الأقصى يقهر الاحتلال.. 100 ألف أحيوا ليلة القدر والأنظار تتجه لـ”معركة الإثنين” ودعوات فلسطينية للنفير

تسود مدينة القدس المحتلة حالة من الهدوء الحذر، بعد مواجهات حامية انفجرت ليل الجمعة واستمرت حتى فجر الأحد، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور بعد يوم الإثنين، الذي يصادف 28 رمضان، وهو الموعد الذي قرر فيه المستوطنون تنفيذ اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى والبلدة القديمة، احتفالا باليوم الذي أكملت فيه إسرائيل احتلال المدينة.

100 ألف ليلة القدر

ورغم إجراءات الاحتلال المشددة، وقمع المصلين المتعمد، إلا أن نحو 100 ألف مصل، من المقدسيين وسكان مناطق الـ48 وآخرين قدموا من عدة مناطق بالضفة الغربية، أقاموا ليلة القدر في رحاب المسجد الأقصى.




وقد استبقت قوات الاحتلال، وصول المصلين وأقامت العديد من الحواجز العسكرية على مداخل القدس المحتلة، ومنعت الكثير منهم من الوصول للأقصى، وتعمدت الاعتداء على من تمكنوا من الوصول لبواباته، في مسعى منها لحرمانهم من إقامة الليل.

وبسبب إجراءات الاحتلال العسكرية التي حولت القدس المحتلة إلى ما أشبه بثكنة عسكرية، من كثرة الجنود والحواجز، اندلعت مواجهات شعبية في عدة أماكن، حيث هاجمت قوات الاحتلال المقدسيين واعتدت عليهم بالضرب المبرح، وأطلقت الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع صوبهم، ما أدى إلى إصابة الكثيرين، في الأحياء القريبة من المسجد، كما أصيب مواطن، في اعتداء للمستوطنين على مواطنين في حي الشيخ جراح المهدد بالمصادرة، حيث يتواجد هناك سكان الحي والعديد من المتضامنين معهم، كما اندلعت مواجهات بين الشبان وشرطة الاحتلال التي أطلقت قنابل الصوت والغاز تجاه المواطنين المتواجدين في محيط البيوت المهددة بالإخلاء.

مواجهات عنيفة

وقالت جمعية الهلال الأحمر، إن طواقمها قدمت الإسعافات لـ90 مواطنا أصيبوا بجروح خلال مواجهات عنيفة مع الاحتلال، ليل السبت، في محيط باب العامود وباب الساهرة وحي الشيخ جراح وباب الأسباط وحطة في القدس المحتلة، من بينهم أب وأطفاله الأربعة.

وأفاد الهلال في بيان صحافي، بأنه تم نقل 16 إصابة لمستشفى المقاصد، و14 أخرى للمستشفى الميداني التابع له، وكانت معظمها بالرصاص المطاطي، وقنابل الصوت بشكل مباشر والاعتداء بالضرب، لافتة إلى أنه كان من بينها عدة إصابات بين الأطفال دون 18 عاما، منهم طفلة تبلغ من العمر عاما واحدا، لافتا إلى أن الاحتلال لم يسمح لسيارات الإسعاف من الدخول لمحيط باب العامود، رغم وجود عشرات الإصابات، وتم تسجيل إصابة لأحد المسعفين.

وفجر الأحد جددت قوات الاحتلال اعتداءاتها على المواطنين، خلال خروجهم من المسجد، بعد أداء صلاتي القيام والفجر، حيث أصيب عشرة مصلين على الأقل. كما اعتدت قوات الاحتلال بعنف، على المواطنين المتواجدين في محيط حي الشيخ جراح، المهدد بالمصادرة، وقامت بالاعتداء على فتيات تواجدن في خيمة اعتصام لسكان الحي، وتخلل الاعتداء اعتقال خمسة مواطنين.

وكانت قوات الاحتلال، منعت مساء السبت، إدخال شاحنات تحمل وجبات إفطار للصائمين المعتكفين في المسجد الأقصى، وذكرت مصادر من المدينة أن قوات الاحتلال منعت شاحنات تابعة للأوقاف الإسلامية من الدخول للمسجد الأقصى عبر باب الأسباط، ونوهت إلى أن هذه الوجبات تقدم من الأوقاف الإسلامية سنويا لمن يفطر في ليلة القدر في شهر رمضان المبارك، كما منع جيش الاحتلال، مساء السبت، وصول حافلات تقل فلسطينيين من مناطق الـ48، من التوجه إلى مدينة القدس المحتلة، للصلاة في المسجد في ليلة القدر.

إلى ذلك فقد اندلعت عدة مواجهات شعبية حامية في المناطق الفلسطينية، رفضا لما يجري في القدس، حيث أصيب العشرات من المواطنين بحالات اختناق جراء إطلاق قوات الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع في مخيم العروب، وقرية التوانة بمسافر يطا في محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية، كما حاولت مجموعة من مستوطني مستوطنة “بيت هداسا” و”رمات يشاي” الاعتداء على المواطنين.

كما اندلعت مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي بالقرب من حاجز عسكري الجلمة شمال شرق جنين، فيما اعتدت قوات الاحتلال على مواطنين في قرية بدرس غرب رام الله، والذين شاركوا في مسيرة تضامنية مع سكان القدس، ونظمت أيضا في المدارس فعاليات مساندة للقدس، حمل خلالها الطلاب لافتات تندد بقمع الاحتلال للمصلين، وتندد بخطط  الترحيل القسري التي تهدد سكان حي الشيخ جراح.

كذلك أصيب ثلاثة شبان، بنيران قوات الاحتلال، خلال مواجهات اندلعت شرق قطاع غزة، بعد مسيرات خرجت للتضامن مع المصلين في المسجد الأقصى وسكان حي الشيخ جراح.

وذكرت إحصائية محلية أن الأسبوع الماضي شهد اندلاع مواجهات مع الاحتلال في 78 نقطة بالضفة والقدس، تخللها عمليات إطلاق نار بطولية وإلقاء زجاجات حارقة وأكواع متفجرة، واستشهد خلالها 4 مواطنين، وقتل مستوطن بعملية “حاجز زعترة”، فيما أصيب 23 جنديا من الاحتلال و9 مستوطنين.

خطط عسكرية

وكانت قوات الاحتلال دفعت بمزيد من التعزيزات العسكرية والجنود إلى مدينة القدس المحتلة، وإلى العديد من مناطق الضفة الغربية، خشية من تطورات ميدانية تحدث على الأرض، في ظل تنامي موجة الغضب الشعبي التي تشهدها المناطق الفلسطينية، رفضا للاحتلال، ومخططات الاستيطان، وخاصة تلك التي تنوي سلطات الاحتلال تنفيذها في حي الشيح جراح.

وفي محاولة لوضع الخطط العسكرية، الهادفة إلى الضغط على المقدسيين وسكان الضفة، وتسهيل عمليات الاقتحام، ومنع ردود الفعل الغاضبة، عقد رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيف كوخافي، اجتماعا مع كبار ضباطه على ضوء التصعيد الأخير في مدينة القدس المحتلة، وإمكانية انعكاسه على كل الجبهات، حيث تقرر الدفع بالمزيد من القوات القتالية إلى المناطق الحساسة، كما تقررت خطوات أخرى دون الإفصاح عنها، وقالت تقارير عبرية إن كوخافي دعا قادة الجيش للاستعداد لإمكانية حدوث تصعيد آخر على الأوضاع الأمنية.

تنديد عربي ودولي بأفعال إسرائيل المخالفة للقانون وقائد جيش الاحتلال يدعو للاستعداد للقادم

ورغم قرار الاحتلال منذ منتصف الأسبوع الماضي منع اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، خشية من تصاعد موجة الغضب الفلسطيني، وبسبب ازدياد عدد المصلين في هذه الأوقات، حيث أيام العشر الأواخر، تستعد جماعات استيطانية متطرفة، لتنفيذ عمليات اقتحام واسعة لباحات المسجد ومناطق عدة بالقدس، منها البلدة القديمة، يوم 28 رمضان، الذي يصادف يوم احتلال القدس الشرقية، في إطار احتفالات كبيرة تريد إحياءها هذه الجماعات، وهو ما قوبل برد فعل فلسطيني غاضب، ودعوات للنفير العام وشد الرحال، لحماية المسجد من هذا الهجوم، وإنذارات من المقاومة بتوسيع دائرة الاشتباك.

وفي هذا السياق أشاد أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام الجناح العسكري لحماس، بصمود المرابطين في القدس والأقصى، وأضاف “نقول لهم بأن قائد أركان القسام محمد الضيف وعدكم ولن يخلف وعده”، في إشارة إلى تهديد الضيف السابق بالرد على تلك الاعتداءات، بعد أن وجه تحذيرا أخيرا للاحتلال والمستوطنين.

يشار إلى أن الرئيس محمود عباس قال في كلمة وجهها للشباب الفلسطيني “إن بطش وإرهاب المستوطنين لن يزيدنا إلا تمسكا بحقوقنا المشروعة”، محملا حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عما يجري من تطورات خطيرة واعتداءات آثمة، وطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته الكاملة لـ”وقف العدوان على أهلنا وشعبنا ومقدساتنا”.

دعوات لتوسيع المواجهات

وفي السياق، دعت حركة فتح الجميع في الأيام والساعات القادمة إلى رفع وتيرة المواجهة في الأراضي الفلسطينية ونقاط الاحتكاك وطرقات المستوطنين، كما حذرت حركة فتح “حكومة اليمين العنصري” في إسرائيل من مغبة التمادي في البطش والعدوان، وقال المتحدث باسمها حسين حمايل، إن الاعتقالات التي طالت قادة وكوادر الحركة في القدس “لن تزيدنا إلا تمسكا بالقدس والدفاع عنها، والتصدي لمخططات الاحتلال بتصفية وجودنا في هذه المدينة المقدسة”.

من جهتها دعت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية، الفلسطينيين لـ”الانخراط الكامل” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في كل مكان في القدس والضفة وغزة ومناطق 48، وطالبت، في بيان لها، الفلسطينيين في الشتات إلى التظاهر أمام السفارات والمؤسسات الدولية، كما دعت أهالي غزة والشباب الثائر إلى الانطلاق في فعاليات تضامنية وكل أشكال المقاومة الشعبية، وأكدت أن يوم 28 رمضان هو “يوم للمواجهة والاشتباك على كافة نقاط التماس والحواجز والمستوطنات”، ودعت لتحويل هذا اليوم إلى “يوم معركة حقيقية”، ودعت للبدء الفوري بإطلاق القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية بمشاركة الجميع، من أجل أن تقود الهبة الشعبية والجماهيرية في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

وكان المصلون في المسجد الأقصى عادوا منتصرين فجر السبت، بعد ليلة شهدت مواجهات شعبية حامية الوطيس مع الاحتلال، التي اعتقلت منهم خلالها العشرات وأصابت أكثر من 200 آخرين، حين اقتحمت المسجد، واعتدت عليهم بالضرب، بهدف طردهم منه، وما تخلل العملية وقتها من اقتحام مصلى باب الرحمة، وتدمير ما فيه من مقتنيات، وبسبب الإصابات الكثيرة اضطرت طواقم الهلال الأحمر لإقامة نقاط طبية ميدانية لتقديم العلاج لهم.

وفي سياق الهجمات الاستيطانية، هاجمت مجموعة من المستوطنين، مساء السبت، بالرصاص الحي واعتدت على الأهالي والمزارعين ورعاة الماشية بمسافر يطا جنوب الخليل، وقال منسق لجان الحماية والصمود بمسافر يطا وجبال جنوب الخليل فؤاد العمور، إن مستوطنين هاجموا بحماية جنود الاحتلال، منازل المواطنين وأطلقوا الرصاص الحي صوب الأهالي في قرية التوانة واعتدوا عليهم وعلى المزارعين ورعاة الماشية، وعلى متضامن أجنبي بالضرب، في خربتي الطوبا ومغاير العبيد أثناء رعيهم ماشيتهم وحصادهم محاصيلهم.

كما منعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، المزارعين في خربة حمصة الفوقا بالأغوار الشمالية من حصاد محاصيلهم الزراعية، وقامت باحتجازهم لساعات.

تنديد دولي

يشار إلى أن حوادث الاعتداء الأخيرة على المسجد الأقصى، لاقت تنديدا دوليا وعربيا واسعا، حيث حملت الكثير من الدول والمنظمات الدولية إسرائيل المسؤولية عما يجري، وأعرب المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند عن قلقه البالغ من تصاعد التوترات والعنف في القدس ومحيطها، في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وأحياء فلسطينية بالمدينة.

وقال الاتحاد الأوروبي، إن “الوضع فيما يتعلق بإخلاء العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح ومناطق أخرى من القدس الشرقية يثير القلق الشديد”، واصفا ما يجري هناك من خطط الاحتلال لطرد سكان الحي بأنها “أعمال غير قانونية”، بموجب القانون الإنساني الدولي، وتؤدي لتأجيج التوترات على الأرض.

كذلك دعت اللجنة الرباعية الدولية لعملية السلام في الشرق الأوسط، إسرائيل إلى “ضبط النفس وتجنب الإجراءات التي من شأنها تصعيد الموقف في مدينة القدس” المحتلة.