تسديد الودائع… من أين سيُموَّل وهل ستتجاوب المصارف؟

من حيث لم يتوقَّع أحد، وفي أحلك الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها البلد، أعلن المركزي عزمه التفاوض مع ال#مصارف لدفع ال#ودائع للمودعين الصغار، في خطوة تتزامن مع التوجّه إلى رفع الدعم وإلى توفير البطاقة التمويلية، وإطلاق المنصّة الإلكترونية “Sayrafa” لعمليات الصرافة بمشاركة المصارف والصرافين.

مضمون البيان طرح تساؤلات عديدة، لجهة التمويل بال#دولار للتمكّن من تحرير الودائع، والتوقيت الذي قرّر فيه المركزي طرح هذه المبادرة، ومدى نجاح ما يهدف إليه.




في بيانه، طلب #مصرف لبنان إلى المصارف، تزويده بالمعطيات ليبني عليها خطّة، يتم بموجبها دفع مبالغ تصل إلى 25 ألف دولار أميركي، وبالدولار الأميركي أو أيّ عملة أجنبية، إضافة إلى ما يساويها بالليرة اللبنانية. وتؤكّد مصادر مصرفية لـ “النهار” أنّ “المركزي جاهز اليوم لتنفيذ هذه الخطوة، بسبب توافر شروط كان يجب توفيرها تمهيداً لتحرير الودائع الصغيرة”.

وأول هذه الأسباب، وفق المصادر، تقلّص حجم الودائع منذ عام حتى اليوم، بسبب سحب جزء منها على سعر صرف 3900 ليرة أو دفع بالشيكات وشراء العقارات وغيرها من الممارسات. فالشريحة الكبرى من القطاع المصرفي تُقدّر بنحو 85-90% من المودعين، وهم أصحاب الودائع التي تقلّ عن 50 ألف دولار، قبل 2019. وتم استنزاف أكثر من 50% من هذه الودائع عبر سحبها على السعر المذكور.

أمّا السبب الآخر، فهو إتمام ثلاثة استحقاقات، وعلى رأسها تأمين المصارف 3% من ودائع لديها بالعملات الأجنبية لدى المصارف المراسِلة في الخارج، ما سمح للمصارف المحلّية بتأمين ملايين الدولارات الموجودة في الخارج.

إلى جانب ذلك، تشرح المصادر أنّه مع دخول البلاد مرحلة رفع الدعم وتوفير البطاقة التمويلية، قد يكون ارتأى مصرف لبنان أنّ الأفضل له أن يدفع الودائع للناس وتخفيف المطلوبات عليه، المتمثلة بودائع الناس، بدلاً من إعطاء بطاقة تمويلية يموّلها هو، وتبقى المطلوبات عليه.

وبرأي المصادر، فإنّ “الهدف الأساسي من تحرير الودائع الصغيرة هو التخفيف من حجم الكلفة التي سيدفعها المركزي لتمويل البطاقة التمويلية”، عبر تسديد الودائع الصغيرة، ومن ثم تقليص عدد الأشخاص المستحقِّين للبطاقة التمويلية.

ومن جهة توقيت طرح مبادرة المركزي، رأت المصادر أنّ “التوقيت ذكي، بعد توافر عوامل أساسية لتنفيذ هذه الخطوة، إلى جانب حلول بداية الصيف، الذي يشهد عادةً تدفّق السيولة بالدولار، مع عودة المغتربين والأجانب، فكل هذه العوامل ستساعد المركزي على دفع الودائع. لكن الحديث عن الودائع الكبيرة مبكّر الآن، إلا أنّ دفع جزء من الودائع ككلّ بالدولار يريح السوق، والناس بحاجة لأن ينفقوا من حساباتهم لا أن يهرّبوا أموالهم إلى الخارج في الظروف الراهنة”.

وعن مدى تجاوب المصارف مع طرح المركزي، ترى المصادر أنّ “المصارف ستتجاوب مع طلب المركزي بدفع الودائع، وسيدفع المركزي المصارف لئلّا يبقى أمامها سوى أن تتجاوب، نتيجة للظروف الصعبة جداً”.

ووفق بيان مصرف لبنان، سيتدخّل المركزي عند اللزوم لضبط التقلّبات في أسعار سوق الصيرفة، علماً أنّ السعر ستحدّده حركة السوق التي ستكون مفتوحة أمام الأفراد والمؤسسات.

وتعلّق المصادر على هذا الطرح، بأنّه “يجب تأمين الدولار لضبط سوق القطع، والمركزي لا يخلو من الاحتياطي. وتدخّله في هذا الإطار لن يكلّفه شيئاً، فيمكن ضبط السوق بـ 3 أو 4 ملايين يومياً، فسوق القطع اللبنانية صغيرة جداً”. لذلك، إذا ما رُفع الدعم بطريقة منظَّمة يمكن أن يحافظ سعر صرف الدولار على نحو 10000 ليرة على منصة “Sayrafa” الجديدة.

بعد مرور أكثر من سنة على وضع المصارف يدها على أموال المودعين، هل تتجاوب المصارف مع طلب المركزي؟ ومن أين التمويل لتحرير الودائع الصغيرة؟

يشرح الأستاذ الجامعي والباحث الاقتصادي، البرفسور روك-أنطوان مهنا، في حديث لـ “النهار”، أنّ أمام مصرف لبنان خيارين لتمويل تحرير الودائع؛ إمّا عبر المصارف وتكون من أموال المصارف الموضوعة بالخارج إلى جانب محفظة استثماراتها الكبيرة في الخارج. ورغم أنّه لا يعلم أحد ماذا باتت تمتلك المصارف بعد الأزمة من جرّاء تهريب الأموال، في ظلّ غياب قانون الكابيتال كونترول، من المؤكّد أنّ بعض المصارف باعت بعض فروعها في الخارج، وبعضها الآخر صفّى استثماراته في الخارج. إذاً قد تلبّي المصارف طلب المركزي، وتحرّر الودائع الصغيرة نتيجة الضغط الذي شهده أصحابها والمساهمون، والحجز قضائياً على ممتلكاتهم.

أمّا مصدر التمويل الآخر، فهو من الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي أي من أموال المودعين، لتوزيعها مباشرةً على صغار المودعين.

وبحسب مهنا، تأخّر اتخاذ خطوة تحرير الودائع. إذ كان يجب على المركزي توزيع الودائع إلى أكثر من 90% من المودعين عندما كان الاحتياطي من الدولار لديه يُقدَّر بـ30 مليار دولار، لكنّه استنزف معظم هذا الاحتياطي بالدعم والتهريب.

حالياً، يرى مهنا أنّ “خطوة تحرير الودائع الصغيرة في هذا التوقيت بالتحديد، تهدف وتساعد على تخفيف الضغط على سعر صرف الدولار، بالتوازي مع إطلاق منصّة “Sayrafa”، لإعطائها فاعلية أكثر”. لكن هناك عوامل أخرى ستشكّل ضغطاً على سعر صرف الدولار، أي ستزيد من تراجع إضافي في سعر الليرة، منها الاستمرار بالشلل الحكومي، ورفع الدعم أواخر الشهر الجاري، ما سيشكّل ضغطاً على سعر الصرف، ومصدر تمويل البطاقة التمويلية إذا ما قرّروا تمويلها من مصرف لبنان.

وعن إمكانية تدخّل المركزي في ضبط تقلّبات سعر الصرف على المنصّة الجديدة، وفق ما ذكر بيان المركزي، يرى مهنا أنّ “المركزي لاعب أساسي في المنصّة الجديدة، وإن لم يتدخّل بضخّ الدولارات فيها فلن تكون فعّالة أبداً، ولن يكون تمويل المنصّة سوى من أموال المودعين في المركزي، فهذا هو الحلّ الوحيد أمامه”.

لكنّ المركزي يعتمد نظرية “الهرم المقلوب” في المنصّة الجديدة، بحسب ما يوضح مهنا، عبر ضخّ بضعة ملايين تدريجياً في سوق القطع بانتظار ردّ فعل السوق. فإذا كانت المؤشرات إيجابية ضخّ مجدداً مبلغاً أكبر، أمّا إذا كانت المؤشرات سلبية، يبدأ سعر الدولار بالارتفاع، فيعاود المركزي الضخّ، وصولاً إلى أن يوازي بين العرض والطلب.

وبما أنّ التجّار والمستوردين يشكّلون القسم الأكبر من الطلب على الدولار من السوق الموازية، يتوقّع القيّمون على المنصّة أن تخفّض المنصّة الطلب على الدولار، وتساهم بخفض سعر الصرف. وكذلك،قد يساهم تحرير الودائع في انخفاض سعر صرف الدولار، كما يفيد مهنا. ويضيف: “يُطلِق مصرف لبنان آخر ذخيرة لديه. وما هذه الخطوة إلّا عملية لشراء الوقت لتفادي الانفجار الكبير الذي قد يحصل فور رفع الدعم، حتى إن توفّرت البطاقة التمويلية”.

المصدر: النهار