عون و”حزب الله” وحكومة الحريري المعلّقة… تغطية متبادلة وشروط ورهانات إقليمية ودولية

ابراهيم حيدر – النهار

لم يعلّق “#حزب الله” على زيارة وزير الخارجية الفرنسي #جان إيف لودريان إلى بيروت، ولم يصدر اي موقف في الشأن الحكومي. حتى أمينه العام #حسن نصرالله لم يشر في خطابه الأخير إلى أي ملف في البلد وكأنه يتحدث من خارج لبنان، الأمر الذي يدل على أن الحزب يترقب التطورات الإقليمية والدولية خصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات الدائرة حول الملف النووي وعلى أكثر من محور عربي وخليجي، وكيف ستنعكس على الوضع اللبناني، فإذا كانت تداعياتها إيجابية على تشكيل الحكومة لجهة ضمان موقعه ودوره يسير فيها وفق ما تقتضيه الظروف، أما إذا تأزمت الأوضاع فيتقدم انطلاقاً من فائض قوته لفرض أمر واقع جديد، ليس على مستوى الحكومة فحسب، إنما في ما يتعلق بالبلد والنظام والتركيب السياسي والطائفي. لذا ليس مستعجلاً لتحديد خياراته في اللحظة المفصلية للتغيرات في المنطقة، قبل جلاء الصورة العامة للوضعين الإقليمي والدولي.




اختار “حزب الله” الصمت في ما يتعلق بتشكيل الحكومة، لكنه يتحرك على غير مستوى بالعلاقة مع رئيس الجمهورية #ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، فيغطي التصلب العوني بطريقة غير مباشرة، ويضمن مصالحه الثابتة بالعلاقة مع كل الأطراف والطوائف، حتى أن وزير الخارجية الفرنسي لم يشر إلى الحزب في موضوع التعطيل، بخلاف ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما أشرك “حزب الله” في الطاولة التي جمعت كل القوى السياسية في آب الماضي في بيروت. لذا ينحصر السجال حول الحكومة والتعطيل بين رئيس الجمهورية وتياره ورئيس الحكومة المكلف #سعد الحريري وفريقه، فيما يغيب الحزب عن السجال على الرغم من تأثيره المباشر وغير المباشر وهو له كلمة أساسية في ملف التشكيل.

الصورة التي يقدمها “حزب الله” لا تعني أن ليس لديه موقفاً من المسالة الحكومية، فهو وإن قرر عدم الكلام، إلا أن سياسته واضحة في هذا المجال ولها اعتبارات وحسابات إقليمية ودولية، انطلاقاً من تدخله في المنطقة، التزاماً بقرار مرجعيته الإيرانية، وعندما يعلن نصرالله أن الأجواء الإقليمية والمحلية هي لمصلحة قوى المقاومة، فإن ذلك وحده يؤشر كيف يوازن بين التطورات في المنطقة وانعكاساتها على الداخل اللبناني ويربط عملية تشكيل الحكومة فيها. لذا لا يمكن اعتبار التشدد العوني في موضوع الثلث المعطل إلا استناداً إلى دعم “حزب الله” له، وهو أمر ليس بعيداً عن الواقع، إذ أن عون وباسيل يستثمران هذا الدعم، على الرغم من أن العلاقة بين “حزب الله” والرئيس الحريري جيدة أيضاً، باعتبار أن نصرالله أكد في غير مناسبة أنه لا يعترض على الحريري رئيساً وان لا بديل منه حالياً.

لكن الوضع الداخلي اللبناني الذي يسير نحو الانهيار، لن يستمر على هذه الحال إلى ما لا نهاية، فالجميع اليوم داخل الازمة في البلد وفي البيئات الطائفية، لذا سيصل الحزب غير المكترث حالياً ولا مستعجلاً لتشكيل الحكومة، إلى قول كلمته في الشأن الحكومي، وهو الأكثر هيمنة على القرار وفي المسار السياسي العام، فإذا استمر في تغطية واحتضان رئيس الجمهورية وصهره وتشددهما في ملف التشكيل، يعني أنه سيضغط على الرئيس المكلف لدفعه إلى الاعتذار أو تذهب الأمور الى مزيد من التأزيم، خصوصاً بالعلاقة مع البيئة السنية التي تسعى الى استعادة موقعها والحفاظ على صلاحياتها في الرئاسة الثالثة. ومن هذه المعادلة لم يقدم “حزب الله” حتى الآن اي مطالعة جديدة أو موقفاً يؤكد فيه حرصه على تشكيل الحكومة، أقله للملمة الوضع وإدارة الانهيار ومعالجة تداعيات الازمة، إلا تأكيده دعم رئاسة الجمهورية في إطار التحالف الحاكم وتغطياته السياسية، وهو مستمر بهذا الدعم انطلاقاً من توظيفه للعلاقة مع الطرف المسيحي الحليف الذي يخسر ويفقد رصيده في الساحة المسيحية.

يختلف موقف “حزب الله” من الموضوع الحكومي والتسوية مع رئيس مجلس النواب #نبيه بري، وهو أمر سيظهر إلى العلن إذا استمر المسار الانحداري على ما هو عليه، فإذا كان بري يدعو الى التسوية وفي الوقت نفسه يدعم الرئيس سعد الحريري في معظم مواقفه ولا يوافق على الثلث المعطل، على ما عكسته مبادرته الاخيرة التي وقفت على أبواب قصر بعبدا، فإن “حزب الله” الصامت في الملف الحكومي، لا يزال يدعم مواقف عون وباسيل، وإن كان لا يعترض على الحريري، بالرغم من التحذيرات التي أطلقها نصرالله قبل نحو شهرين ودعا فيها الحريري الى السير بحكومة تكنو سياسية يستطيع أن يستند على دعم قواها، وبذلك يصب موقفه في ممانعة عون وشروطه للتشكيل.

امام هذه الوقائع كان لافتاً عدم تحدث نصرالله عن لبنان في خطابه الاخير، إلا من زاويتين، الأولى تتعلق بالترسيم وهو الذي لم يتخذ موقفاً حاسماً منها، والثانية موضوع المناورات الإسرائيلية، حيث أعلن جهوزية المقاومة للمواجهة. وبما أنه لم يتناول الوضع الحكومي، إلا أن إشارته إلى العقوبات وضرورة رفعها بعد التوصل الى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وتراجع احتمالات الحرب، وكذلك إشارته إلى الحوار الإيراني السعودي، يدل على رهانه على تغيرات في المنطقة تنعكس على لبنان، وبالتالي على ملف الحكومة. لذا يفضل الحزب الانتظار لإعادة رسم معالم جديدة في المنطقة وفي موازين القوى، وهي قد تطيح بالحريري نفسه، فيضغط في شكل غير مباشر عليه من الخلفية الاقليمية، ويضعه أمام خيار الاعتذار، خصوصاً وأنه يصر بحسب مصدر سياسي متابع على عقد لقاء مع باسيل وترتيب الشؤون الحكومية والتشكيلة على هذا الاساس، بما يعني انحيازه الى عون وصهره، وربط التشكيل بمعادلة الثلث المعطل، لا سيما وأن نصرالله نفسه طالب سابقاً بحكومة تكنوسياسية ولمّح للحريري بضرورة الاعتذار إذا لم يكن قادراً على التشكيل. والواقع أن الحزب لم يفعل شيئاً لتشكيل الحكومة حتى عندما دعا إلى التسوية وضرورة تشكيلها، وهذا وحده أمر يعبّر عن رهانات الحزب في هذه المرحلة… الحزب لا يضغط على حليفه بل يتماهى معه والتغطية مستمرة إلى أن ينهار البلد…