواريخ أفهمتنا أن الوضع الاقتصادي المتحسن في غزة لا يقلل من حجم الطموحات السياسية والجهادية لـ”الإخوان المسلمين“ الفلسطينيين وحلفائهم ويبقى أن نرجو أن يزال هذا المفهوم عن الطاولة واستبداله بتوجه عملي أكثر واستراتيجي أكثر للقضية الفلسطينية بشكل عام ولغزة بشكل خاص”.

 المفاجأة الثانية

ويشير رون بن يشاي أيضا لمفاجأة فلسطينية ثانية تتمثل بحالة الفوضى داخل البلدات العربية في إسرائيل منوها أن “المشاركين فيها ليسوا عشرات من المتهورين بل جماهير عنيفة داسوا القانون ومن لم يشارك فيها انتصارا للأقصى لتعرضه للخطر فقد صمت ولم يبادر لوقفها. هذه الحقيقة ينبغي أن تفحص للعمق وتعالج وليس فقط على مستوى الشرطة”.

ويتبنى رون بن يشاي انتقادات آخرين وجهت للحكومة الإسرائيلية بإهمال واقع حياة المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل وقال إن صرف النظر عن جرائم القتل بينهم يعتبر خطأ لأن الجريمة هناك عادت كيدا مرتدا على الإسرائيليين أيضا وللبلدات اليهودية وللمدن المختلطة كما حصل في اللد والرملة وعكا وحيفا.

ويقول إن الشرطة ارتكبت أخطاء كثيرة في الأزمة الراهنة وهي تكابد النقص في عدد عناصرها وقدراتها وقامت أوساط يمنية متطرفة بسلسلة استفزازات في القدس ولكن ينبغي أن نعترف بأنهم ليسوا الدافع المركزي للأحداث في القدس وداخل الحرم. ويزعم رون بن يشاي أن ما حصل هو بمبادرة مواطنين عرب في إسرائيل أشعلوا النار ولم يخجلوا من الزعم لاحقا بأنهم ضحية اعتدي عليهم. ويضيف “الأحداث في اللد والرملة والتي أطلق فيها مواطنون عرب الرصاص على رجال شرطة وكذلك حاجة الشرطة لاقتحام الحرم القدسي كل ذلك يدلل على أن تسخين الأوضاع من شأنه أن يؤدي لحرب أهلية حقيقية بين الطوائف وربما هناك حاجة للقيام بخطوات أخرى كإدخال الجيش للفصل بين اليهود وبين العرب في المدن المختلطة لمنع التدهور”.

تحذير من تحديين أولهما ازدياد التوتر الديني بين اليهود والعرب والثاني انحلال النظام الحاكم (حكم نتنياهو)

ويحذر من تحديين أولهما ازدياد التوتر الديني بين اليهود والعرب والثاني انحلال النظام الحاكم (حكم نتنياهو) وانشغاله بالكرسي وإهماله الكامل طيلة سنوات للقضية الفلسطينية علاوة على تفاقم العنف والجريمة في البلدات العربية في السنوات الأخيرة. ويخلص رون بن يشاي للقول “الحكومة في السنوات الأخيرة لم تهتم بكل هذا حتى انفجر الواقع في وجهنا وفاجأنا وينبغي وضع حد لذلك وإسرائيل بحاجة لحكومة سريعا وليس لجولات انتخابية جديدة وعلى الجيش والشرطة فعل كل ما هو مطلوب لترميم قوة الردع المتبخرة”.

حماس كدولة عدة

من جهته دعا المستشرق صاحب التوجهات اليمينية دكتور مردخاي كيدار للاستيقاظ والاعتراف بـ”دولة حماس“ كدولة عدو معتبرا أن الحل الوحيد بتفكيك السلطة الفلسطينية. ويقول في مقال نشرته “معاريف“ أمس إن إسرائيل خبرت تجارب مماثلة للأزمة الراهنة التي شارك فيها مواطنون عرب فيها واستنكرت أوساط عالمية مواقفها منوها لوجود مركب جديد غير مسبوق هذه المرة – إنذارات حماس والجهاد الإسلامي: إنذار حماس لإسرائيل بالانسحاب من الشيخ جراح حتى الساعة السادسة مساء في العاشر من الشهر الجاري.

وتابع “فعلا عند السادسة مساء أطلقوا الصواريخ نحو القدس ولاحقا جاء إنذار الجهاد الإسلامي. هناك جديد إضافي وهو إطلاق صواريخ نحو العاصمة ونحو العمق الإسرائيلي وهذا كان حتى الآن فقط بعد تصعيد في المواجهات السابقة. وتجديد آخر يتمثل بتهديدات مباشرة من قبل الذراع العسكري لحماس الذي ينذر إسرائيل”.

ويخلص للقول إن “هناك مثلبة بالاعتراف بغزة كدولة تتمثل بكونها جائزة لدولة إرهاب ومع ذلك هناك امتيازات مضاعفة بذلك خاصة تفكيك السلطة الفلسطينية لقسمين في غزة وفي الضفة ولاحقا إمكانية التقدم نحو حل حقيقي للقضية الفلسطينية- حل الإمارات الثماني واحدة في غزة وسبع أخرى في الضفة الغربية. قيام دولة غزة مع كل الإشكاليات المترتبة عنها سيخدم مصلحة حيوية لإسرائيل وعلى رأسها حل السلطة الفلسطينية وعلى إسرائيل أن تسارع بالاعتراف بدولة غزة قبل أن تطرح حماس إنذارا جديدا مدعوما بصواريخ بضرورة قبولها والاعتراف بها كدولة حتى الساعة السادسة”.

أما المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس“ عاموس هارئيل فقال إنه في الأسابيع الأخيرة تساءل عدد من الأطراف السياسية والأمنية التي لا تؤيد نتنياهو: هل يصعد نتنياهو المواجهات العسكرية قصدا بهدف الحصول على ربح سياسي. وتابع في تأكيد اتهامه “الكل قال لا. أكثر من ذلك، على الرغم من الخصومة الشخصية بينه وبين غانتس كان نتنياهو ينسق بصورة كبيرة مع وزير الدفاع طوال الأزمات الأخيرة في القدس والمناطق، وأيضا في الساحة الإيرانية. مع ذلك، لا شك في أن التصعيد الحالي يخدمه. فهو يصعب على نفتالي بينت ويائير لبيد تشكيل ائتلاف في الأيام المقبلة، وسيلقي بظله على محاولات الحصول على تأييد القائمة المشتركة وراعم في الداخل أو في الخارج. في هذه الأثناء أصدر لبيد وبينت وجدعون ساعر بيان تأييد للخطوات العسكرية الصارمة التي اتخذتها الحكومة”.

ويقول إن “المفارقة أنه ربما عن غير قصد تقدم “حماس” الآن خدمة أخيرة لنتنياهو. استمرار الحريق في المناطق يمكن أن يدفن حكومة التغيير قبل أن تولد”. ويضيف “يبدو أنه بمرور كل يوم، وخصوصا إذا جرى هذا تحت إطلاق النار تتقلص فرص نجاح الكتلة التي توحدت ضد نتنياهو. في المقابل، نتنياهو في وضع لا يُحسد عليه. كما تعلم إيهود أولمرت قبله، من الصعب أن تكون رئيسا للحكومة لا يتمتع بشعبية وفي الوقت عينه يقوم بخطوات أمنية خطرة بينما الكثير من المواطنين يشككون في رجاحة رأيه”.