العقوبات على “حزب الله” تبيّنُ تغيّر نظرة بايدن لإيران؟

تظهر المؤشرات الأولية أن سياسة الإدارة الحالية تجاه “#حزب الله” لن تكون مختلفة كثيراً عن سابقتها، بعدما فرضت أمس عقوبات على سبعة لبنانيين مرتبطين بمؤسسة “القرض الحسن” التابعة للحزب نفسه.

دعا وزير الخارجية أنتوني بلينكن دول العالم إلى اتخاذ خطوات مشابهة لتقييد أنشطة الحزب وتعطيل شبكات التيسير الخاصة به “بسبب ما يشكله من تهديد على الولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها في الشرق الأوسط”. وأضاف أنّ أنشطة مؤسسة القرض الحسن “تقوم بنقل الأموال بشكل غير قانوني من خلال حسابات وهمية” وهو أمر يعرّض المؤسسات المالية اللبنانية لمخاطر العقوبات. وقال إنّ الولايات المتحدة ستواصل اتّخاذ إجراءات لتقييد أنشطة “حزب الله”.




وُضع الحزب على لائحة الإرهاب في 31 تشرين الأول 2001 أمّا مؤسسة “القرض الحسن” ففي 24 تموز 2007. واتّهمت وزارة الخزانة اللبنانيين السبعة بالاحتفاظ بحسابات مشتركة في بنوك لبنانية مكّنتهم من تحويل أكثر من 500 مليون دولار خلال العقد الماضي من ضمن النظام المالي الرسمي.

وسيُمنع المصنّفون على لائحة العقوبات من الوصول إلى جميع الملكيات أو المصالح في ملكيات “مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، (بنسبة) 50% منها أو أكثر، فردياً أو مع أشخاص محظورين آخرين، موجودة في الولايات المتحدة أو في حوزة أو سيطرة أشخاص أميركيين”، بحسب ما جاء في بيان الوزارة.

محادثات #فيينا و”كاسندرا”

ليس بالضرورة أن تؤثر هذه العقوبات على المفاوضات غير المباشرة بين الأميركيين وال#إيرانيين في فيينا والهادفة إلى عودة الطرفين للاتّفاق النووي. في الواقع، قد تكون هذه العقوبات دليلاً على أنّ المفاوضات باتت في مرحلة متقدّمة.

سنة 2015، وللتعويض عن الاتّفاق النووي الذي لم تُدعَ السعودية إلى المحادثات المرتبطة به، أعلنت إدارة #أوباما دعمها اللوجستيّ للحرب التي قادتها الرياض ضد الحوثيين بناء على طلب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. أبعد من ذلك، وقّعت إدارة أوباما على قانون صادر عن الكونغرس يفرض عقوبات قاسية على “حزب الله” في كانون الأوّل 2015 أي بعد خمسة أشهر من التوقيع على #الاتفاق النووي.

في تلك الخطوة، حاولت إدارة أوباما توجيه رسالة إلى حلفائها الإقليميين بأنّ الولايات المتحدة لن تتساهل في التعامل مع المجموعات المرتبطة بإيران في المنطقة. هذا ما حاولت تلك الإدارة إبلاغه إلى حلفائها وشركائها في العلن، أقلّه قبل أن يتبيّن لاحقاً أنّها قدّمت تساهلات كثيرة إلى “حزب الله” من أجل إرضاء الإيرانيّين وإنجاح الاتّفاق النوويّ.

ففي ذلك الوقت، أوقف أوباما التحقيق في نشاطات “حزب الله” تقوده وكالات مكافحة الجريمة وتهريب المخدّرات في الولايات المتّحدة، ضمن “مشروع كاسندرا”. ووفق عشرات المسؤولين في المشروع والذين قابلتهم مجلّة “بوليتيكو”، وضعت إدارة أوباما سلسلة متزايدة من العقبات التي لا يمكن لا تجاوزُها أمام المشروع من أجل عرقلة تتبّع نشاطات الحزب الدوليّة. وبحسب المجلّة، أدّى المدير السابق لـ”وكالة الاستخبارات المركزية” (سي آي أي) دوراً في دفع أوباما إلى الانفتاح على “حزب الله” مقترحاً تفعيل مكانة “العناصر المعتدلة” داخل الحزب من أجل دمجه في النظام السياسي اللبناني.

ليس واضحاً ما إذا كانت تملك الإدارة الحاليّة وجهة نظر مشابهة تجاه الحزب. لكنّ عقوبات أمس لا تؤيّد هذه الفرضيّة. كذلك، يعدّ برينان من الوجوه “الأوباميّة” البارزة التي لا تحظى بمنصب في الإدارة الحاليّة. بالرغم ممّا سبق، لا تترادف هذه العقوبات مع سياسة أميركيّة متشدّدة تجاه إيران.

“التفاوض على اتفاقين”

قد تكون إجراءات الثلاثاء رسالة تطمين مشابهة لتلك التي كانت تصدر علناً عن إدارة أوباما تجاه الحلفاء الإقليميين، لكن أيضاً تجاه جمهوريّي الكونغرس. مع العلم أنّ بعض الديموقراطيين رافضون للانفتاح الأميركيّ على إيران، لا يزال موقف الغالبية الديموقراطيّة مؤيّداً لعودة الإدارة الحالية إلى الاتّفاق. فيوم الاثنين، وجّه 53 عضواً في اللجنة الوطنيّة الديموقراطيّة رسالة إلى #بايدن يطالبونه فيها برفع العقوبات عن إيران مقلّلين من أهمّيّة إشكاليّة من يعود أوّلاً إلى التزاماته. وثمّة جانب آخر يمكن أن تُقرأ العقوبات من خلاله.

على الرغم من الرغبة الأميركيّة بالعودة إلى الاتّفاق النوويّ، والحاجة الإيرانيّة إلى رفع العقوبات عنها، لا يمكن التقليل من أهمّيّة الاختلافات بين الطرفين لإحياء الاتّفاق. في هذا السياق، نقلت صحيفة “نيويورك تايمس” عن المسؤول الأميركيّ السابق والأكاديميّ الحاليّ في جامعة جون هوبكينز للدراسات الدوليّة المتقدّمة والي نصر قوله إنّ إيران والولايات المتحدة “تتفاوضان فعلاً حول اتّفاقين مختلفين”.

عمليّاً، لم يعد اتّفاق 2015 مرضياً لكلا الطرفين. فواشنطن تريد منه أن يكون نقطة انطلاق للتوصّل إلى اتّفاق أكثر تشدّداً، يطال برنامج إيران الصاروخي وسلوكها الإقليميّ وحتى تعزيز القيود النوويّة التي تجعل إيران غير قادرة على إنتاج ما يكفي من الوقود لصنع قنبلة نوويّة طوال عقود. ترفض إيران هذه المطالب، وتضيف عليها مطلب سماح بايدن بإبقاء أجهزة التخصيب المتطوّرة التي فعّلتها بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتّفاق. لغاية الآن، يرفض بايدن هذه المطالب لأنّه يدرك وفقاً للصحيفة عينها أنّه لا يستطيع ببساطة العودة إلى اتّفاق 2015 وإعطاء وعود فضفاضة عن تعزيزه في فترة لاحقة.

لذلك، ربّما تكون العقوبات أيضاً تحفيزاً أميركيّاً لإيران من أجل تسريع المفاوضات. فلواشنطن مصلحة في ذلك مع قلق من وصول حكومة إيرانيّة متشدّدة إلى طهران بعد الانتخابات الرئاسيّة المزمع إجراؤها الشهر المقبل.

أخيراً، من غير المستبعد أن تكون العقوبات على “حزب الله” مرتبطة حصراً بالوضع اللبنانيّ مع تزايد القلق الدوليّ من المسار الانحداريّ الذي تسلكه البلاد خصوصاً بعد فشل المبادرة الفرنسيّة. في جميع الأحوال، يصعب توقّع أن تؤثّر العقوبات على مسار فيينّا، هذا إن كانت مرتبطة بها أصلاً.

فإيران والحزب معتادان على إجراءات كهذه من الإدارات الديموقراطيّة تحديداً. حتى مع وضع عرقلته “مشروع كاساندرا” جانباً، سبق لأوباما أن فرض عقوبات على “حزب الله” سنة 2009، ثمّ سنة 2013 أي بعد انطلاق المفاوضات مع إيران، ولم يعرقل ذلك المسار الديبلوماسيّ المشترك. وهذا ما يمكن توقّعه إلى حدّ كبير مع عقوبات الثلثاء.

المصدر: النهار