الياس خوري - القدس العربي

في القدس – الياس خوري – القدس العربي

القدس، أي فلسطين، هي الموضوع.

هنا أعاد المقدسيات والمقدسيون رسم الخريطة.




الخرائط التي رسمها ترامب ونتنياهو على الورق، والتي أُطلق عليها اسم صفقة القرن، تمزقت تحت أقدام الناس.

وتشظت الفقاعة الإسرائيلية العربية المسماة «اتفاق أبراهام» وبدت مشاهد التوقيع في واشنطن وحفلات التطبيع في دبي وأبوظبي أشبه برسوم متحركة، لم تصمد على الورق الذي رُسمت عليه، وتبخرت مع انتهاء المشاهد التلفزيونية المملة.

في القدس أي في فلسطين، في باب العامود وفي الشيخ جرّاح وشارع صلاح الدين، أعلن الفلسطينيات والفلسطينيون أن فلسطين هي المقاومة، وأن من اعتقد أنه دفن المقاومة تحت ركام الانهيار العربي الكبير ليس سوى واهم لا يحسن قراءة لغة الحياة وبلاغة مقاومة الموت.

في القدس أي في الأقصى، تستعاد روح انتفاضة الأقصى، ونرى قناديل الضوء وهي تكسر عتمة ليل العرب الطويل.

في الشيخ جرّاح لم نعد في حاجة إلى قراءة الكتب التي تصف وقائع النكبة الكبرى التي جرت سنة 1948. فالنكبة تجري كل يوم في فلسطين، لكنها تتخذ شكلها الأكثر صفاقة ووحشية في القدس.

هبة القدس التي صنعت مناخاً تضامنياً في أراضي 1948 هي الإشارة الأولى إلى أن فلسطين تفتح أبواب انتفاضتها الثالثة الكبرى، فعربدة المستوطنين لم تعد تحتمل، وانتفاخ إسرائيل بالقوة المطلقة، والشعور الوهمي الذي أعطتها إياه خيانات أنظمة الذلّ العربية بأن صفحة فلسطين قد طويت وتحللت في براميل النفط، يتلاشى تحت الأقدام.

قضية فلسطين تدور في فلسطين أولاً، وقرارها بيد شعبها وحده.

لا أدري كيف اعتقدوا أن شعباً كاملاً سوف يرضى بالتحول إلى بقايا وأشلاء؟

هذا الاقتناع المستجد في إسرائيل وفي العالم العربي يعود إلى سببين:
السبب الأول هو الانهيار العربي الذي صنعته الثورة المضادة، حين نجحت في سحق الرياح الديموقراطية التي هبت مع انتفاضات الشعوب.

والسبب الثاني هو الهوان السلطوي الفلسطيني الذي يتخذ شكل الانقسام، ويتجسد في التنسيق الأمني المشين، وفي الاستبداد السلطوي، كأن نظام أوسلو هو نظام عربي آخر. كما يأخذ هذا الهوان مظهره الأكثر فداحة في فقاعة الرأسمالية الطفيلية الفلسطينية المتخلجنة، التي بنت اقتصاداً تابعاً لإسرائيل، وغذت الأوهام النيوليبرالية، وقدمت نموذجاً لمدينة فلسطينية بنيت على نسق المستوطنات الإسرائيلية.
الرهان على انهيار العرب حقيقي وغير حقيقي في آن معاً. وهذا لا يعود فقط إلى أن القوى الحية في الشعوب لا يمكن أن تموت، بل يعود أيضاً إلى البجاحة التي تحكم تصرفات منتصري الساعة المنقلبة. ولعل ذروة الاستخفاف بعقول الناس هي «اتفاقات أبراهام»، التي تفوقت على كل مشاريع التطبيع السابقة، وحولت التطبيع تبعية، وأخذت بعض الحكام إلى الانتشاء بالهزيمة، والافتخار بتاج العار.

كما أن كمية المهانات التي كان على الناس أن تحتملها وسط الإفقار وأشباح المجاعة والتهجير، لم تعد تحتمل.

أما هوان «روابي» السلطة، فهو المسألة.

فالسلطة التي تجددت على إيقاع هزيمة الانتفاضة الثانية، بعد موت ياسر عرفات والانقلاب عليه، أسست لنظام استبدادي انفجر من داخله في الانقسام. كما فقدت القدرة على تقديم مشروع سياسي يحمل حداً أدنى من التماسك. مشروعها الفعلي كان الاستسلام لوهم الاستسلام، أي للوهم الذي غذاه الأمريكان بأن الرضوخ لمطالب الرباعية الدولية، وتحويل جهاز الشرطة إلى أداة قمع برعاية الجنرال دايتون، وتشريد شباب «كتائب شهداء الأقصى» واعتقالهم، سوف يقود إلى سلام ناقص، يعطي الفلسطينيين ما يشبه الدولة.

ووصلت الأمور إلى ذروة الاستخفاف عندما تم تأجيل الانتخابات الفلسطينية بحجة أن إسرائيل لن تسمح بها في القدس. وكلنا يعرف أن سبب التأجيل لا علاقة له بالقدس لا من قريب أو بعيد، بل هو الحيلة الأخيرة لمنع التغيير، الذي شكل عماده الأساسي مروان البرغوثي، الأسير الذي يقود بلاده الأسيرة، وسوف بفتح انتخابه الباب لعودة لغة المقاومة، وعودة الفدائيين إلى قيادة العمل الوطني.

الوهم قاد السلطة إلى الوهن.

القدس التي تنتفض لم تطلب إذناً لا من الإسرائيليين ولا من السلطة. والسلطة التي ادعت «حرصاً انتخابياً» على القدس، لا أثر لها في الهبة المقدسية، بل إن الهتافات التي اشتعلت بها الحناجر شكلت إدانة واضحة للسلطة ولموقفها التخاذلي.

القدس التي قرر الأمريكيون والإسرائيليون اعتبارها «العاصمة الأبدية»، لدولة لن تكون أبدية، لأن التاريخ لا يعترف بأبدية أحد، هذه المدينة التي تقدست بدماء شهدائها، تحولت في ليلة القدر إلى شجرة اختلف الناس في تسميتها، بعضهم أسماها فوَّاحة الليل أو شجرة الليل أو مسك الليل، وبعضهم الآخر أسماها شجرة الكولونيا، ولها اسم آخر غير متداول، لكنه الأجمل، هو شجرة ليلة القدر. تحمل هذه الشجرة أزهاراً صغيرة بيضاء تشبه القناديل، تتفتح في الليل وتنشر رائحتها العطرة، وفي النهار تقفل أزهارها.
يجب التمييز بين هذه الشجرة وشجرة أخرى شبيهة تنتج أزهاراً أكبر حجماً من شجرة ليلة القدر، ويطلق عليها بالإنكليزية اسم «بوق الملائكة». فشجرة الأبواق سامة، أما شجرة ليلة القدر فأزهارها الصغيرة لا تحمل سوى الرائحة العطرة، وتتفتح عندما يُليِّل الليل.

لَيَّل ليلُنا العربي والفلسطيني.

ولم يعد أحد قادراً على الرؤية وسط العتمة.

وفي ليالي القدس التي بدأت بمواجهات باب العامود، ولدت لنا ألوف أشجار ليلة القدر. رجال القدس ونساؤها تحولوا إلى أشجار تحمل قناديل الحرية. أعلن الفلسطينيات والفلسطينيون أنهم قدر مدينتهم، فامتلأت فلسطين بالقناديل البيضاء المضرجة بالدم، ورأينا كيف تصرخ الأشجار وتواجه المحتلين معلنة أن جذورها عميقة في الأرض، ولا يُمكن اقتلاعها.

في القدس تنفست فلسطين عبير الانتفاضة.

والقدس لم تنتظر ولن تنتظر، لكنها تعرف أن أشجار ليلة القدر ستملأ فلسطين كلها برائحة الحرية.