فرنسا تنعي مبادرتها – مصطفى فحص – الحرة

في الرابع من آب منعت مبادرة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، سقوط الطبقة السياسية اللبنانية بالضربة القاضية، حينها تعاملت السلطة الحاكمة مع المبادرة الفرنسية كفرصة لإنعاشها، بعدما وضعتها انتفاضة تشرين في غرفة العناية المشددة بعد تعرضها (لكوما) سياسية، اعتقد حينها الحريص الفرنسي على لبنان وعلى دور بلاده ومن خلفها أوروبا، أن حجم الأزمة قد يشكل فرصة لبلاده في إعادة إحياء دورها.

خفة ماكرون الدبلوماسية أوقعته في شباك المافيا اللبنانية، فكاد الرئيس الشاب الطموح أن يسقط في لبنان، لكن في حسابات الدول الكبرى سقوطه هو سقوط لفرنسا، وسقوط فرنسا سقوط لأوروبا، لذلك وضع أقوياء أوروبا خطوطهم الحمراء، أو أوقفوا مسلسل التنازلات الفرنسية المباشرة وغير المباشرة، فأصبحت المبادرة الفرنسية أوروبية، بشروطها التي تفرض على المعنيين في لبنان مراعاتها وتحمل مسؤولية عرقلتها.




إلى بيروت وصل وزير خارجية فرنسا لودريان، محملا بالشروط الفرنسية الأوروبية المغطاة عربيا، بعدما انتزع من الإليزية اعترافا بأن رؤية وزارة الخارجية كانت أكثر دقة مما حاول القصر الرئاسي تمريره في الأشهر الأخيرة وفشل، جاء لودريان هذه المرة ليضع حدا لتأويل الطبقة الحكامة، ويعريها من أي غطاء خارجي، كان من الممكن أن تحصل عليه ويساعدها على إعادة تعويم نفسها.

زار لودريان ما تبقى من هياكل المؤسسات الرسمية على عجل، من باب اللياقة الدبلوماسية، لم يبذل جهدا في إقناعهم بأن الأوضاع قد خرجت عن السيطرة، وبأن انهيار الأوضاع قد يسبق تشكيل الحكومة، وبأن تعاطيهم غير المسؤول مع مبادرة بلاده سيتحول إلى ردة فعل قاسية عليهم، وهذا ما بدى في جدول لقاءاته، حيث أكد أمام من التقاهم من شخصيات معارضة أنه قرر عدم اللقاء بالقوى الطائفية لأنها لم تلتزم بما تعهدت به، وهو ما استدعى تحركا عقابيا فرنسيا أوروبيا سياسيا ومعنويا، كانت أولى علاماته اجتماعه مع قوى المعارضة في قصر الصنوبر.

في قصر الصنوبر رسالة جون أيف لودريان كانت واضحة، فضّل لقاء من يمثلون المستقبل، حتى لا يبقى التعامل مع من يصرون على البقاء في الماضي ويحاولون إعادة إنتاجه، ففي الحديث إلى المعارضة ككل، من حضر أو تغيب، أو لم يرغب أصلا بالحضور، رسمت الخارجية الفرنسية خارطة عمل جديدة في لبنان، أسست لعلاقات أكثر صدقا ومصداقية، عندما تعاملت مع المجموعات التي خرجت من رحم تشرين ككيانات سياسية ناشئة، وليس كنشطاء من المجتمع المدني، وكأن لودريان يريد التكفير عن ذنوب ارتكبها قصر الإليزية كادت أن تتسبب بخسارة فرنسا لما تبقى لها في وجدان اللبنانيين.

بالرغم من الخلافات والاختلافات التي ظهرت إلى العلن ما بين المجموعات السياسية حول جدوى وأهمية اللقاء مع وزير الخارجية الفرنسي، بعيدا عن التأويلات الداخلية، فإن الخطوة الفرنسية المتأخرة، ضربة موجعة للطبقة السياسية التي راهنت دائما على فشل الانتفاضة في إنتاج البدائل، وعملت على الاستثمار في تناقضاتها وعدم توحدها، أو تقديم مشروع بديل يقطع الطريق على مقولة (بأن الخارج سيُقر بضرورة التعامل مع الأمر الواقع) إلا أن ما جرى في قصر الصنوبر هو اعتراف فرنسي بأن واقعا جديدا تكون ما بين 17 تشرين و4 آب ومهما كانت تناقضاته يجب التعامل معه بشكل رسمي.

في اللقاء مع لدوريان كان من يمثل جزءا من المعارضة أكثر انسجاما، وكان هذا واضحا فيما صدر عنهم بعد اللقاء، ففي بيانها الذي أصدرته بعد مشاركتها في لقاء قصر الصنوبر، أكدت عامية 17 تشرين (وهي واحدة من الكيانات السياسية البارزة في الفضاء العام للانتفاضة) على “ضرورة تشكيل حكومة انتقاليّة مستقلة – رئيسا وأعضاء – من خارج توازنات انتخابات 2018، وضرورة محاكمة المسؤولين عن جريمة 4 آب وإحقاق العدالة للبنانيين جميعا.”

وعليه يمكن الرهان على أن الاجتماع ما بين وزير الخارجية الفرنسي ومجموعة من قوى المعارضة، قد نجح في تنبيه باريس من أن دعم الفرنسي غير المشروط سيمكن الطبقة الحاكمة من الإفلات من مسؤولياتها، وبأنه لا يمكن اختزال الأزمة ببعدها الاقتصادي والمعيشي، بل أنها باتت بنيوية، تفرض على الداخل والخارج إعادة مراجعة دور الحاكمين وشكل الحكم، وبأن 17 تشرين تشكل آخر نافذة للأمل، بالرغم مما قاله الزائر الفرنسي بأن لبنان لم يعد ضمن حسابات المجتمع الدولي.