زمن المفوّض السامي تحوّل ومعرقلو تأليف الحكومة لا تخيفهم عقوبات لودريان

خطفت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت الأسبوع المنصرم الأضواء، واستقطبت الاهتمام نظراً لارتباط نتائجها بمصير المبادرة الفرنسية وعملية تأليف الحكومة واعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري عن عدم التأليف أو استمراره في مهمته.

وإذا كان لودريان حمل رسالة شديدة اللهجة إلى الطبقة السياسية الحاكمة، مكرراً تحذيراته من غرق البلد، فهو لم يركّز في محادثاته على تشكيل الحكومة بل بدا مهتماً أكثر بالانتخابات النيابية وعدم تأجيل موعدها في ايار/مايو 2022 وهذا ما عبّر عنه في خلال لقائه مع المجموعات التي التقى بها في قصر الصنوبر، وكأنه بتقديمه ملف الانتخابات يحاول التعويض عن النكسة التي أصابت المبادرة الفرنسية في موضوع عدم إحراز تقدّم في موضوع التأليف الحكومي.




وقد ختم لودريان زيارته مثلما بدأها بمواقف تحذيرية من دون ان يكشف ضد مَن بالتحديد، لكنه أكد تكثيف الضغوط والبدء بإطلاق إجراءات تقييدية سيعلم بها المستهدفون منها. غير أن معظم التحليلات أجمعت على فشل باريس في إدارة الملف اللبناني ليس بسبب أدائها بل بسبب تنكّر المسؤولين اللبنانيين لفداحة الأزمة وإدارة الظهر لما ينتظر البلاد من انهيار. وقد تكون الطبقة السياسية التي اعتادت على توبيخ وتهديد ضابط سوري على غرار رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان اللواء غازي كنعان وبعده العميد رستم غزالة، لن يجدي معها كلام دبلوماسي لرئيس أو وزير من دولة ديمقراطية، وهذا ما جعل البعض يتهكّم على ضعف الدور الفرنسي، وهذا ما جعل لودريان يلوّح بالعصا الفرنسية بدل الجزرة على الرغم من الاعتقاد أن الإجراءات العقابية كمنع الدخول إلى الأراضي الفرنسية وتقييد حركة التنقّل ليست فعّالة ولا تخيف معرقلي تأليف الحكومة الذين تبدو أنظارهم مركّزة أكثر على نتائج مفاوضات فيينا بين الجانبين الأمريكي والإيراني من جهة وعلى نتائج المحادثات الجارية بين السعودية وكل من إيران وسوريا.

تاريخياً كان هناك دور حاسم لفرنسا في لبنان الذي وُضع تحت نظام الانتداب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 حيث أدارت شؤونه وهيّأته للقيام بها، وأعلنت عام 1920 دولة لبنان الكبير من قصر الصنوبر بالذات الذي أجرى فيه حالياً الوزير لودريان لقاءاته بكل من الرئيس المكلف سعد الحريري ومجموعات من المعارضة ضمّت حزب الكتائب ممثلاً بالنائب المستقيل سامي الجميّل و»حركة الاستقلال» ممثلة بالنائب المستقيل ميشال معوّض و»عاميّة 17 تشرين» والنائب المستقيل نعمة افرام و»تقدم» و»تحالف وطني» والكتلة الوطنية و»بيروت مدينتي» و»مسيرة وطن».

يومها حكمت فرنسا لبنان حكماً عسكرياً مباشراً بين عامي 1920 و1926 وتوالى على الحكم في تلك الفترة 4 مفوضين سامين هم الجنرال هنري غورو والجنرال مكسيم ويغان والجنرال موريس ساراي والمفوّض هنري دو جوفنيل الذي كان مدنياً وتمّ في عهده وضع الدستور اللبناني عام 1926. وخلافاً لما هو عليه الحال اليوم فقد كانت للمفوّض السامي الفرنسي صلاحيات واسعة إذ كان يترأس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ويشرف على السياسة الخارجية والشؤون الاقتصادية ويقرّر الضرائب ويُصدر القرارات، وكان لديه جيش بإمرته ويعاونه حاكم عسكري وأجهزة متعددة.

ويمكن القول إن التنظيمات الإدارية والمالية والانمائية في لبنان بدأت في عهد الانتداب سواء لجهة تقسيم المحافظات والأقضية والقرى والبلدات أو لجهة قانون الانتخابات وقانون البلديات وتنظيم قوى الأمن وتنظيم جباية الضرائب والرسوم الجمركية، أو لجهة فتح المدارس الرسمية والخاصة ووضع برامج التعليم وشقّ الطرقات وبناء الجسور وتسيير ترمواي بيروت وبناء السكك الحديدية التي زالت كلها اليوم، وجعلت بعض اللبنانيين يترحّمون على الانتداب الفرنسي لدى زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى بيروت غداة الانفجار في المرفأ في 4 آب/أغسطس الفائت.

أما اليوم تبدو الأداة التنفيذية مفقودة من يد فرنسا، وهي لذلك بدأت تراهن على تجديد حقيقي في الطبقة السياسية من خلال استبعاد الأحزاب السياسية التي التقت ماكرون ونكثت بتعهداتها أمامه عن لقاءات لودريان الذي ارتأى الاجتماع بقوى أطلقت على نفسها تسمية القوى التغييرية، علماً أن بينها أحزاباً تقليدية سبق وشاركت في الحكم منذ سنوات طويلة كحزب الكتائب أو كحزب الكتلة الوطنية الذي تراجع حضوره الشعبي قبل سنوات بعدما كان التمثيل السياسي في البلد ينقسم بينه وبين الحزب الدستوري.

ومن المآخذ على الوزير الفرنسي أنه استثنى بكركي من جولته على الرغم من العلاقة التاريخية التي تربط بين فرنسا والبطريركية المارونية التي سعت جاهدة للتوفيق بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس سعد الحريري ولا يتوانى سيّدها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عن إطلاق المواقف المندّدة بعدم الاتفاق على تأليف الحكومة. وكما بكركي كذلك الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لم يضع رئيسه وليد جنبلاط شروطاً تعجيزية أمام التأليف لا بل لم يتمسّك بحصر التمثيل الدرزي بالمختارة إنما طرح مبدأ التسوية لتفادي الانهيار ولو تطلّب الأمر توسيع الحكومة من 18 إلى 20 أو 24 وزيراً فيما جاء لودريان ليعمّم بشكل غير منطقي في رمي مسؤوليات التعطيل مساوياً بين المعطّلين الحقيقيين وبين المسهّلين. أما القوات اللبنانية التي لم يتم أيضاً أي اتصال بين لودريان ورئيسها سمير جعجع فهي كانت منذ البداية أبلغت الرئيس الفرنسي أن لا أمل يُرتجى مع هذه الطبقة السياسية الحاكمة، وهي لذلك لم تسمّ لا السفير مصطفى أديب ولا بعده الرئيس الحريري.

يبقى أن المقاربة الفرنسية تغيّرت حالياً وبات هناك اقتناع في الدوائر الفرنسية بأنه لا يمكن التعويل على هذه الطبقة السياسية، ولكن هل يمكن التعويل على ما يُسمّى المعارضة أو القوى التغييرية لإحداث تغيير كبير في لبنان في الانتخابات النيابية المقبلة اذا بقيت في موعدها؟ وهل يمكن توقّع أي تغيير في حال بقي حزب الله على حاله قابضاً على السلطة ومستقوياً بسلاحه الذي لا أحد يأتي على ذكره باستثناء بعض الأطراف في الجانب المسيحي؟

إنها اسئلة مشروعة في زمن الصفقات حيث يسود خوف لدى بكركي من عقد تسويات على حساب سيادة لبنان، ولذلك استعجل البطريرك الراعي عقد مؤتمر أممي لإنقاذ لبنان من الخطر الوجودي المحدق به.

القدس العربي