الأقصى يدافع عن الشيخ جراح.. جذور المعركة التي يخوضها الفلسطينيون في القدس

كان النشطاء الفلسطينيون عادة يهبون لنجدة الأقصى، ولكن اليوم تحول المسجد لساحة للدفاع عن مأساة يتعرض لها قطاع من الشعب الفلسطيني وهم سكان حي الشيخ جراح.

فلقد أصبح حي الشيخ جراح محور تصاعد التوتر في القدس الشرقية، وحفَّز الفلسطينيين والمدافعين عنهم في مختلف أنحاء العالم، بدءاً من القيادة الفلسطينية في رام الله وغزة وحتى المشرعين والمسؤولين في الأردن القريب وواشنطن البعيدة، على تسليط الضوء على جزء مما يحدث لهم في المدينة.




ومن المنتظر أن تقرر المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الإثنين المقبل، 10 مايو/أيار، ما إن كانت ستؤيد الحكم بإخلاء ست عائلات من الحي لصالح المستوطنين اليهود. وأصبحت المعركة القضائية التي تعود إلى عقود حول مصير سكان حي الشيخ جراح رمزاً للمحاولة الأوسع نطاقاً لإبعاد آلاف الفلسطينيين من مناطقهم الاستراتيجية في القدس الشرقية، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

وقال عبدالفتاح سكافي (71 عاماً)، وهو أحد الفلسطينيين الذين يواجهون محاولات الإخلاء، خلال احتجاج هذا الأسبوع: “لا يريدون عرباً هنا أو في أنحاء القدس الشرقية. يريدون طرد العرب، وبهذا سيتمكنون من تطويق البلدة القديمة”، القلب القديم للقدس الذي يضم مواقع مقدسة لليهود والمسلمين والمسيحيين.

العلاقة بين حي الشيخ جراح والأقصى.. كيف بدأت الأحداث؟

اندلاع المواجهات في محيط الحرم القُدسي الشّريف في الأيام الأخيرة من شهر أبريل/نيسان 2021، لم تأتِ هذه المواجهات بُغتةً أو فجأةً كما تحاول إسرائيل تصوير الأمر، إذ إن القدس تشتعل منذ فترة طويلة على إثر السعي لإخلاء حيّ الشيخ جرّاح.

كما اتخذ الإسرائيليون خطوات استفزت الفلسطينيين، وصعدت التوتر في المدينة. إذ فرضت الشرطة الإسرائيلية في أبريل/نيسان قيوداً على التجمعات في ساحة شعبية بالقدس الشرقية، ما أدى إلى مصادمات وتظاهرات هناك. وخرج إسرائيليون يمينيون متطرفون لاحقاً بمسيرات عبر مركز المدينة يهتفون “الموت للعرب”، في خضم هجمات جماعية شنتها مجموعات يهودية وعربية.

وبدأت المواجهات في شهر رمضان في المسجد الأقصى مع قيام شرطة “إسرائيل” بقطع أسلاك مُكبرات الصوّت في المسجد في أول أيام رمضان بحجة تخوّفها من قيام المُصلين بالإزعاج خلال طقوس الاحتفال بـ”يوم ضحايا الإرهاب”، ما أثار موجة غضبٍ عارمة لدى الشباب المقدسي، حسبما ورد في تقرير لموقع عمان نت، استناداً إلى مصادر إسرائيلية.

تلا هذا اقتحامات مُستفزة لمستوطنين مُتدينين للحرم القُدسي، ردّ عليها الشباب المقدسيّ، ما أدى لمواجهات قامت على إثرها شرطة الاحتلال بتفريق صلاة التراويح واعتقال بعض الشباب المقدسيين.

لم تتوقف استفزازات الجماعات المتطرفة في شهر رمضان، إذ يُظهر موقع “هار هبايت” على الإنترنت، وهو الاسم الذي يُطلقونه على الحرم القُدسي، عشرات الاقتحامات، كان أبرزها مثلاً دخول العشرات منهم برفقة عدد من رجال الدين اليهود للقيام بطقوس دينيّة.

ثُمّ إضاءة الشموع في يوم النكبة احتفالاً باستقلال ما يعرف بعيد “إسرائيل” بمُرافقة قوات مُعزّزة من الشرطة والجيش لحمايتهم.

وتضمن ذلك نشر فيديو مُستفزّ لعضو الكنيست اليميني المُتطرّف، إيتمار بن جفير، من داخل المسجد الأقصى، وهو من أتباع الراف كهانا، ويفتخر بالإرهابي باروخ جولدشتاين، الذي قام بمذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل ويُعلّق صورته في صالون منزله.

وبدأت احتجاجات الأقصى تتوسع خلال صلاة الجُمعة الأولى من رمضان في المسجد، التي يُشارك بها عشرات آلاف وانطلقت بعد أن قرّرت الشرطة إغلاق الطرقات المُؤدّية لبعض البوابات الرئيسيّة للمسجد، وفتحت فقط معبراً ضيّقاً جداً، وهي أماكن اعتاد مئات الفلسطينيين أداء صلاة التراويح فيها منذ القِدّم.

واشتدّت المواجهات عندما قرر الشباب المقدسي رفع الحواجز عن الطرقات، واتّهمت الشرطة الشباب بإلقاء الحجارة على عناصرها، بعد استخدامها القوّة المُفرطة معهم كما وثّقت الكاميرات، كما قامت بالاعتداء على الشباب واعتقال العشرات منهم.

ولم تكتفِ الشرطة الإسرائيلية بهذا، بل خصصت على ما يبدو وحدة سيبرانيّة لمُراقبة ما يتم نشره، وقامت باعتقال عدد من الشباب بعد نشرهم فيديوهات عبر منصّة “تيك توك”.

كان المحتجون الفلسطينيون يتجمعون ليلاً في حي الشيخ جراح على مدار الأسبوع الماضي، وتصادموا مع شرطة الشغب وجماعات اليمين المتطرف الإسرائيلية.

وألقت الشرطة الإسرائيلية قنابل الصوت وأطلقوا الرصاص المغلف بالمطاط، ما أسفر عن إصابة أكثر من 150 شخصاً. وأظهرت مقاطع الفيديو سقوط القنابل الصوتية داخل المصليات.

أدَّت صور عنف الشرطة تجاه احتجاجات الشيخ جراح إلى انتقادات عنيفة من أعضاء الكونغرس المتعاطفين وكذلك من الحكومة الأردنية، التي كانت تسيطر على القدس حتى عام 1967، والعديد من الجهات الدولية والعربية، فيما طالبت فلسطين بعقد اجتماع لجامعة الدول العربية.

وقد أعربت الأمم المتحدة عن قلقها.

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جالينا بورتر، الجمعة: “نشعر بقلق عميق بشأن التوترات المتصاعدة في القدس”، داعيةً للهدوء “من أجل خفض التوترات وتجنب المواجهة العنيفة”.

وقال الاتحاد الأوروبي، إن “الوضع فيما يتعلق بإخلاء العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح ومناطق أخرى من القدس الشرقية يثير القلق الشديد، وهذه الأعمال غير قانونية بموجب القانون الإنساني الدولي، وتؤدي لتأجيج التوترات على الأرض”.

وأعرب وزير الخارجية الأيرلندي سيمون كوفيني عن قلق بلاده من أحداث العنف في القدس الشرقية، والتهديد بالإخلاء في حي الشيخ جراح، وطالب كوفيني في تغريدة له عبر موقع “توتير” بضرورة وقف عمليات الإخلاء والهدم.

وهدد الجناح العسكري لحركة حماس إسرائيل بالرد، وتعهد بأنَّ “العدو سيدفع ثمناً باهظاً” إن لم تُوقَف الإجراءات ضد سكان حي الشيخ جراح.

يزعم المستوطنون اليهود ونشطاء اليمين المتطرف الإسرائيلي أنَّ السكان الفلسطينيين يضعون أيديهم على الأرض بغير حق على مساكن بحي الشيخ جراح، وأنَّ الحي، الذين يزعمون أنه مبني بجوار مقبرة كاهن يهودي كبير من العصور القديمة كان يهودياً حتى عام 1948.

وتجمَّع المئات من سكان القدس الشرقية في حي الشيخ جراح كل ليلة على مدار الأسبوع الماضي للدفاع عن بيوتهم، وغالباً ما تبدأ وقفاتهم الاحتجاجية بوجبات الإفطار، تتبعها احتجاجات ورقص، وتُتوَّج باشتباكات مع الشرطة، فتنقض عليهم الشرطة على ظهور الخيل وترشهم بماء الظربان وتلقي عليهم القنابل الصوتية.

وجرى إحراق سيارات، وإشهار أسلحة، واعتقال العشرات. وتعرَّض عضو يهودي في البرلمان من حزب ذي أغلبية عربية للضرب على يد الشرطة الشهر الماضي، أبريل/نيسان.

اقتراب صدور حكم المحكمة الإسرائيلية يفجر الأوضاع

حاولت الحكومة الإسرائيلية التهوين من الصراع، واصِفةً القضية بأنَّها مسألة شخصية بين عائلات عربية انتقلت إلى الحي في الخمسينيات ومجموعات استيطانية حكمت المحاكم الإسرائيلية بأنَّها المالك الحقيقي لمنازل العائلات.

كانت هناك احتجاجات أسبوعية صغيرة في الشيخ جراح طوال سنوات، لكنَّ الصراع تفجَّر على مدار الأسبوع الماضي مع اقتراب المحكمة العليا من إصدار قرارها.

وزاد التأجيل الأخير للانتخابات الفلسطينية من إحباط العرب. وتضاعفت هذه التوترات نتيجة فراغ السلطة في إسرائيل وعدد من المعارك بالسلاح في الضفة الغربية على مدار الأسبوع الماضي.

ويخشى محللون من أنَّ التوترات قد تصل إلى حد الغليان، يوم الإثنين، في حين يُتوقَّع أن تصدر المحكمة العليا الإسرائيلية حكمها في قضية حي الشيخ جراح. وتتزامن جلسة الاستماع مع “يوم القدس”، وهي الذكرى السنوية التي تحتفل فيها إسرائيل بالاستيلاء على النصف الشرقي من المدينة عام 1967، والتي تحييها الجماعات المؤيدة للاستيطان عادةً بمسيرة استفزازية تعبر المناطق العربية.

تنقل صحيفة The New York Times الأمريكية عن المصادر الإسرائيلية قولها “تعود أصول النزاع في حي الشيخ جراح إلى القرن التاسع عشر، حين كانت فلسطين التاريخية تحت الحكم العثماني.

وتقول المصادر الإسرائيلية إن صندوقين يهوديين اشتريا جزءاً من الحي من الملاك العرب عام 1876.

وبعد أن سيطر الأردن على المنطقة، إلى جانب بقية القدس الشرقية، في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، وبنى عشرات المنازل هناك لإيواء بعض من مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين فروا مما أصبحت تُعرَف بإسرائيل.

ويقول الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس (غير حكومي) إن الحكومة الأردنية وفرت الأرض لسكان الحي الفارين من أراضي فلسطين التي احتلت بعد عام 1948، وتبرعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” بتكاليف إنشاء 28 منزلاً.

وينقل موقع “رصد” عن الائتلاف قوله “أُبرم عقد بين وزارة الإنشاء والتعمير والعائلات الفلسطينية عام 1956، و

الذي من أهم شروطه الرئيسية قيام السكان بدفع أجرة رمزية على أن يتم تفويض الملكية للسكان بعد انقضاء ثلاث سنوات من إتمام البناء”، “لكنّ حرب يونيو/ حزيران عام 1967، (التي انتهت باحتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس)، حالت دون متابعة تفويض الأرض، وتسجيلها بأسماء العائلات”.

ويشير محمد الصباغ، أحد سكان الحي، أن معاناة السكان بدأت في العام 1972، حينما زعمت لجنة طائفة السفارديم، ولجنة كنيست إسرائيل (لجنة اليهود الأشكناز) أنهما كانتا تمتلكان الأرض التي أقيمت عليها المنازل في العام 1885.

وفي شهر يوليو/تموز من عام 1972، طلبت الجمعيتان الإسرائيليتان من المحكمة إخلاء 4 عائلات من منازلهم في الحي، بداعي “الاعتداء على أملاك الغير دون وجه حق”، بحسب الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس.

وأضاف: “قامت العائلات بتوكيل محامي للترافع عنها، وفي عام 1976 صدر حكم من محاكم الاحتلال لصالح العائلات الأربع التي رُفعت الدعوى ضدها، ينص على أن العائلات الأربع موجودة بشكل قانوني وحسب صلاحيات الحكومة الأردنية، وأنها غير معتدية على الأرض”.

ويقول السكان إنهم تعرضوا بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي إلى خديعة وخيانة من قبل محام إسرائيلي وكلوه للدفاع عنهم.

وقررت محكمة إسرائيلية في حكم لاحق بأن الأرض تعود ملكيتها إلى جمعيات استيطانية، وتجاهلت أن تسجيل الملكية تم عام 1972، أي بعد بدايات عمليات التسجيل للفلسطينيين، بحسب ما يشير محمد الصباغ. 

كما قدم الفلسطينيون صكوك ملكية تعود إلى العصر العثماني، يقولون إنَّها تقوض مزاعم الملكية اليهودية التاريخية لجزء من الأرض على أقل تقدير.

وأعلنت وزارة الخارجية الأردنية (29 أبريل/نيسان 2021)، عن مصادقتها على 14 اتفاقية، وتسليمها إلى أهالي حي الشيخ جراح في القدس، عبر وزارة الخارجية الفلسطينية، وهي وثائق جديدة تضاف إلى مجموعة من وثائق سابقة كانت قد سلمتها أيضاً للجانب الفلسطيني، تدعم تثبيت حقوق أهالي الحي بأراضيهم وممتلكاتهم.

مستوطن يعيش مع عائلة فلسطينية في منزلها

وعلى مدار فترة النزاع، وحتى قبل حسمه قضائياً، تم بالفعل إحلال المستوطنين محل بعض العائلات الموجودة بالشارع، في حين تشارك إحدى العائلات منزلها مع المستوطنين منذ سيطروا على نصف المنزل في 2009، The New York Times.

وتُقدِّر مجموعة “السلام الآن”، وهي مجموعة ناشطة تروج لحل الدولتين، أنَّ نحو 200 منزل تضم أكثر من 3 آلاف فلسطيني في مناطق استراتيجية قرب البلدة القديمة مهددة بالإخلاء، في حين أنَّ 20 ألف منزل فلسطيني في أنحاء المدينة مهددة بالهدم.

ويقول الفلسطينيون ومجموعات حقوقية إنَّ عمليات الإخلاء جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز السيطرة اليهودية على القدس الشرقية، وهي المنطقة التي يأمل الفلسطينيون أن تكون عاصمة دولتهم المستقبلية.

وحددت خطة عمرانية كبيرة نشرتها سلطات القدس في 2004 صراحةً هدف إبقاء النسبة العربية من سكان المدينة عند 30%، لكنَّ المعدل ارتفع في الواقع إلى ما يقرب من 40%.

يقول كينغ، نائب رئيس بلدية القدس الإسرائيلية، “بالطبع ما يحدث” جزء من استراتيجية أوسع لزرع “مجموعات من اليهود” في مختلف أنحاء القدس الشرقية، فتلك السياسة “هي السبيل لتأمين مستقبل القدس باعتبارها عاصمة يهودية للشعب اليهودي”، حسب تعبيره.

وأضاف: “إن لم نتواجد بأعداد كبيرة وإن لم نتواجد في الأماكن الصحيحة بالمناطق الاستراتيجية في القدس الشرقية”، فإنَّ مفاوضات السلام المستقبلية “ستحاول تقسيم القدس ومنح جزء من القدس لعدونا”، حسب وصفه للفلسطينيين.

ويعتبر الفلسطينيون والمؤيدون لهم أنَّ عمليات الإخلاء –جنباً إلى جنب مع القيود على تصاريح البناء، التي تجبر سكان القدس الفلسطينيين إما على مغادرة المدينة أو بناء منازل غير شرعية معرضة لأوامر الهدم- نوع من التطهير العرقي، حسبما ورد في الصحيفة الأمريكية.

يمكن لليهودي استعادة أملاكه أم الفلسطيني فلا

إذا حكمت المحكمة لصالح ملاك الأرض ستبقى مسألة ماذا سيحدث للسكان الفلسطينيين تمثل مشكلة كبيرة.

فقد يتم إخلاؤهم بحلول الأسبوع المقبل.

التناقض الغريب أن القانون الإسرائيلي يسمح لليهود باستعادة ملكية الأرض التي أخلوها في 1984، لكنَّه يحرم الفلسطينيين من الحق في استعادة الممتلكات التي فروا منها في نفس الحرب.

فقال سكافي، أحد سكان حي الشيخ جراح، إنَّ عائلته عاشت في القدس الغربية قبل عام 1948، لكن ليس لديها أي حق قانوني لاستعادة ممتلكاتها هناك.

وأضاف: “إنَّها قمة العنصرية، إذ يمكن لليهود استعادة ممتلكاتهم، لكن العرب لا”.

لكنَّ فلور حسن ناحوم، نائبة رئيس بلدية القدس، تبرر هذا التناقض قائلة إنَّ التفرقة ضرورية للحفاظ على شخصية إسرائيل اليهودية.

وقالت: “هذه دولة يهودية، وهناك دولة يهودية واحدة فقط. وبالطبع هناك قوانين قد يعتبرها البعض تحابي اليهود، لكن هذه دولة يهودية، وهي موجودة لتحمي الشعب اليهودي”.