راجح الخوري - النهار

في وداع بلد يموت؟ – راجح خوري – النهار

مع وصول الرئيس ايمانويل ماكرون الى بيروت في السادس من آب الماضي، أي بعد ساعات على انفجار المرفأ، الذي حطم نصف العاصمة بيروت وترك الدولة المسخرة ركاماً على ركام، كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يعلن رفض طهران أي تدخّل فرنسي أو غربي في لبنان.
قد يكون من الضروري جداً قراءة كل النتائج المخيّبة، التي حصلت منذ ذلك الحين في هذا البلد البائس والمحتضر، من تلك الزاوية السياسية الحساسة والمهمة، التي جعلت من زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان – إيف لودريان اول من امس، أشبه بزيارة لالقاء النظرة الأخيرة على جثمان بلد يحشرج الروح.
كل الحديث عن العقوبات الفرنسية وربما الأوروبية المقبلة، لن يغيّر كثيراً من الواقع الفاجع الذي وصل اليه لبنان، فحلّ العقدة الكأداء عملياً ليس عند الفرنسيين ولا عند الأميركيين أو الروس كما أشيع، بل إنها عالقة الآن وسط طوفان من ملفات الأوراق الإقليمية في فيينا، أي في المفاوضات النووية بين ايران والولايات المتحدة وروسيا والصين والدول الأوروبية.

لماذا؟
هنا تحديداً علينا ان نتذكر تصريحات الرئيس ماكرون عشية معاودة المفاوضات النووية، عن انه يتوجب توسيع اطار هذه المفاوضات، إنْ من حيث المشاركين كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج، أو من حيث هدفية وبرنامج التفاوض، بحيث يشملان، اولاً النشاط الصاروخي الباليستي الإيراني، وثانياً سياسة التدخل الإيرانية المزعزعة للإستقرار في المنطقة.




زيارة لودريان الى الرؤساء عون وبري والحريري كانت مبتسرة وبروتوكولية باردة… لا تصريحات بل تسريبات عن عتب وغضب وتلويح بتوسيع العقوبات، لكنه أمضى ساعتين مع رموز من الأحزاب وبعض قادة الحراك الشعبي في ثورة 17 تشرين الأول 2019، ودعاهم الى توحيد الصفوف والإستعداد للانتخابات النيابية المقبلة في أيار 2022، رغم ان الانتخابات الفرعية لا ولن تحصل.

والأخطر ان النسيج المذهبي والطائفي و”التحالف بين الفساد والإرهاب” كما قال ايمانويل ماكرون، والذي دمر وشرذم الإنتفاضة بحماية من أجهزة الدولة كما هو معروف، يستطيع ان يدفع البلد الى التورط في حرب أهلية جديدة بسبب الفقر والعوز والفوضى!

وفي أي حال، مَن قال انه مع هذه العصابات السياسية الممسكة بعنق لبنان، يمكن حتى مجرد التفكير بإمكان الذهاب الى انتخابات في موعدها، اذا كانت الانتخابات الفرعية قد عُطّلت كم هو معروف، ومَن قال على أساس أي قانون انتخاب جديد يمكن ان يحمل تغييراً الى البلاد، والأخطر:
مَن قال ان العصابات السياسية المتحكمة طائفياً ومذهبياً في البلد ستسمح لمنظومات الثورة والمعارضة بتوحيد صفوفها وترتيب برنامج موحد للحراك الشعبي لتحقيق المطالب، وخصوصاً عندما يهدد بتصعيد العقوبات وتوسيعها على الذين عطلوا ويعطلون تشكيل حكومة تبدأ بإنقاذ لبنان؟

المبادرة الفرنسية لا تزال على الطاولة كما يقول لودريان، صحيح، لكن المهم ان يبقى لبنان المعلّق من رقبته في مفاوضات فيينا، والذي يمكن ان ينزلق الى حرب أهلية جديدة في ظل ما يتجه اليه من الجوع والفقر… ولله يا محسنين اسعفونا بآلات السكانر لكي يتوقف تهريب المخدرات من حدودنا الفالتة!